رئيس التحرير
عصام كامل

من إزمير إلى طلعت حرب.. حكاية براند صنع في مصر (صور)

صنع فى مصر
صنع فى مصر
18 حجم الخط

في قلب شارع طلعت حرب، حيث تتزاحم أصوات القاهرة وتتشابك روائحها، يقف معرض بونتريمولى صامدًا منذ أكثر من مئة عام. لافتته العتيقة لا تعلن عن نفسها بصخب، وجدرانه تحمل بورتريه رجل يرتدي بذلة الثلاثينيات وينظر إليك بهدوء من خلف نظارته المستديرة، كأنه يقول: «أنا رأيت كل شيء». هذا الرجل هو إيلي رالف بونتريمولى، المؤسس الذي رحل منذ عقود، لكن اسمه لا يزال يُكتب بالعربية والإيطالية على خشب هذا المكان العجيب.

بونتريمولى ليس مجرد محل أثاث. إنه أرشيفٌ حي لمصر الكوزموبوليتانية، وشاهدٌ على ثورات وحرائق وتأميم وإعادة ميلاد.

رجل من إزمير في قلب القاهرة

لفهم بونتريمولى، علينا أن نرجع إلى ما قبل القاهرة بكثير. كانت عائلة بونتريمولى من اليهود  أحفاد من طُردوا من إسبانيا في القرن الخامس عشر وتشتتوا في أرجاء حوض المتوسط. استقرت العائلة في إزمير التركية، وامتهنت ما امتهنه أجدادها: تجارة السجاد والتابلوهات وصناعة الأثاث الفاخر.

سجّلت العائلة وجودها في الإسكندرية عام 1912 في السجلات الإيطالية الرسمية، ثم حطّت رحالها في القاهرة. وفي عشرينيات القرن الماضي، وفي وسط بلد كانت شوارعه تشبه باريس أكثر من أي حي آخر في الشرق، أسّس إيلي رالف بونتريمولى معرضه الأسطوري. وقد ساهم معه أفراد من عائلة كوهين القريبة منه في بناء المحلات والمصانع والمعارض.

لم يكن اختيار الموقع محض صدفة. شارع طلعت حرب آنذاك كان يمثل قمة الأناقة المصرية: فيه تسوّق الملوك والباشوات والسفراء، وعلى بعد خطوات منه كان يقع سيسيل وجروبي وصيدناوي وشيكوريل  تلك السلسلة الذهبية من المحلات الكبرى التي صنعت وجدان الطبقة المتوسطة المصرية الصاعدة.

 

"صنع في مصر" قبل أن تصبح شعارًا

ما يميز بونتريمولى منذ البداية أن صاحبه لم يكتفِ بالاستيراد، بل أنشأ مصنعًا للأثاث في مصر. تلك اللافتة الخشبية الصغيرة التي تراها اليوم داخل المعرض والتي تقرأ «بونتريمولى صنع في مصر» ليست مجرد شعار تسويقي إنها إعلان عقيدة. في عصر كانت فيه "الصنعة الأوروبية" هي المعيار الوحيد للجودة في عين النخبة المصرية، اختار بونتريمولى أن يقول الأيدي المصرية قادرة على صنع ما يضاهي أفضل ما في باريس وميلانو.

كان الأثاث المُصنَّع يجمع بين الطراز اللويسي الفرنسي الكلاسيكي  مع الجداريات الملوّنة والنقوش الذهبية وأرجل القوائم المنحنية  وبين الروح المحلية في الحرفة اليدوية والتفاصيل. وكان المعرض يضم إلى جانب الأثاث: التحف، والبورسلين، والسجاد المنسوج، والتابلوهات، ومنتجات الكليم والتطريز. باختصار، كان بونتريمولى مجمع فخامة متكاملًا في زمن لم تكن كلمة 'مول' قد اخترعت بعد.

حريق القاهرة والثورة منعطفان حرقا أكثر من خشب

في يناير 1952، اشتعلت القاهرة. ما عُرف بـ'حريق القاهرة' أتى على كثير من معالم وسط البلد الأوروبية الطابع، وكان بونتريمولى من بين المحلات التي طالتها النيران والنهب. لكن الأصعب جاء بعد ذلك.

