رئيس التحرير
عصام كامل

من إيواء السادات إلى النفي الاختياري، حكايات زكريا الحجاوي مع السلطة والملوك

زكريا الحجاوي، فيتو
زكريا الحجاوي، فيتو
18 حجم الخط

لا يمكن لأي باحث في تاريخ الهوية المصرية أن يمر عابرا أمام اسم "زكريا الحجاوي" فهو ليس مجرد جامع للمأثورات الشعبية، بل كان "ملح الأرض وزبدتها"، والوجدان النابض لقرى مصر ونجوعها التي انصهر فيها حتى صار صوتها الأصيل.

من صخب المطرية إلى التمرد الملكي

ولد زكريا الحجاوي عام 1915 في أحضان بيئة صيادي الدقهلية بالمطرية، بدت ملامح عبقريته وتمتعه بطاقة إبداعية فريدة مبكرا، إذ نال جائزة الملك فؤاد لتفوقه في الابتدائية. غير أن روحه المتمردة لم تطق جمود القوانين، ففي مدرسة الفنون والصنايع الملكية، أطلق صيحته الشهيرة عبر ميكروفون المدرسة: "الشعب المصري بحاجة إلى بطاطين أكثر من حاجته لزعماء سياسيين"، وقام بتوزيع بطاطين العهدة بالمستشفى على الفقراء في شتاء قارس. هذا التمرد قاده إلى الصدام الأول مع السلطة، حيث أصدر الملك فاروق أمرا بتحديد إقامته في بلدته.

مكتشف الكنوز ووالد الثقافة الجماهيرية

ترك زكريا الحجاوي الوظائف الحكومية والتحق بالصحافة سكرتيرا لتحرير جريدة "المصري"، ثم استعان به الأديب يحيى حقي عقب تأسيس وزارة الثقافة عام 1957 لجمع الفنون الشعبية. 

كان الحجاوي يمتلك بصيرة استثنائية، طاف الصعيد والدلتا بحثا عن الكنوز المغمورة، فصنع نجومية أسماء حفرت في الوجدان مثل خضرة محمد خضر ومحمد طه، وأبو دراع، وفاطمة سرحان، وجمالات شيحة.

لم يكتفِ بالجمع، بل كان صاحب فكرة تأسيس "قصور الثقافة" (الثقافة الجماهيرية)، وأنشأ مسرح السامر، والفرقة القومية للفنون الشعبية، وفرقة الفلاحين.

أما على صعيد الإبداع، أثرى المكتبة العربية والدراما بأعمال خالدة مثل أوبريت "آه يا ليل يا عين" بالأوبرا، وسيناريو فيلم "أحبك يا حسن"، ومسلسلات إذاعية كـ"ملاعيب شيحة" و"كيد النسا"، وكتابه الفكري الجريء "حكاية اليهود".

حكايته مع السادات.. من المأوى إلى قرار الإقصاء

تتشابك قصة زكريا الحجاوي دراميا مع الرئيس أنور السادات، فخلال هروب السادات إثر اتهامه بمقتل أمين عثمان عام 1945، آواه الحجاوي في منزله بالمطرية مقدما إياه للناس كصياد يدعى "الريس جلال"، وعلمه قيم وأصول "أولاد البلد".

ولكن بعد الثورة، انقلبت الآية اختاره السادات للمشاركة في تأسيس جريدة "الجمهورية" عام 1953، وقبل صدور العدد الأول بأيام، فوجئ الحجاوي بقرار وقعه السادات بفصله ومنعه من دخول الجريدة. قيل وقتها إن السبب هو نداء الحجاوي للسادات باسمه مجردا أمام المحررين كصديق قديم، وقيل إنه اتهم بكتابة تقارير لعبد الناصر. 

صدم الحجاوي صدمة قوية دفعته  لترك الصحافة والارتماء في أحضان الفن الشعبي.

مقهى عبد الله والرحيل في الغربة

كانت "قهوة عبد الله" بالجيزة هي الدولة الثقافية لزكريا الحجاوي، هناك التفت حوله شلة من العمالقة كأحمد طوغان، ومحمود السعدني، ويوسف إدريس، وصلاح جاهين. وكان الحجاوي يعالج شدة فقره بالقفشات والضحكات الساخرة وسط مريديه.

فقد ضاقت به الحياة في عهد السادات، ففصل من الثقافة الجماهيرية، وانهار مبنى شقته، فهاجر إلى دولة قطر بدعوة من الأديب الطيب صالح. هناك، أعاد صياغة الأغاني البدوية وأسس فرقة قطر للفنون الشعبية، وفي 7 ديسمبر 1975  داهمته أزمة قلبية ليرحل مغتربا، تاركا خلفه أوتادا ثقافية راسخة لا تهدم، وتاريخا حافلا يمزج بين العبقرية الفنية الفذة، والمواقف السياسية الشائكة. 

بعد وفاته، أمر الرئيس أنور السادات بنقل جثمانه في جنازة رسمية، وحضر تأبينه بنفسه، وأطلق اسمه على مسرح السامر، ومنحه وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، تكريما لعاشق المداحين الذي أعاد صياغة الوجدان المصري.

الجريدة الرسمية