شهباز شريف.. من ظل شقيقه الأكبر "نواز" إلى صانع التسوية الكبرى بين واشنطن وطهران.. يدرك أهمية الجيش الباكستاني في إدارة الدولة.. والدبلوماسية الهادئة سلاحه في التعامل مع الأزمات
من ظل شقيقه الأكبر نواز شريف، برز رئيس الوزراء الباكستاني الحالي شهباز شريف، متسلحا بقدرة لافتة على التعامل مع السياسة بوصفها فنا لإدارة التوازنات. وخاض مسارا حافلا بالتقلبات، تنقل فيه بين أروقة السلطة والمنفى ثم السجون، قبل أن يعود مجددا إلى قمة الحكم، في رحلة تبدو كصراع سياسي مستمر، يسقطه مرة ويعيده في كل مرة أكثر خبرة وصلابة.
كان شهباز، الذي يتردد اسمه اليوم بقوة في سياق الدور الباكستاني البارز في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، المقرر التوقيع على تفاهماتها الأولية في سويسرا يوم الجمعة 19 يونيو الجاري، ظلا لشقيقه الأكبر نواز شريف، الذي تولى رئاسة وزراء باكستان لثلاث فترات، قبل أن ينتهي به المطاف إلى الإقامة في بريطانيا.
وتأثر شهباز بصعود وهبوط شقيقه في المشهد السياسي الباكستاني، حيث تولى رئاسة حكومة إقليم البنجاب لأول مرة عام 1997، وهو الإقليم الأغنى والأكثر اكتظاظا بالسكان في البلاد. وبعد فوز حزب الرابطة الإسلامية في انتخابات عام 2008، عاد لتولي المنصب للمرة الثانية، ثم للمرة الثالثة عام 2013، بعد يوم واحد من تولي شقيقه رئاسة الحكومة في باكستان للمرة الثالثة والأخيرة.
شغل شهباز رئاسة حكومة البنجاب لثلاث دورات، وحقق خلالها تقدما ملحوظا في مشروعات البنية التحتية في الإقليم. وبعد الانقلاب العسكري الذي قاده برويز مشرف وأطاح فيه بحكومة نواز عام 1999، اختار شهباز المملكة العربية السعودية لتصبح المنفى الذاتي له ولعائلته، قبل أن يعود إلى باكستان عام 2007 ليستأنف مسيرته السياسية من جديد.
براءة من اتهامات الفساد
لم تكن مسيرة شهباز بعد العودة أفضل من سابقتها، حيث واجه اتهامات بالفساد وغسل الأموال من قبل مكتب المحاسبة الوطني الباكستاني، وصادرت هيئة مكافحة الفساد 23 عقارا مملوكا له ولنجله حمزة في عام 2019.
وفي عام 2020، أمضى شهباز فترة في السجن على ذمة التحقيق قبل أن يفرج عنه لاحقا بكفالة. ولم يصدر بحقه أي حكم إدانة في الاتهامات الموجهة إليه والتي يصفها بأنها "ذات دوافع سياسية".

وفي 28 سبتمبر 2020، ألقي القبض على شهباز في محكمة لاهور العليا على ذمة التحقيق في القضية ذاتها، قبل أن تفرج عنه محكمة لاهور العليا بكفالة في 14 أبريل 2021.
وخلال فترة الاضطراب السياسي التي شهدتها باكستان بين عامي 2020 و2022، عاد شهباز إلى الواجهة السياسية، ليتولى رئاسة الوزراء في 11 أبريل 2022، عقب سحب الثقة من حكومة عمران خان، في ظل تصاعد الخلافات بين الأخير وقيادة الجيش الباكستاني.
تخرج شهباز في كلية الحكومة في لاهور بامتياز. وينتمي إلى عائلة تجارية مرموقة في باكستان، ويعرف بشخصيته القيادية وإدارته القوية والفعالة. وقد وصفت الصين إدارته المباشرة والفعالة والموجهة نحو تحقيق النتائج بـ"سرعة شهباز".
علاقة متوازنة بمؤسسة الجيش
ظل شهباز طويلا في ظل شقيقه الأكبر نواز، الذي أُطيح به من رئاسة الوزراء عام 2017، ثم حكم عليه بالسجن عشر سنوات بتهم تتعلق بالفساد قبل أن يفرج عنه لاحقا، ليستقر اليوم في بريطانيا.
لكن هذا الرابط العائلي لم يخف تباينا عميقا في طريقة تعامل الشقيقين مع الجيش الباكستاني؛ فبينما دخل نواز في مواجهة مفتوحة مع المؤسسة العسكرية انتهت بخروجه من السلطة، اختار شهباز مسارا مختلفا يقوم على التفاهم والمصالحة مع المؤسسة العسكرية التي ظلت تمسك بخيوط القوة في باكستان، وتلعب دورا حاسما في رسم ملامح الحكم في دولة يتجاوز عدد سكانها 220 مليون نسمة، وتاريخ يمتد لنحو 75 عاما.

يجيد شهباز العزف على أوتار التناغم بينه وبين رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير الذي يوصف بالرجل القوي في باكستان، ويعد "العقل المدبر" للمفاوضات الأمريكية الإيرانية، مدعوما بعلاقته القوية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والذي طالما وصفه بـ"القائد المفضل".
وجه هادئ في مواجهة الأزمات
ولد شهباز في 23 سبتمبر 1951، وينتمي لعائلة شريف، وهي عائلة سياسية كشميرية؛ وكان والده رجل أعمال وصناعي من الطبقة المتوسطة، وبعد تقسيم الهند واستقلال باكستان عام 1947، هاجرت عائلته إلى مدينة لاهور الباكستانية، حيث حصل على بكالوريوس الآداب، وعمل بشركة عائلته المعروفة باسم "مجموعة اتفاق"، وهي تجمع شركات للصلب تقدر أصوله بملايين الدولارات.

من خلال عمله في "مجموعة اتفاق"، اكتسب شهباز خبرة ربطت بين الصناعة وتقديم الخدمات، حيث أدخل أول نظام مترو عام مستوحى من سيول، وأطلق برامج لإعادة التدوير، وأنشأ أول نظام أخضر لجمع النفايات في باكستان، وأقام شراكات قوية بين القطاعين العام والخاص، مفضلا الابتعاد عن السياسة الإقطاعية والعسكرية، التي أثقلت كاهل الحياة العامة في باكستان، وأرهقت معظم السياسيين، جراء الحالة الخاصة التي تحظى بها مؤسسة الجيش في باكستان، محتفظا بوجهه الهادئ دائما.
الاعتماد على الدبلوماسية الهادئة
وبذات الهدوء والنهج التصالحي وقدرته على التعامل مع الأزمات وامتصاص التوتر، يبثى شهباز شخصية سياسية تتقن متى تكون في الواجهة ومتى تكتفي بدور الظل، ما أهله لأن يكون أحد الوسطاء البارزين في إدارة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، في ظل تعقيدات المشهد السياسي والدبلوماسي.
وعلى الرغم من القناعة السائدة داخل باكستان وخارجها بأن المؤسسة العسكرية، بقيادة عاصم منير، تمتلك تأثيرا واسعا في صنع القرار خلف الكواليس، يبقى شهباز واجهة سياسية تعتمد على الدبلوماسية الهادئة في التعامل مع التوترات، ومحاولة احتواء الانقسامات الداخلية ذات البعد العرقي والاجتماعي والسياسي داخل البلاد.
- الفيديو المرفق لرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف معلنا نجاح المفاوضات الباكستانية في الوصول إلى اتفاق إيراني أمريكي على إنهاء الحرب.




