رئيس التحرير
عصام كامل

حقيقة تفريغ القاهرة من سكانها.. تفاصيل مشروع المستوطنات البشرية التابع للأمم المتحدة وعلاقته بخطة مدبولي لعام 2050.. ومخاوف من إحداث تغيير ديموغرافي ونزع ملكيات واستغلال النيل

إزالة العشوائيات
إزالة العشوائيات جزء من خطة تطوير القاهرة، فيتو
18 حجم الخط

خلال الفترة الأخيرة، تصاعدت على مواقع التواصل الاجتماعي وفي بعض المنصات الإعلامية نقاشات حول ما يصفه البعض بـ «مخطط تفريغ القاهرة الكبرى من سكانها»، مستندين إلى سلسلة من مشروعات التطوير العمراني، وإزالة بعض المناطق القديمة والعشوائية في العاصمة، ونقل سكانها إلى مدن جديدة أو مجتمعات عمرانية على أطراف الصحراء.

 ويستند أصحاب هذا الطرح إلى مجموعة من المشروعات والخطط الاستراتيجية التي جرى الإعلان عنها على مدار سنوات، وعلى رأسها «مخطط القاهرة 2050»، معتبرين أن ما يجري يتجاوز مجرد إعادة تنظيم عمراني أو معالجة للعشوائيات، ليصل – بحسب رؤيتهم – إلى إعادة تشكيل الخريطة السكانية للعاصمة. 

في المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن هذه المشروعات تأتي في إطار مواجهة التكدس السكاني، وتحسين جودة الحياة، وتوسيع الرقعة العمرانية، والقضاء على المناطق غير الآمنة والعشوائية، مع توفير بدائل سكنية وخدمية حديثة للمواطنين.

إعادة ترسيم القاهرة الكبرى، فيتو
إعادة ترسيم القاهرة الكبرى، فيتو

 وبين الرؤيتين، تظل القضية محل نقاش واسع بين الخبراء والمهتمين بالشأن العمراني، خاصة مع اتساع نطاق المشروعات المرتبطة بإعادة توزيع السكان، وإنشاء المدن الجديدة، وتطوير المناطق التاريخية والمطلة على نهر النيل.

بداية الفكرة.. قصة التعاون مع الأمم المتحدة

يربط البعض جذور هذه الرؤية بمشروع تعاون جرى بين الهيئة العامة للتخطيط العمراني وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat)، بهدف تحديث مناهج التخطيط الاستراتيجي العمراني وتطويرها بما يجعلها أكثر شمولًا ومرونة وقابلية للتنفيذ.

وبحسب الوثائق الخاصة بالمشروع، فقد امتدت مراحل العمل خلال الفترة من 2006 إلى 2015، وشملت إعداد مخططات استراتيجية لعدد من المدن، مع التركيز على تقييم أوضاع الإسكان والخدمات الحضرية والبنية التحتية والظروف الاقتصادية، ثم دمج هذه العناصر في خطط تنموية شاملة.

وكانت الهيئة العامة للتخطيط العمراني الشريك المحلي الرئيسي في المشروع، بينما شاركت وزارة الإسكان والمجتمعات العمرانية في تمويل عدد من مراحله، في إطار تعاون فني مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية.

تفاصيل مخطط القاهرة 2050

في هذا السياق، جرى إعداد ما عُرف باسم «خطة التنمية الاستراتيجية لإقليم القاهرة الكبرى 2050»، وهي رؤية تخطيطية بعيدة المدى استمرت مراحل إعدادها بين عامي 2008 و2014.

ووفقًا للوثائق المعلنة، شارك في إعداد الخطة أكثر من 1600 خبير ومسؤول من جهات متعددة، من خلال عشرات ورش العمل واللقاءات التشاورية، بهدف الوصول إلى تصور متكامل لمستقبل العاصمة الكبرى.

مخطط الأمم المتحجة الاستيطاني للقاهرة الكبري، فيتو
ساهم برنامج الأمم المتحدة في دعم تطوير القاهرة، فيتو

 وتمحورت الرؤية المعلنة حول تحقيق تنمية عمرانية أكثر توازنًا، وأخذ الأولويات الإقليمية والموارد الطبيعية في الاعتبار، وتحسين البيئة الحضرية، وتوفير فرص عمل جديدة، ورفع كفاءة البنية الأساسية، مع مراعاة احتياجات سكان الإقليم وتطلعاتهم المستقبلية.

