رائحة الكوارع تسبق العيد.. والمصريون يتمسكون بطقوس المائدة الشعبية
«المسمط» في موسم الأضحى، حكاية مهنة يسبق فيها الشقاءُ المكسب (فيديو وصور)
مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تتغير ملامح الشارع المصري، وتبدأ محال الجزارة والمطاعم الشعبية استعداداتها لموسم يُعد الأكثر ازدحامًا على مدار العام.
وفي قلب هذه الأجواء، يحتفظ «المسمط الشعبي» بمكانته الخاصة باعتباره أحد أبرز الطقوس المرتبطة بالعيد، حيث تتصدر أطباق الفتة والكوارع والممبار ولحمة الرأس موائد كثير من الأسر المصرية.
ورغم تغير أنماط الطعام وظهور مطاعم حديثة تقدم وجبات سريعة ومتنوعة، لا تزال أكلات المسمط قادرة على الحفاظ على حضورها داخل البيوت المصرية، باعتبارها جزءًا من الذاكرة الشعبية المرتبطة بعيد الأضحى، الذي يمتزج فيه مذاق اللحوم بطقوس التجمعات العائلية والولائم الممتدة.
داخل أحد المسامط الشعبية، يقف الحاج رجب وسط أواني الطهي العملاقة، يتابع حركة العمال بعين خبيرة اعتادت تفاصيل المهنة منذ أكثر من ثلاثة عقود، بينما تتصاعد أبخرة الشوربة الساخنة وتختلط بأصوات تجهيز الطلبات قبل أيام قليلة من العيد.
«بدأنا من سنة 1990»، مهنة اختارها الشقيقان بإرادتهما
يقول الحاج رجب إنه بدأ العمل في المسمط عام 1990 برفقة شقيقه رمضان، مؤكدًا أن دخولهما المجال لم يكن امتدادًا لمهنة عائلية موروثة، وإنما اختيارًا شخصيًا فرضه حب العمل والرغبة في بناء مشروع خاص.
ويضيف: «أنا وأخويا رمضان اخترنا المهنة بنفسنا، ماورثناهاش عن حد، لكن بعد كدة احنا اللي ورثناها لأولادنا».
وعلى مدار سنوات طويلة، تحولت المهنة إلى إرث عائلي انتقل إلى الأبناء، بعدما أصبحت تفاصيلها جزءًا من الحياة اليومية للأسرة، بداية من تنظيف اللحوم وتجهيزها، وصولًا إلى إعداد الأطباق الشعبية التي ارتبطت بالمائدة المصرية.




«ليلة الوقفة» حين يتحول المسمط إلى ورشة تجهيز للذبائح
ومع اقتراب عيد الأضحى، تتغير طبيعة العمل داخل المسمط بالكامل، إذ يتوقف بيع الطعام المعتاد، لتبدأ مرحلة أخرى مرتبطة بتجهيز الذبائح وتنظيفها للزبائن.
ويشرح الحاج رجب طبيعة العمل خلال تلك الفترة قائلًا: «من يوم الوقفة بنوقف بيع الأكل وبنقفل المطعم، ونبدأ نشتغل للناس في تنظيف الكوارع والراس والفشة والكرشة، كل واحد حسب طلبه».
في تلك الساعات، يتحول المكان إلى خلية عمل مفتوحة تستمر منذ الصباح وحتى ساعات متأخرة من الليل، حيث يعمل الجميع وسط ضغط متواصل لتلبية طلبات الزبائن المتزايدة قبل العيد.
أذواق ثابتة والفتة في مقدمة الطلبات
وعن اختلاف طلبات الزبائن خلال موسم العيد، يؤكد الحاج رجب أن طبيعة الأكلات المطلوبة لا تختلف كثيرًا عن بقية أيام العام، موضحًا أن لكل زبون اختياراته المعتادة.
ويقول: «كل زبون وله ذوقه، والطلبات تقريبًا هي نفسها طول السنة».
ويشير إلى أن جميع الأصناف داخل المسمط تحظى بإقبال دائم، مضيفًا: «الفتة، والكبدة، والممبار، ولحمة الرأس، والكوارع.. كلها عليها طلب».
وتبقى الفتة في مقدمة الأطباق الأكثر ارتباطًا بعيد الأضحى، باعتبارها طبقًا أساسيًا لا تكاد تخلو منه موائد المصريين في أول أيام العيد.




