رئيس التحرير
عصام كامل

الحرب على إيران تدخل مرحلة التوازن الهش.. "ذا ناشيونال إنترست": فشل أمريكي إسرائيلي في حسم المعركة.. الصين الرابح الأكبر.. والخليج أدرك أهمية الاعتماد على الذات

 أظهرت إيران قدرة
أظهرت إيران قدرة ملحوظة على امتصاص الضغوط
18 حجم الخط

وسط دخان الصواريخ واهتزازات أسواق الطاقة وتبدل خرائط النفوذ، تبدو الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وكأنها معركة بلا منتصر حقيقي، فكل طرف خرج مثقلا بكلفة المواجهة، فيما دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوازن الهش، حيث لم يعد السؤال من ربح الحرب، بل من يملك القدرة على تحمل استنزافها على مدى الطويل.

وفي السياق، كشف مقال رأي نشره موقع "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكي المتخصص في الشؤون السياسية، أن تلك الحرب أعادت تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، لكنها لم تؤد إلى حسم استراتيجي لأي من الأطراف المعنية، وبينما تبادل الطرفان التصعيد ومحاولات الاحتواء، ركزت أوروبا والصين بشكل أساسي على المخاطر الاقتصادية، وحاولتا الاستفادة من تداعيات الحرب بدلا من محاولة تغيير مسارها.

المقال كتبه خالد الجابر المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة، وهو باحث وأكاديمي بارز في  شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

يقول الجابر: أدت الحرب إلى إعادة توزيع الخسائر والمكاسب داخل نظام دولي يتجه نحو مزيد من التفكك. وقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أبريل 2026 أن أكثر من 30 مليون شخص في 162 دولة معرضون لخطر السقوط في مستنقع الفقر بسبب النزاع، ما يعكس اتساع نطاق تأثيره عالميا، وحجم الخسائر الذي يتجاوز بكثير أي مكاسب سياسية قد يحققها أي طرف.

أمريكا انخرطت في الحرب أكثر مما ينبغي

ويضيف الكاتب: كانت كلفة الحرب باهظة بالنسبة للولايات المتحدة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن واشنطن أنفقت 3.7 مليارات دولار خلال أول 100 ساعة فقط من الحرب ضد إيران، أي ما يعادل نحو 891 مليون دولار يوميا. كما صرح مسؤول كبير في البنتاجون أواخر أبريل 2026 بأن كلفة الحرب بلغت 25 مليار دولار خلال أول شهرين، بينما تذهب تقديرات مستقلة إلى أنها اقتربت من 50 مليار دولار، دون احتساب الأعباء التي تحملها المستهلك الأمريكي نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والسلع.

خسائر في صفوف الجيش الأمريكي جراء الحرب على إيران
خسائر في صفوف الجيش الأمريكي جراء الحرب على إيران

ويتابع: في المقابل حققت الحرب مكاسب محدودة لواشنطن، أبرزها إضعاف التهديد العسكري الإيراني، وإعادة ترسيخ الوجود البحري الأمريكي في مضيق هرمز والبحر الأحمر. لكن فشل الولايات المتحدة في تحقيق نصر حاسم كشف أيضا تراجع قدرتها على فرض حلول استراتيجية شاملة كما كانت تفعل في العقود الماضية. فلم تعد واشنطن تمتلك القوة أو الإرادة السياسية لإعادة هندسة الشرق الأوسط من الأعلى كما حاولت عام 2003، بل أصبحت مضطرة لإدارة أزمات مركبة ومتوازية، في تحول كبير لطبيعة دورها في المنطقة.

إسرائيل لم تنه النفوذ الإيراني

على الصعيد الإسرائيلي، يقول الكاتب: حققت إسرائيل مكاسب عسكرية تكتيكية لافتة. فقد منحتها قوتها التقليدية تفوقا كبيرا على الجماعات الموالية لإيران، وعلى رأسها حزب الله الذي تكبد خسائر ضخمة في حربه مع إسرائيل عام 2024، بما في ذلك مقتل أمينه العام حسن نصر الله. ومع ذلك، لم ينجح هذا النهج في إنتاج تسوية نهائية.

