رئيس التحرير
عصام كامل

في محطة الانتظار

18 حجم الخط

بينما كنت أترقب شيئًا ما، كنت أقف عند موقف الحافلات في آخر الشارع، أحمل حقيبتي بيد وأتفقد ساعتي باليد الأخرى للمرة التي لم أعد أستطيع عدّها. كان الموعد مهمًا، مهمًا إلى درجة أنني شعرت أن عقارب الساعة تتحرك ضدي شخصيًا.

 

الطريق أمامي مزدحم، والسيارات تمر واحدة تلو الأخرى، لكن الحافلة التي أنتظرها لا تأتي. كل دقيقة كانت تبدو أطول من التي قبلها. نظرت إلى الهاتف. لا رسائل. نظرت إلى الطريق. لا حافلة. عدت أنظر إلى الهاتف من جديد، وكأن شيئًا سيتغير خلال ثوانٍ.

 

قلت لنفسي: ماذا لو تأخرت أكثر؟ ماذا لو وصلت بعد انتهاء الموعد؟ ماذا لو كانت هذه الحافلة قد مرت أصلًا ولم أنتبه لها؟ كنت أجيب عن سؤال بسؤال آخر. وكأن رأسي تحول إلى غرفة صغيرة مزدحمة بالاحتمالات.

 

مر رجل مسن وجلس على المقعد المجاور لي. بدا هادئًا بصورة أثارت دهشتي. كان ينظر إلى الناس كأنه يشاهد فيلمًا ممتعًا. أما أنا فكنت أشعر أن العالم كله متوقف على وصول حافلة.

 

أخرجت هاتفي مرة أخرى. لا جديد. تنهدت وقلت في سري: هل سأظل هنا في انتظاري دون جدوى؟ لماذا تبدو الأشياء المهمة دائمًا بعيدة حين نحتاجها؟

 

في تلك اللحظة، لاحظت شيئًا غريبًا. طوال فترة انتظاري لم أنظر إلى السماء مرة واحدة. لم أنتبه إلى نسمة الهواء الخفيفة، ولا إلى الطفل الذي كان يضحك وهو يطارد حمامة، ولا إلى الرجل المسن الذي كان يبتسم لكل من يمر أمامه. كنت حاضرًا بجسدي فقط، أما أفكاري فكانت تركض في مكان آخر.

 

بعد دقائق قليلة توقفت حافلة أمام الموقف. نهضت بسرعة، ثم تجمدت في مكاني. لم تكن الحافلة التي أحتاجها. المفاجأة أنني لم أشعر بالغضب. جلست مرة أخرى، وابتسمت دون سبب واضح. أدركت أن ما أتعبني لم يكن الانتظار نفسه، بل مقاومتي له. كنت أعيش في المستقبل منذ نصف ساعة، بينما الحياة كانت تحدث حولي الآن.

رفع الرجل المسن رأسه نحوي وقال بهدوء: "أحيانًا الطريق بيتأخر علشان يعلمنا حاجة." لم أعرف لماذا شعرت أن الجملة كانت موجهة لي وحدي. بعد دقائق أخرى وصلت الحافلة أخيرًا. صعدت إليها وأنا أكثر هدوءًا مما كنت عليه حين بدأت الانتظار. لم يتغير الطريق، ولم يتغير الموعد، لكن شيئًا ما تغير داخلي. وفهمت أن بعض فترات الانتظار لا تأتي لتعطلنا عن الوصول، بل لتعلمنا كيف نصل بقلب أكثر سلامًا.
Facebook.com/Dr.PaulaW

الجريدة الرسمية