برشامة.. يدس العسل في السم!
مندهش من حجم الهجوم الذي يطلقه البعض علي فيلم برشامة، تأليف أحمد الزغبي وشيرين وخالد دياب، وإخراج خالد دياب، وإنتاج أحمد الدسوقي، ووصل الهجوم إلي حد أن الممثلة رندا البحيري، التي اختفت عن الساحة الفنية منذ سنوات، تصف الفيلم بأنه مليء بالتجاوزات والإسقاطات علي ديننا الكريم والأئمة الأربعة..
ولا أعرف كيف تورطت رندا في هذا التصريح الغريب والشاذ، وهي في الأصل ممثلة شاركت في العديد من الأعمال الفنية المعروفة، قبل أن تتوارى -دون قرار بالاعتزال- وتركز جهودها على منصة التيك توك!
والحقيقة أنني -كمشاهد- لم أشعر بأن ثمة جريمة أو ازدراء للدين الإسلامي عندما شاهدت الفيلم، ولاحظت أن الجملة التي يقولها واحد من أبطال الفيلم يدعى حجاج ويؤدي شخصيته الفنان حاتم صلاح، قد قيلت بنصها من قبل في فيلم "مراتي مدير عام" على لسان الفنان شفيق نور الدين، عندما رد على محدثه الذي يقول أن ابن حنبل أفتى بأن ملامسة النساء تنقض الوضوء بقوله" أبو حنيفة قال متنقضش"!
وفيلم برشامة هو تيمة تم استغلالها سينمائيا في كثير من الأعمال الفنية العربية والأجنبية، وهي تجميع عدد من الشخصيات ينتمون إلى طبقات وثقافات مختلفة في مكان واحد تدور فيه أحداث العمل الفني لتكشف لنا قصة كل واحد منهم، ومع تفاعل الشخصيات المتباينة فيما بينهم تتصاعد الأحداث، ومن أشهر تلك النوعية من الأعمال، فيلم بين السما والأرض، قصة نجيب محفوظ، وإخراج صلاح أبوسيف، وفيلم اشتباك لمحمد دياب، وفيلم طلق صناعي لنفس فريق برشامة، الأخوين خالد وشيرين دياب.
هذه المرة يقرر صناع برشامة أن يجمعوا أبطالهم في لجنة امتحان المنازل للثانوية العامة، وكلهم كما سبق وأشرنا من أطياف وطبقات مختلفة، وتبدأ الكوميديا في الفيلم عندما يقررون جميعا استغلال حالة أغماء أصابت مراقب اللجنة وظنوا أن قد فارق الحياة لممارسة الغش.
ويجمع "برشامة" بين نوعين من الكوميديا، الأول هو كوميديا الموقف التي يصنعها المؤلفون عندما يضعون أبطال أمام مواقف واختيارات صعبة، وكوميديا الإفيهات التي أجاد فيها كل من حاتم صلاح (حجاج) ومصطفى غريب (حليلة)، وأظن أن أغلب إفيهاتهم كانت من ابتكارهم وليست مكتوبة في السيناريو، لأن الاثنان -حاتم ومصطفى- يجيدون هذه المهارة بشكل كبير.
قد تتفق أو تختلف مع كوميديا برشامة، بمعنى أنها قد تضحكك أو لا تضحكك، وربما تصيبك بعض المواقف الكوميدية بحالة من التقزز، مثلما حدث معي -شخصيا- في مشهد وضع شراب عارفة عبدالرسول ولباس مصطفى غريب الداخلي في فم البطل هشام ماجد، لكن أيا من مشاهد الفيلم لا يشعرك بأن هناك هجوما مقصودا على الدين، بهدف دس السم في العسل، على حد تعبير الممثلة السابقة رندا البحيري في سياق هجومها الغريب على الفيلم!
وبينما يدور الهجوم من كل الاتجاهات متسلحا بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، لم يتطرق أحد إلى أن القضية التي يناقشها الفيلم هي إحدى القضايا المهمة التي خصها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بحديث شريف عندما قال "من غشنا فليس منا".
وأعتقد أننا جميعا نمتلك مخزنا هائلا من حكايات الغش في لجان الثانوية العامة، التي نفاجأ كل عام بحكايات جديدة عنها خلال موسم الامتحانات، وتلك حكايات تصلح لصنع عشرات الأفلام السينمائية، فلماذا نحاكم صناع برشامة وأبطاله على أنهم اقتحموا منطقة لم يسبقهم إليها أحد.
إن المؤلم في أزمة فيلم برشامة، أن الهجوم القاسي، والدعوة إلى مصادرة الإبداع لم تأت من الدولة أو الأجهزة الرقابية، ولكن من مواطنين عاديين، والأكثر إيلاما أن يكون بين هؤلاء المواطنين ممثلة، تقول عن نفسها أنها درست النقد الفني، وهي لا تدرك- أن من يقول جملة "هاخد جهنم بالحضن" في الفيلم هو حجاج البلطجي السجين، وليس الفنان حاتم صلاح، ولا مؤلفي أو مخرج فيلم برشامة.
بقي أن أشير إلى أن شخصية الشاب المتدين (عبدالحميد) التي أداها هشام ماجد، كانت شخصية متوازنة جدا ومخلصة لأفكارها بشكل حقيقي، على عكس غالبية الأعمال التي تقدم شخصية المتدين بشكل نمطي يجعله منافقا وفي اغلب الأحوال تاجر دين، وهو ما لم يفعله صناع "برشامة" ليس ليغازلوا تجار الدين ويتقوا هجومهم، ولكن لأنهم مخلصين لفكرتهم والقضية التي يطرحونها..
ومن ثم أعتقد أن الفيلم لم يكن يدس السم في العسل كما قالت الأكاديمية رندا البحيري، ولكن -لو شئنا الدقة– هو يدس ويغلف قضية الغش التي تسمم مجتمعنا بإطار من عسل الكوميديا لكي نستوعب خطورتها كظاهرة لا تخص امتحانات الثانوية العامة وحدها، بل تسمم كل مجالات حياتنا.