ويضيف: كما تفتقر إسرائيل إلى القوات البرية القادرة على إلحاق هزيمة حاسمة بإيران، ما يضعها أمام احتمال حرب استنزاف طويلة بلا نهاية واضحة. وقد أظهرت مرحلة ما بعد اتفاق أوسلو لإسرائيل أن التفوق التكتيكي لا يعني بالضرورة استقرارا استراتيجيا، وأن القوة العسكرية وحدها غير قادرة على حل مأزق جيوسياسي مستمر منذ عام 1979.

إيران نجت مؤقتا من الحرب

من جهتها، اعتمدت إيران استراتيجية تقوم على البقاء داخل "منطقة الضغط" دون الانهيار. وبدلا من السعي إلى انتصار تقليدي على الولايات المتحدة، وهو أمر يبدو شبه مستحيل بالنظر إلى الفارق الهائل في القدرات، ركزت طهران على الحفاظ على تماسك الدولة والإبقاء على الحد الأدنى من بنية نفوذها الإقليمي، وفق المقال.

ويقول الجابر: أظهرت إيران قدرة ملحوظة على امتصاص الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية، مستخدمة التفاوض والتصعيد المحسوب بالتوازي، وهو ما حرم خصومها من تحقيق الحسم الذي سعوا إليه.

لكن هذا الصمود لا يمكن اعتباره انتصارا للجمهورية الإسلامية، مهما كانت تصريحاتها الرسمية. فالفشل المنهجي لعقيدة "الدفاع المتقدم" الإيرانية، التي تأسست خلال الحرب العراقية الإيرانية لإبعاد المواجهة عن الأراضي الإيرانية، يعني أن طهران باتت تعيش داخل حالة صراع مستمرة. وعلى الرغم من أن النظام الإيراني مرشح للاستمرار، فإن هذه الاستراتيجية جاءت بكلفة باهظة، إذ تحولت إيران من فاعل إقليمي طموح إلى دولة تدير معركة بقائها تحت ضغط داخلي وخارجي دائم.

الحرب كشفت الغياب الاستراتيجي لأوروبا

ويرى الكاتب أن "أوروبا برزت خلال الحرب بوصفها فاعلا اقتصاديا مهما، لكنه هامشي استراتيجيا. فرغم اعتمادها على طاقة الشرق الأوسط والممرات البحرية، فإن ذلك لم يترجم إلى انخراط سياسي أو عسكري فعال، بعدما تركت هذه المساحة للولايات المتحدة منذ سنوات، دون استعداد لتعويضها".

أمريكيون في ولاية أيوا يتظاهرون احتجاجا على الحرب الأمريكية ضد إيران
أمريكيون في ولاية أيوا يتظاهرون احتجاجا على الحرب الأمريكية ضد إيران

ويضيف: منذ بداية النزاع، اختارت بروكسل دبلوماسية حذرة شكلت جوهر الدور الأوروبي طوال الحرب. وزادت الأزمة تعقيدا مع اضطراب الأسواق المالية العالمية، وتراجع أسواق الأسهم وارتفاع عوائد السندات السيادية، ما أجبر الحكومات الأوروبية على إدارة تداعيات اقتصادية لحرب اندلعت خارج حدودها.

الصين استفادت من انشغال الغرب

وفي السياق الآسيوي، يشير الكاتب إلى أن "الصين ربما تكون المستفيد الأكبر من النزاع. وعلى الرغم من أن بكين تحملت أعباء اقتصادية بسبب اضطرابات مضيق هرمز، لكن الحرب شكلت أيضا اختبارا لقدرة اقتصادها على الصمود، وقد اجتازته بنجاح كبير".