المدن الجديدة وقصة المستوطنات الحضرية

أحد المحاور الرئيسية التي ركزت عليها الخطة تمثل في دعم وتنمية المدن الجديدة باعتبارها امتدادات عمرانية قادرة على استيعاب النمو السكاني المتوقع خلال العقود المقبلة. وتضمنت الرؤية تطوير أنماط استيطان حضري جديدة، وإعادة توزيع الأنشطة الاقتصادية والخدمية على نطاق أوسع، بما يخفف الضغط عن المناطق المركزية في القاهرة الكبرى.

مخطط 2050 بإفراغ القاهرة من ساكنيها ونقلهم للمدن الجديدة، فيتو
مخطط 2050 يهدف لنقل سكان العشوائيات  للمدن الجديدة، فيتو

 وترى الحكومة أن العاصمة تواجه تحديات ضخمة تتعلق بالكثافة السكانية والازدحام والضغط على الخدمات، وهو ما يجعل التوسع في المدن الجديدة ضرورة تخطيطية وليست مجرد خيارًا تنمويًا، لكن بعض الآراء المعارضة ترى أن نقل السكان والأنشطة تدريجيًا من قلب القاهرة إلى أطرافها قد يؤدي إلى إضعاف البنية الاجتماعية والتاريخية لبعض المناطق القديمة، ويثير تساؤلات حول مستقبل الهوية العمرانية للقاهرة التاريخية.

مدبولي ومخطط القاهرة الكبرى 2050

عادت القضية إلى الواجهة بقوة عندما أعلن الدكتور مصطفى مدبولي في عام 2008، خلال توليه رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني، تفاصيل الرؤية المستقبلية لتنمية إقليم القاهرة الكبرى حتى عام 2050، موضحًا أن الهدف الرئيسي للمخطط يتمثل في التحكم في النمو العمراني العشوائي، واستيعاب الزيادة السكانية المتسارعة، وتحقيق توزيع أكثر توازنًا للسكان والأنشطة الاقتصادية.

وأشار إلى أن الدراسات التخطيطية شملت 13 قطاعًا رئيسيًا، من بينها التجارة والصناعة والسياحة والصحة والتعليم والبيئة وتكنولوجيا المعلومات والنقل ومياه الشرب والصرف الصحي، مؤكدًا أن القاهرة تمتلك مقومات ثقافية وسياحية واقتصادية ضخمة تحتاج إلى استثمار أفضل، وأن تطوير العاصمة يجب أن يتم من خلال رؤية شاملة تراعي احتياجات المستقبل.

إزالة العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة

ضمن المشروعات التي أُدرجت في إطار رؤية التطوير العمراني، جرى تنفيذ برامج واسعة لإزالة المناطق العشوائية وغير الآمنة، ونقل سكانها إلى مشروعات إسكان بديلة. وشملت هذه البرامج تطوير أو إعادة تخطيط مناطق مثل الدويقة، وإسطبل عنتر، وعزبة خير الله، وغيرها من المناطق التي كانت تعاني مشكلات عمرانية وخدمية معقدة.

المباني التاريخية تتأثر بالمخطط، فيتو
المباني التاريخية جزء من خطة التطوير، فيتو

 وتؤكد الحكومة أن الهدف من هذه المشروعات هو تحسين ظروف المعيشة، وتوفير سكن آمن ومرافق حديثة للسكان، وليس تهجيرهم أو إقصاءهم لكن بعض الأصوات المنتقدة ترى أن طريقة تنفيذ بعض المشروعات أثارت تساؤلات بشأن مستقبل المجتمعات المحلية التي نشأت تاريخيًا في تلك المناطق، ومدى قدرتها على الحفاظ على روابطها الاجتماعية بعد الانتقال.

الجزر النيلية والمناطق المطلة على النهر

من أكثر الملفات التي أثارت الجدل أيضًا ما يتعلق بتطوير الجزر النيلية والمناطق المطلة على نهر النيل. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الخطط الرسمية أن الهدف يتمثل في رفع كفاءة الواجهة النيلية، وزيادة المساحات الخضراء، وتحسين الاستفادة السياحية والبيئية من النهر، يرى منتقدون أن بعض هذه المشروعات قد تؤدي إلى تغيير طبيعة استخدام الأراضي في مناطق معينة.

إزالة المباني المطلة على النيل، فيتو
إزالة المباني المطلة على النيل في ماسبيرو، فيتو

 وتُطرح في هذا السياق تساؤلات بشأن مستقبل بعض الجزر والمناطق ذات الطبيعة السكنية التقليدية، ومدى التوازن بين الحفاظ على المجتمعات المحلية وتحقيق أهداف التنمية والاستثمار.

