رئيس التحرير
عصام كامل

عصام شرف: التماسك الداخلي وإعمال العقل هما حائط الصد الأول لحماية الهوية الوطنية

جانب من الندوة
جانب من الندوة
18 حجم الخط

أكد الدكتور عصام شرف، رئيس وزراء مصر الأسبق، خلال ندوة "رومانسية وطن"، بـ حزب الوفد أن علاقته بـ"بيت الأمة" تمتد لأكثر من 60 عامًا، منذ أن كان تلميذًا في المرحلة الابتدائية وكان يلعب الكرة في الشوارع المحيطة بالحزب، مشيرًا إلى أنه لطالما كان لهذا البيت جاذبية خاصة في وجداننا.

ندوة رومانسية وطن بحزب الوفد

ولفت شرف، إلى أن اختياره لعنوان "رومانسية وطن" ليس مجرد طرح عاطفي، بل هو محاولة لتعريف الوطن كقيمة عليا، والبحث عن الخيط الإنساني الذي يربط الإنسان بهويته وتاريخه بعيدًا عن الحسابات الضيقة، مؤكدًا أننا بحاجة إلى خطاب وطني يعيد للوعي مكانته وللفكر قيمته، ليؤمن الإنسان المصري بأن وطنه ما زال قادرًا على صناعة الأمل.

وأشار إلى أنه تعلم من تجارب الحياة أن القضايا الكبرى يجب أن تُبنى على النظرة الكلية، ولا يوجد ما هو أهم من قضية الوطن، و"من هذا المنطلق، أركز في رؤيتي على الانتقال من مدارات "الأشخاص والأشياء" إلى مدار "الأفكار والقيم"؛ فالأشخاص يرحلون ولكن القيم، مثل الأمومة والوطنية، تظل خالدة لا تموت".
وأوضح الدكتور عصام شرف، أن هدفه الأساسي هو استحضار "حالة أكتوبر"، وهي حالة ممتدة لا تقتصر فقط على نصر عسكري، بل هي روح نسعى من خلالها لصياغة "مشروع تنويري" متكامل يعيد بناء الوعي والإنسان، فالوطن لا يُبنى بالسياسة والاقتصاد فحسب، بل بالمشاعر الصادقة والانتماء الحقيقي، والإيمان بأن لهذا الوطن حقًا علينا جميعًا أن نفكر فيه ونختلف من أجله.

وأكد الدكتور عصام شرف أن القيم هي المحرك الأساسي للإنسان، مشددًا على أن علاقتنا بالوطن لا يجب أن تكون "علاقة أشياء أو أشخاص"، بل هي علاقة تقوم على قيم إنسانية عليا تستحق التضحية. 
وأوضح أن هناك فرقًا جوهريًا بين "الدولة" بمكوناتها المادية والبشرية (أرضًا وشعبًا وسلطة) وبين "الوطن" الذي يمثل القيمة السامية التي لا تتأثر بالمتغيرات أو الأشخاص.

وعرف الدكتور شرف الرومانسية الوطنية بأنها "عطاء بلا قياس" وتجاوز للقدرات الطبيعية المعتادة، وهي حالة خاصة جدًا من الحب تتجلى في التضحية دون انتظار مقابل، بخلاف المفاهيم الإدارية التي تخضع للقياس والحساب.
واستشهد بنماذج من الحياة الأسرية (تضحيات الأب والأم) كدليل على أن القيمة العليا تدفع الإنسان لتخطي قدراته الجسدية والمعتادة من أجل هدف أسمى، معتبرًا أن هذه الحالة هي جوهر الرومانسية التي يتحدث عنها.

وأشار إلى أن قيمة الأشياء المادية تتبدل تمامًا عندما ترتبط بالوطن؛ فـ "قطعة القماش" تصبح ذات قيمة لا تقدر بثمن عندما تتحول إلى علم مصر، والأسماء العادية تكتسب خلودًا عندما ترتبط ببطولات وطنية، مثل محمد العباسي الذي رفع العلم على خط بارليف.

واعتبر الدكتور شرف أن انتصارات أكتوبر 73 هي ذروة "رومانسية الوطن"، مؤكدًا أنها بدأت فعليًا منذ يونيو 67 من خلال صمود الشعب وتحمله للمصاعب، وبطولات الجنود في حرب الاستنزاف الذين كانوا يتدربون بإصرار يتجاوز حدود طاقتهم البشرية مدفوعين بالقيم الوطنية.

وأكد أن القيم العليا مثل الوطن، الأسرة، والحب هي قيم منزهة تظل موجودة ونسعى إليها دائمًا، وهي لا تموت ولا تتأثر بفشل الأفراد في تحقيقها أحيانًا.

الوفد، وقال الدكتور عصام شرف إن نصر أكتوبر 1973 لم يكن مجرد ملحمة عسكرية فحسب، بل كان تجسيدًا لما أسماه بـ "كيمياء الوطن"، وهي الحالة التي تغيرت فيها سيكولوجية المصريين وانتقلوا فيها من التعب والكسل إلى ذروة النشاط والعطاء غير المشروط. 

وأكد شرف أن هذه الحالة الاستثنائية قامت على الالتفاف الوطني وانصهار مؤسسات الدولة والشعب في بوتقة واحدة لاسترداد الكرامة الوطنية، موضحًا من خلال شهادته كشاب في تلك الفترة، كيف تحول سلوك الأفراد العاديين بفضل قيم عليا تحركت بداخلهم؛ فذكر قصصًا ملهمة عن تلاحم الشعب، منها شباب الأندية الذين تسابقوا للتطوع على الجبهة وبكوا خشية عدم نيل شرف المشاركة، كما استشهد بالمواطنون البسطاء كـ "عم صابر" القهوجي و"عم حسين" البقال الذين قدموا مصالح الوطن على أرزاقهم الخاصة في مشهد مهيب للعطاء، فضلًا عن تغير سلوك الجمهور في وسائل النقل، والتزامهم الطوعي بدفع التذاكر كدعم للدولة في حربها، وقصص البطولة للأطباء والجنود الذين كانت وصيتهم الوحيدة هي "أن يُدفن الشهيد بسلاحه وملابسه" دلالة على الارتباط الأبدي بالأرض.

وعرض الدكتور شرف "فلسفة التناغم والاندماج" كنموذج لبناء المستقبل، مشبهًا إياها بـ "فنجان الشاي" أو "اللوحة الفنية"، حيث تندمج عناصر متباينة (ماء، سكر، شاي) لتكون وحدة واحدة متجانسة وأكثر قوة دون إلغاء الاختلافات بينها.

وأكد الدكتور عصام شرف على أن "حالة أكتوبر" هي منظومة متكاملة من التخطيط الجمعي والتضحيات الفردية التي استمرت لسنوات، مشددًا على ضرورة إعادة إنتاج هذه الحالة اليوم ليس لخوض حروب عسكرية، بل لخوض "حروب اقتصادية واجتماعية وثقافية" ملحة، مؤكدًا أن مصر وطن يستحق التضحية والعمل بتناغم من الجميع دون استثناء.

الجريدة الرسمية