نتنياهو يدفع فاتورة شهوة الحرب.. تحذيرات إعلامية من انزلاق إسرائيل إلى معارك استنزاف دامية طويلة الأمد.. وهآرتس تصفه بـ"انتهازي فاسد" يتبنى استراتيجية الردع بالنار
يقول المؤرخ الأمريكي باول فوسيل: "كل حرب هي مفارقة ساخرة، لأن كل حرب تكون أسوأ مما هو متوقع"؛ مقولة ربما جسدت الواقع الإسرائيلي وسط تصاعد حدة التشكيك في جدوى تكرار جولات الحرب الإسرائيلية، فضلا عن تحولها إلى حالة استنزاف دائمة من دون أفق واضح للحسم.
وبحسب جريدة "هآرتس" الإسرائيلية، فإن "فوسيل، الذي قاتل وأصيب في الحرب العالمية الثانية، أراد التعبير عن المفارقة التراجيدية بين الحرب كما يتخيلها الناس قبل اندلاعها؛ سريعة، ونظيفة، وتقود إلى نصر تاريخي، وبين الحرب كما تنكشف لاحقا؛ طويلة، ودامية، وفوق كل شيء شديدة الحماقة".
تقول الجريدة: نحن جميعا ضحايا هذه المفارقة؛ فقبل ثلاثة أشهر، وعدونا بـ "نصر جديد" سيبقى لأجيال، وضربة ستقضي على التهديد الإيراني، وتسقط نظام الملالي، وتغير الشرق الأوسط. وهلل المعلقون في استوديوهات الأخبار، ووقفت المعارضة في حالة تأهب. وخرج علينا رئيس الوزراء السابق يائير لابيد بطريقته الجوفاء في اليوم الأول من الحرب قائلا: لا يوجد ائتلاف ولا معارضة، هناك شعب واحد فقط.

وتضيف: "لم تنتج الجولة الأولى من الحرب الإسرائيلية على إيران النصر الموعود، بل أنتجت الجولة التالية، وعاد إلينا الإنجاز التاريخي على هيئة صاروخ باليستي. وهذه المرة، يرفض بعض أولئك الذين صفقوا للحرب آنذاك أن يشاركوا مجددا في الاحتفال. ومن قال بالأمس إنه لا توجد معارضة، تذكّر فجأة أن المواطنين في دولة ديمقراطية لهم الحق في معرفة سبب مطالبتهم بتقديم التضحيات".
نتنياهو انتهازي فاسد مدفوع بشهوة الحرب
وتتابع: الأمر نفسه بالنسبة لرجل الأعمال والناشط السياسي موشيه رادمان، والذي تفاخر عند بدء الحرب على إيران في 28 فبراير 2026 بالمتظاهرين المناهضين لحكومة بنيامين نتنياهو الموجودين في سماء طهران أو في غرفة العمليات في مقر القيادة، وسخر من نشطاء اليمين الذين لا يساهمون في "طلعات الهجوم"، قبل أن يطالعنا قائلا: يجب على المعارضة مقاومة الرغبة في الظهور بصورة أكثر يمينية من بنيامين نتنياهو، ومن يخبركم أن كل ما نحتاج إليه الآن هو مزيد من القصف هنا أو هناك، فهو كاذب.
وتقول "هآرتس": لقد اندفع نتنياهو بعيدا جدا مستندا إلى شهوة الحرب الإسرائيلية، وصار وسلوكه الانتهازي والفاسد فاضحا إلى درجة تكشف أن حروبه ليست لأهداف استراتيجية، وإنما الحرب هي الاستراتيجية ذاتها. وربما وسط "زئير الأسد" المستمر، والذي لا ينتهي، سيستوعب الناس الدرس أخيرا أن عليهم التشكيك في رواية حروب نتنياهو قبل أن تصل إلى نهايتها المأساوية المعروفة سلفا.
حرب استنزاف إسرائيلية
من جهتها، قالت قناة "إن 12" الإسرائيلية: قبل 4 أعوام، لم يكن أحد ليتخيل أن إيران ستطلق فجأة 25 صاروخا في اتجاه إسرائيل، إلى جانب صاروخ آخر يطلق من اليمن، وأن تقلع بلا تأخير 25 طائرة لتلقي قنابلها على منظومات الدفاع الجوي، ومرابض الصواريخ، ومصنع للصناعات البتروكيماوية. لقد انتهى هذا الحدث بأمر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهذه هي المرة الثالثة التي يوقف فيها إسرائيل بينما طائراتها الإضافية في طريقها فعلا لمواصلة الهجوم. هذه ليست إلاّ بشائر حرب استنزاف.
وتضيف: في موازاة ذلك، شلت الحياة جزئيا في إسرائيل؛ إذ أمرت توجيهات قيادة الجبهة الداخلية بالعودة إلى قواعد الطوارئ، وأغلقت المدارس، واحتمى جزء كبير من السكان في الأماكن المحصنة، وفتحت استوديوهات البث التلفزيوني، وتساءل العديد من المواطنين عما سيحدث وإلى أين نحن نتجه.
سياسة الردع بالنار
بدورها، اعتبرت الكاتبة الإسرائيلية ليزا روزوفسكي في مقال نشرته جريدة "هآرتس" أن الاستراتيجية التي اعتمدها نتنياهو منذ 7 أكتوبر 2023، والقائمة على استخدام القوة العسكرية ورفض التسويات السياسية، وصلت إلى طريق مسدود ولم تحقق الأهداف التي روج لها.

وقالت: نتنياهو أخفق في فرض وقائع جديدة عبر القوة العسكرية سواء في لبنان أو في المواجهة مع إيران، ما أدى إلى زيادة عزلة إسرائيل وإضعاف موقعها على المستويين الإقليمي والدولي. لقد روجت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لفكرة أن الوجود العسكري في جنوب لبنان والاعتماد على سياسة "الردع بالنار" سيؤمنان الاستقرار للمستوطنات الإسرائيلية، إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت محدودية هذا النهج، في ظل استمرار التوتر على الحدود الجنوبية واستعادة حزب الله جزءا من قدراته رغم الضربات الإسرائيلية المتكررة.
تنامي عزلة إسرائيل
وتابعت: كشفت المواجهة الأخيرة مع إيران بدورها حدود سياسة "السلام من خلال القوة" التي يتبناها نتنياهو، فالحرب لم تحدث تحولا استراتيجيا في الموقف الإيراني، فيما عادت الولايات المتحدة إلى مسار التفاوض مع طهران من دون تغييرات جوهرية في مواقفها.
وأضافت: لقد فضل نتنياهو خلال السنوات الماضية الاعتماد على الخيار العسكري وإهمال فرص الحوار والتسويات السياسية، سواء على الساحة اللبنانية أو في الملفات الإقليمية الأوسع، ما انعكس سلبا على الوضع الأمني والسياسي لإسرائيل وزاد من اعتمادها على الدعم الأمريكي، فيما تنامت عزلة إسرائيل على الساحة الدولية جراء القضية الفلسطينية؛ وبعد أكثر من عامين ونصف من الحروب والتصعيد على عدة جبهات، تجد إسرائيل نفسها أمام واقع قريب من ذلك الذي سبق اندلاع المواجهات، لكن وسط ظروف أكثر هشاشة وتحديات أمنية وسياسية أكبر وتراجع ملحوظ في مستوى الدعم الدولي.




