من يملك النيل؟.. كيف حسم القانون أزمة منشآت أكمل قرطام في أبو النمرس
أثارت أزمة إزالة منشآت مملوكة لرجل الأعمال والسياسي أكمل قرطام على ضفاف نهر النيل بمنطقة أبو النمرس في محافظة الجيزة، حالة واسعة من الجدل بعد تداول مقاطع فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، دفعت وزارة الموارد المائية والري للخروج ببيان تفصيلي شرحت فيه الأساس القانوني والفني للإجراءات الجارية.
لكن بعيدًا عن الجدل السياسي أو الإعلامي، فإن القضية تفتح الباب أمام تساؤلات أوسع تتعلق بحقوق الملكية، وحدود البناء على النيل، وصلاحيات الدولة في إزالة المخالفات، والعقوبات التي يفرضها قانون الموارد المائية والري رقم 147 لسنة 2021.
ماذا قالت وزارة الري؟
بحسب بيان وزارة الري، فإن نتائج الرفع المساحي وبحث الملكية كشفت أن إجمالي مساحة الموقع تبلغ نحو 23.5 ألف متر مربع، وأن أكثر من 14 ألف متر منها تمثل تعديات على أملاك الدولة العامة بنسبة تقارب 60% من إجمالي المسطح.
وأوضحت الوزارة أن التعديات تنقسم إلى نحو 11390 مترًا مربعًا عبارة عن ردم داخل مجرى نهر النيل، وأكثر من 2700 متر تعديًا على الأملاك العامة لجسر شبرامنت.. كما أكدت أن المنشآت المقامة تتداخل مع القطاع المائي للنهر، وتقع أجزاء منها داخل مناطق يحظر القانون إقامة منشآت ثابتة بها، سواء كانت الأرض مملوكة للدولة أو للقطاع الخاص.

هل الملكية الخاصة تمنع الإزالة؟
إحدى أبرز النقاط التي أثارها البيان تتعلق بفكرة الملكية الخاصة، حيث شددت الوزارة على أن إجراءاتها “لا تنال من أي حقوق ملكية ثابتة قانونًا خارج نطاق المخالفات”، لكنها تستهدف فقط الأجزاء المتعدية على مجرى النيل أو أملاك الدولة أو المناطق المحظور البناء بها.
وهنا يبرز مبدأ قانوني مهم؛ فامتلاك الأرض لا يمنح صاحبها الحق في البناء كيفما يشاء إذا كانت الأرض تقع داخل حرم النهر أو القطاع المائي أو المناطق المقيدة بقوانين الحماية البيئية والمائية.
وبحسب قانون الموارد المائية والري، فإن الدولة تملك سلطة تنظيم استخدام الأراضي الواقعة على جانبي النيل حمايةً للمجرى المائي وضمانًا لعدم التأثير على حركة المياه أو كفاءة توزيعها.
ما المقصود بحرم النيل؟
القانون يحدد نطاقات معينة حول مجرى النهر تُعتبر مناطق محظورة أو مقيدة الاستخدام، ويُمنع فيها الردم أو البناء أو إقامة منشآت ثابتة دون موافقات رسمية دقيقة.
ويُنظر إلى أي ردم داخل مجرى النيل باعتباره اعتداءً مباشرًا على المال العام والمجرى المائي، خاصة إذا ترتب عليه تقليل القدرة الاستيعابية للنهر أو التأثير على حركة المياه.
الوزارة أكدت في بيانها أن استمرار مثل هذه التعديات يؤثر سلبًا على كفاءة توصيل المياه وجودتها، ويؤثر على توزيع التصرفات المائية للمستخدمين.
متى تتدخل الدولة بالإزالة الجبرية؟
من الزوايا المهمة في القضية، أن الوزارة كشفت أنها منحت صاحب الشأن مهلة لتنفيذ الإزالة بنفسه وعلى نفقته، استجابة لطلب ممثله القانوني، إلا أن المهلة تنتهي بنهاية مايو الجاري دون تنفيذ فعلي حتى الآن.
ووفقًا للقانون، فإن الجهة الإدارية تملك حق التدخل المباشر لتنفيذ الإزالة إذا امتنع المخالف عن التنفيذ، مع تحميله كامل تكاليف الأعمال والمعدات المستخدمة.
وهذا يعني أن الإزالة الإدارية لا تحتاج بالضرورة إلى انتظار تنفيذ طوعي من المخالف، طالما صدرت القرارات القانونية واستنفدت الإجراءات الإدارية المطلوبة.
ما العقوبات القانونية في مثل هذه الحالات؟
قانون الموارد المائية والري رقم 147 لسنة 2021 يتضمن عقوبات على أعمال الردم والتعدي والبناء داخل المجرى المائي أو حرم النيل، وتشمل إزالة الأعمال المخالفة إداريًا وعلى نفقة المخالف وفرض غرامات مالية والحبس في بعض حالات التعديات الجسيمة أو تكرار المخالفة واسترداد أراضي وأملاك الدولة المعتدى عليها وتحميل المخالف تكاليف إعادة الشيء لأصله، كما يمنح القانون وزارة الري صلاحيات واسعة لوقف الأعمال المخالفة فورًا حفاظًا على الأمن المائي.
هل يجوز “التبرع” بالمنشآت للدولة؟
البيان تطرق أيضًا إلى ما أثير بشأن عرض التنازل عن المنشآت أو إهدائها للدولة، حيث شددت الوزارة على أن التبرع لا يمكن أن يكون وسيلة لإضفاء الشرعية على مخالفة قائمة.
وترى الدولة أن قبول منشآت مخالفة لمجرد ارتفاع قيمتها أو تحويلها لاحقًا إلى منفعة عامة قد يفتح الباب أمام خلق استثناءات تمس مبدأ المساواة أمام القانون.
هل يملك صاحب المنشآت حق التقاضي؟
رغم تمسك الوزارة بالإزالة، فإن البيان أكد أن القانون يكفل لصاحب الشأن كامل حقوقه في الطعن والتقاضي، مشيرًا إلى أنه أقام بالفعل عدة دعاوى قضائية لإبطال الإجراءات.
وهذا يعني أن النزاع لا يزال يحمل جانبًا قضائيًا مفتوحًا، وأن الكلمة النهائية في بعض الجوانب قد تبقى رهينة لما تنتهي إليه المحاكم المختصة.
لماذا تتشدد الدولة في ملف النيل؟
خلال السنوات الأخيرة، اتجهت الدولة إلى توسيع حملات إزالة التعديات على نهر النيل ضمن ما يسمى “المشروع القومي لضبط نهر النيل”، والذي يعتمد على الرفع المساحي والتصوير الجوي وقواعد البيانات الرقمية لرصد أي مخالفات.
وبحسب وزارة الري، جرى تنفيذ ما يقرب من 800 حالة إزالة حتى الآن، في محاولة للتأكيد على أن الإجراءات لا تستهدف شخصًا بعينه، وإنما تأتي ضمن سياسة عامة لحماية النهر واستعادة أملاك الدولة.