التخوفات المطروحة.. بين الواقع والتأويل

ويذهب بعض المحللين والخبراء إلى أن ما يجري يمثل تحولًا جذريًا في طبيعة العاصمة، ويطرحون مخاوف تتعلق بإمكانية حدوث تغيرات ديموغرافية أو اقتصادية واسعة النطاق داخل المناطق المركزية.

وتشمل هذه المخاوف الحديث عن توسع الاستثمارات العقارية والسياحية، وإعادة توظيف بعض المناطق ذات القيمة العالية اقتصاديًا، واحتمالات تغير طبيعة الاستخدامات السكنية في أجزاء من القاهرة الكبرى مستقبلًا.

في المقابل، لا توجد في الوثائق التخطيطية المعلنة نصوص تتحدث عن «إفراغ القاهرة من سكانها»، بل تركز بصورة أساسية على إعادة توزيع الكثافات السكانية، والحد من التوسع العشوائي، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز جاذبية المدن الجديدة.

قراءات إعلامية للمخطط ومستقبل القاهرة

وكانت الإعلامية لمياء مصطفى قد اعتبرت أن بعض المشروعات الحكومية الحالية تمثل مؤشرات على بدء تنفيذ أجزاء من الرؤية المطروحة لإقليم القاهرة الكبرى حتى عام 2050.

وقالت إن المناطق الممتدة من القلعة والمقطم شرقًا وحتى الضفة الشرقية لنهر النيل غربًا، ومن رمسيس وميناء بولاق القديم شمالًا إلى الفسطاط جنوبًا، تشهد تغيرات عمرانية متسارعة قد تؤدي – من وجهة نظرها – إلى إعادة تشكيل الخريطة السكانية والاستخدامات العمرانية داخل العاصمة.

وترى لمياء مصطفى أن نقل بعض الأنشطة الحكومية والتجارية والسكانية إلى مدن مثل الشروق والعبور وبدر و6 أكتوبر والعاصمة الإدارية الجديدة يتوافق مع توجه عام يهدف إلى تخفيف الكثافات السكانية في المناطق المركزية، بينما تتحول أجزاء من القاهرة القديمة إلى مناطق ذات طبيعة استثمارية وسياحية وإدارية أكثر من كونها مناطق سكنية تقليدية.

كما تذهب إلى أن بعض الأراضي والمواقع ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة قد تصبح مستقبلًا أكثر جذبًا للاستثمارات العقارية والسياحية، وهو ما قد يؤدي – بحسب تقديرها – إلى تغيرات ديموغرافية واقتصادية داخل بعض المناطق المركزية.

وتضيف أن الهدف من المشروع هو "إزاحة السكان والمناطق التجارية من المنطقة المركزية إلى الشروق والعبور وبدر و6 أكتوبر، وهذا بالفعل ما يحدث، ثم بيع الأرض للمستثمرين لبناء الأبراج والفنادق والشركات لتحويل المنطقة فيما بعد لمنطقة إدارة دولية في المستقبل، ستصبح مستوطنة يديرها أصحاب الأموال، التي تنتقل لهم الملكية للأرض عبر الصناديق السيادية وتوابع الديون، تغيير ديموغرافي كامل وستصبح منطقة أجانب عاملين".

وأوضحت لمياء مصطفى أن "الخطة ظاهرها حماية التراث وباطنها تفكيك السكان مع إزاحتهم للأطراف والصحراء، سيتم نزع ملكية الأراضي على جانبي الطريق لبناء أبراج وبحيرة صناعية ومناطق خضراء، وتحويل الطريق من الأهرامات إلى النيل إلى منطقة سياحية مغلقة تصل إلى جزيرة الوراق التي ستصبح أرض حورس، الأمر مرتبط بتفريغ وسط العاصمة، وإنشاء مدينة حلوان كمركز للمال والأعمال، مع إنشاء مدينتين طبيتين عالميتين شرق وغرب القاهرة، وإنشاء مركز عالمي لسلالات الخيول العربية الأصيلة، والجزر النيلية تتحول لمحميات طبيعية. وتم اعتماد خطة القاهرة 2050 من حكومة حازم الببلاوي 2014، وتتضمن 22 مشروعًا يتم تنفيذها في الأعوام من 2036 وحتى 2038".

الجريدة الرسمية