ويقول الجابر: تبدو الصين أكثر استعدادا لصدمات النفط مقارنة بمعظم الدول الآسيوية، بفضل احتياطياتها الاستراتيجية وتنوع مورديها وتوسعها في الطاقة المتجددة.

كما حرصت بكين على ترسيخ صورتها كفاعل اقتصادي قادر على التعامل مع جميع الأطراف دون تحمل الكلفة العسكرية والسياسية المباشرة للحرب؛ وعلى نطاق أوسع، استفادت الصين من انشغال الغرب؛ إذ استنزف النزاع الإيراني كميات هائلة من الذخائر الأمريكية التي سيكون من الصعب تعويضها قريبا، ما يمنح بكين هامشا أوسع للتحرك في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وهكذا، تعزز الحرب انتقال مركز الثقل العالمي شرقا، حتى في ظل نظام دولي لا يزال يعمل جزئيا.

دول الخليج اكتشفت أهمية الاعتماد على الذات

في قلب هذا الصراع، برز الشرق الأوسط كساحة اختبار مهمة، خاصة لدول مجلس التعاون الخليجي التي وجدت نفسها تحت تهديد مباشر رغم أنها ليست أطرافا مركزية في الحرب.

ويقول الكاتب: أظهرت دول الخليج قدرا ملحوظا من الصمود خلال النزاع، وهو ما يعد مكسبا نسبيا، خاصة بالنسبة إلى السعودية والإمارات اللتين طورتا بنية تحتية بديلة لخطوط الأنابيب تسمح بتصدير النفط بعيدا عن مضيق هرمز، ما خفف نسبيا من خطر إغلاقه.

ورغم تعرض عواصم خليجية لهجمات إيرانية، نجحت هذه الدول في تجنب الانجرار إلى حرب شاملة، والحفاظ على قدر من الاستقرار الاقتصادي. لكنها اكتشفت أيضا حدود الاعتماد على المظلات الأمنية الخارجية.

وأكدت الحرب أن الأمن في بيئة إقليمية شديدة السيولة لا يمكن استيراده، بل يتطلب بناء قدرات محلية أكثر صلابة ومرونة، تشمل التصنيع الدفاعي، وأمن سلاسل الإمداد، وتنويع الشراكات، وتطوير أدوات ردع مستقلة قادرة على سد فجوات الحماية حين تنشغل القوى الكبرى بأولوياتها الخاصة، بحسب المقال.

توازن هش بدل النصر

وفي النهاية، يقول الجابر: لا يوجد منتصر حقيقي في هذه الحرب. فلا أحد يمتلك القدرة على فرض إرادته بالكامل، ولا أي طرف قادر على الخروج من دائرة الصراع دون خسائر معنوية.

ويضيف: الولايات المتحدة أدارت الحرب دون أن تحسمها، وإسرائيل حققت تقدما لكنها لم تحسن موقعها الاستراتيجي جذريا، وإيران نجت لكنها خرجت أضعف، وأوروبا حاولت البقاء خارج النزاع لكنها دفعت ثمنه، بينما استفادت الصين من انشغال الغرب رغم تحملها بعض الأضرار الاقتصادية.

ويتابع: ما نتج عن الحرب ليس نظاما جديدا، بل إنهاك للنظام القديم، الذي لا يزال متماسكا فقط بسبب عجز الجميع عن تحمل كلفة انهياره. فالحرب الإيرانية ليست سوى إعادة توزيع للخسائر داخل نظام دولي يتجه نحو مزيد من التعقيد، معلنة نهاية عصر "الانتصارات النظيفة" وبداية زمن التوازنات الهشة.

وينهي الجابر مقاله قائلا: لقد خرج كل طرف بمكاسب جزئية لا ترقى إلى النصر، وخسائر مؤجلة لا تصل إلى الهزيمة. ومع استمرار هذا الوضع، لم يعد السؤال المطروح هو: كم من المكاسب الاستراتيجية يمكن تحقيقها؟ بل: كم من الألم الاقتصادي تستطيع الدول تحمله؟

الجريدة الرسمية
عاجل