الشقاء أكبر من المكسب
ورغم الإقبال الكبير على أكلات المسمط، يرى الحاج رجب أن هذه المهنة من أكثر المهن التي تعتمد على الجهد البدني والتحمل، مؤكدًا أن الأرباح لا تأتي بسهولة كما يتصور البعض.
ويقول: «المهنة بتكسب، لكن الشقاء فيها أكبر من المكسب».
ويتابع موضحًا تفاصيل يومه الطويل: «بفتح من الساعة 6 الصبح، وبغسل الحاجة مرة واتنين وتلاتة علشان أتأكد إنها نضيفة، لأن الزبون لازم ياكل حاجة نضيفة واحنا بنتقي ربنا في شغلنا».
داخل المسمط، تبدأ رحلة الطعام قبل الطهي بوقت طويل، من خلال تنظيف المكونات بعناية والتأكد من جودتها، وهي خطوات يعتبرها أصحاب المهنة أساس الحفاظ على ثقة الزبائن.



الطعم هو الحكم الحقيقي
لا يخفي الحاج رجب انتقاده لبعض الممارسات الخاطئة داخل المجال، مؤكدًا أن جودة الطعام وحدها هي التي تضمن استمرار أي مطعم شعبي.
ويقول: «الطعم أساس كل حاجة، والحاجة لما تبقى طازة الزبون بيحس بده من أول لقمة».
ويضيف: «الزبون لو أكل مرة وماعجبوش الأكل، مش هيرجع تاني».
هذه المعادلة البسيطة أصبحت بالنسبة لأصحاب المسامط القديمة قاعدة أساسية للاستمرار، خاصة في ظل المنافسة الكبيرة وتغير ذوق المستهلكين.
زبائن من سنوات طويلة ومشاهير على الطاولات
على مدار أكثر من ثلاثين عامًا، استطاع الحاج رجب تكوين قاعدة واسعة من الزبائن الذين اعتادوا التردد على المسمط باستمرار.
ويقول: «فيه زباين مخصوص بتيجي، ومتعودة علينا من سنين».
ولم تقتصر شهرة المكان على الزبائن العاديين فقط، بل امتدت إلى عدد من الفنانين والإعلاميين، من بينهم الفنان يحيى الفخراني، والإعلامية الراحلة آمال فهمي، والموسيقار هاني مهنا، والإعلامي معتز الدمرداش، والفنان الراحل فاروق الفيشاوي.
ويؤكد الحاج رجب أن انتشار اسم المسمط عبر مواقع التواصل الاجتماعي ساهم في جذب زبائن جدد من مناطق بعيدة، قائلًا: «بعد التريند بقينا نستقبل ناس جاية مخصوص من أماكن بعيدة علشان تجرب الأكل».
الشهرة لم تغيّر الأسعار
ورغم زيادة الإقبال بعد انتشار اسم المسمط، يؤكد الحاج رجب أن الأسعار لم تتغير بسبب الشهرة، موضحًا أن أي زيادة ترتبط فقط بارتفاع أسعار الخامات.
ويقول: «أنا ما بزودش الأسعار علشان الشهرة، الزيادة بتحصل بس لما تكلفة الخامات نفسها ترتفع».
المسمط مهنة تحافظ على روح الشارع المصري
ورغم قسوة العمل وطول ساعات الوقوف والتجهيز، يبقى المسمط الشعبي شاهدًا على واحدة من أقدم المهن المرتبطة بالمطبخ المصري، حيث تختلط رائحة الشوربة الساخنة بحكايات الناس وذكرياتهم مع العيد.
فهنا، لا تُقدَّم أطباق الكوارع والفتة باعتبارها مجرد وجبات، بل باعتبارها جزءًا من ثقافة شعبية متوارثة، صنعها التعب والخبرة، وحافظ عليها أصحاب المهنة الذين يؤمنون بأن سر الاستمرار الحقيقي يبدأ من احترام الزبون وجودة الطعام قبل أي شيء آخر.