بعد ثورة يوليو 1952 وصعود الضباط الأحرار، دخلت مصر مرحلة الاشتراكية وتأميم الشركات الأجنبية. في الفترة بين 1956 و1961 طالت موجة التأميم الكبرى معظم المحلات الكبرى التي أسسها الأجانب في مصر. وبهذا انتهت ملكية عائلة بونتريمولى للمعرض الذي يحمل اسمها، وانتقل إلى ملكية الدولة المصرية.

 

ما حدث لبونتريمولى كان نموذجًا مكثفًا لما جرى لكل تلك الكوزموبوليتانية المصرية الجميلة: اليونانيون والإيطاليون والأرمن واليهود  الذين بنوا وسط البلد طابقًا فوق طابق، وجدوا أنفسهم فجأة خارج البلاد.

الدولة تمسك بالزمام من التأميم إلى الشركة القابضة

بعد التأميم، أُدمج بونتريمولى في منظومة شركات الدولة. وهو اليوم شركة مساهمة مصرية تابعة لشركة بيوت الأزياء الراقية، إحدى شركات الشركة القابضة للسياحة والفنادق والسينما التابعة لقطاع الأعمال العام المصري. بمعنى آخر. الدولة المصرية هي المالك الحالي للعلامة التجارية العريقة التي أسسها مهاجر من إزمير قبل مئة عام.

هذا الواقع يجعل بونتريمولى نموذجًا فريدًا في العالم براند فاخر تملكه الدولة. لا الشركات الخاصة المتعطشة للأرباح، ولا المستثمرون الباحثون عن التوسع، بل المنظومة الحكومية بكل ما تحمله من بطء وإجراءات، لكن أيضًا بما تمنحه من استمرارية وحماية للموروث.

 

الافتتاح المئوي رهان الدولة على الذاكرة

في ديسمبر 2024، جاء الحدث الذي أعاد اسم بونتريمولى إلى دائرة الضوء مجددًا. افتتح المهندس محمد شيمي، وزير قطاع الأعمال العام، المعرض بعد أعمال تطوير شاملة، وذلك بالتزامن مع الاحتفال بمرور أكثر من مئة عام على التأسيس.

أعلن الوزير أن خطة العمل تشمل رفع مستوى الخدمة، وتوسيع قاعدة العملاء، وتعزيز الحضور الرقمي. ويضم المعرض المطوَّر الآن أقسامًا متنوعة تشمل الأثاث الفاخر من مصنع بونتريمولى ذاته، والتحف الفنية والتاريخية، والبورسلين والفضيات، والسجاد، فضلًا عن المفروشات المنسوجة من القطن المصري الفاخر من إنتاج شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى.

وهنا الدولة تراهن على أن يكون بونتريمولى نافذة صادرات ناعمة، يجمع في سقف واحد خيرة ما تنتجه الصناعة المصرية التقليدية.

"صنع في مصر" أكثر من ثلاث كلمات

في عالم تتسابق فيه الماركات العالمية على احتلال عقول المستهلكين، يتمسك بونتريمولى بشرفه القديم الصنعة المصرية الأصيلة. وهنا يكمن الدرس الأعمق الذي يقدمه هذا المعرض المئوي أن 'صنع في مصر' لم تكن يومًا شعارًا حكوميًا استحدث في حملات تسويقية حديثة، بل كانت ممارسة يومية مارسها مهاجر إيطالي يهودي قبل مئة عام، حين آمن بأن الأيدي المصرية قادرة على صنع ما يستحق الفخر.

 

 البورتريه لا يزال يراقب

حين تقف اليوم أمام ذلك البورتريه العتيق المعلق على الجدار  الصورة بالأبيود والأسود للرجل ذي النظارة المستديرة والبدلة الأنيقة  لا تقف أمام مؤسس محل أثاث فحسب. تقف أمام صفحة من تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي والإنساني.

بونتريمولى هو قصة مصر التي استقبلت العالم في حضنها. وهو قصة الثورة التي غيّرت وجه الملكية. وهو قصة دولة تحاول اليوم أن تُعيد لعلامة تجارية عريقة بريقها. وهو قبل ذلك كله قصة إيمان بسيط بأن ما يُصنع في مصر يستحق أن يُعرض على الملوك.

المعرض لا يزال في شارع طلعت حرب. البورتريه لا يزال على الجدار. والحرفة اليدوية لا تزال تقاوم.

 

الجريدة الرسمية