إيبولا يختبر جاهزية العالم لمواجهة الأوبئة.. عداد الموتى يواصل الدوران.. الصراعات وتراجع المساعدات ناقوس خطر.. وعالمة أمريكية تحذر الغرب: لا تقف متفرجا على حرائق جارك
وسط مخاوف متصاعدة من تفشي سلالة نادرة من فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حذرت عالمة أمريكية متخصصة في الصحة العامة من أن العالم يواجه اختبارا جديدا لقدراته على احتواء الأوبئة، مؤكدة أن تجاهل الغرب للأزمة قد يحمل تداعيات تتجاوز حدود أفريقيا.
وقالت رئيسة قسم الصحة العامة العالمية في كلية الطب بجامعة إدنبرة البريطانية ديڤي سريدهار: "إن ظهور سلالة نادرة من فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بالتزامن مع استمرار الصراع المسلح وتراجع المساعدات الدولية، يجعل تفشي المرض أكثر خطورة من أي وقت مضى".
وشددت سريدهار في مقال نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية على ضرورة عدم تجاهل الدول الغربية لهذه الأزمة الصحية المتصاعدة، مضيفة: أعلنت منظمة الصحة العالمية أن تفشي فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية يشكل "حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقا دوليا". ويعد هذا التصنيف أعلى مستوى إنذار لدى المنظمة، ويستخدم للإبلاغ عن أزمة صحية تعتبر استثنائية، وتنطوي على مخاطر عابرة للحدود، وتتطلب استجابة دولية منسقة.
ما الذي يحدث حاليا؟
وتشير المعلومات إلى وجود مئات الحالات المشتبه بها و131 حالة وفاة مشتبه بها في شرق الكونغو الديمقراطية، مع احتمال امتدادها إلى أوغندا المجاورة. ويعد إيبولا أحد أخطر الأمراض المعدية في العالم، إذ تتطور أعراضه من الحمى والقيء إلى النزيف الداخلي وفشل الأعضاء.

تقول سريدهار: معظم التفشيات الـ16 السابقة في الكونغو الديمقراطية كانت من سلالة "إيبولا زائير" والتي تتوفر لها لقاحات فعالة وعلاجات مستهدفة وأدوات تشخيص سريعة. لكن التفشي الحالي ينتمي إلى سلالة "بونديبوجيو"، التي لا تتوفر لها حتى الآن وسائل طبية مخصصة للعلاج.
وتضيف: استمرار انتشار المرض دون اكتشافه مبكرا يعود جزئيا إلى أن أدوات التشخيص السريع الخاصة بسلالة "زائير" لم تتمكن من التعرف على السلالة الجديدة. وبدون علاج نوعي، يقتصر التدخل الطبي على الرعاية الداعمة، مع معدلات وفاة تُقدّر بين 30% و40% من المصابين.
لماذا يثير التفشي الحالي قلق الخبراء؟
ينتقل فيروس إيبولا عبر سوائل الجسم للمصابين، مثل اللعاب والدم والعرق والسوائل الجنسية. ويعد العاملون في القطاع الصحي وأفراد العائلة الذين يعتنون بالمرضى، وكذلك المشاركون في عمليات الدفن، الأكثر عرضة للإصابة. ويتطلب احتواء التفشي توفير معدات الوقاية الشخصية للعاملين، إلى جانب تتبع المخالطين وعزلهم قبل انتقال العدوى. وقد تم احتواء تفشيات سابقة، ما يعني أن التحدي لا يتعلق بالمعرفة بقدر ما يتعلق بتوفر الموارد والكوادر والبنية اللوجستية، بحسب العالمة الأمريكية البارزة المتخصصة في الصحة العامة العالمية.
وتتابع: هناك عوامل إضافية تزيد من صعوبة الوضع في الكونغو الديمقراطية، إذ يحدث التفشي في منطقة تعدين تشهد صراعات ونشاطا سكانيا مرتفعا، مع ضعف الثقة بين السكان والسلطات أو الوكالات الدولية. وهذا يجعل تنفيذ حملات التطعيم والخدمات الصحية الأساسية أكثر صعوبة في ظل عدم الاستقرار والعنف.
وتضيف: قع التفشي أيضا في إقليم إيتوري قرب الحدود مع أوغندا، ما يثير مخاوف من انتقال العدوى إلى مدينة كمبالا، وهي مركز حضري إقليمي كبير، ما سيجعل السيطرة على التفشي أكثر تعقيدًا. وقد أغلقت أوغندا بعض المعابر الحدودية، لكن طول الحدود (نحو 950 كيلومترًا) وحركة السكان يجعل منع الانتشار عبر الحدود أمرًا صعبًا.
هل تتمتع اللقاحات الحالية بفعالية؟
تدرس السلطات الصحية استخدام مزيج من اللقاحات المعتمدة لسلالتي "زائير" و"السودان"، رغم توفر الجرعات، إلا أن هناك مخاوف من أن عدم فعاليتها بالشكل المتوقع قد يؤثر سلبا على ثقة السكان في حملات التطعيم المستقبلية، وفق سريدهار.

وتقول: إضافة إلى ذلك، أدت تخفيضات المساعدات الخارجية إلى تقليل مستوى الجاهزية مقارنة بالسنوات السابقة. فقد اعتمدت الاستجابة لتفشي إيبولا في غرب أفريقيا عام 2014 على دعم واسع من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها والجيش الأمريكي. لكن منذ ذلك الحين تم تقليص فرق الاستجابة المتخصصة، كما خفض التمويل الموجه لشبكات المختبرات في الدول منخفضة الدخل، وتراجعت ميزانية برامج الطوارئ التابعة لمنظمة الصحة العالمية بشكل ملحوظ، إلى جانب انخفاض المساعدات البريطانية إلى أدنى مستوياتها منذ عقدين.
هل يصبح إيبولا جائحة عالمية؟
لا تتوقع رئيسة قسم الصحة العامة العالمية في كلية الطب بجامعة إدنبرة البريطانية تحول التفشي إلى جائحة عالمية، نظرا لطبيعة انتقال فيروس إيبولا، مضيفة: لكن الخطر الأكبر يتمثل في حجم الخسائر البشرية والضغط على الأنظمة الصحية الهشة في الكونغو والدول المجاورة.
وتضيف: خلال تفشي غرب أفريقيا السابق، توفي عدد كبير من العاملين الصحيين بسبب نقص معدات الوقاية، ما أدى لاحقا إلى ارتفاع معدلات وفيات الأمهات والأطفال وتعطل برامج التطعيم الأساسية.
وتختتم سريدهار مقاله بالقول: في الوقت الراهن، تحتاج حكومتا الكونغو الديمقراطية وأوغندا إلى دعم دولي عاجل وتعاون شامل لتوفير الموارد اللازمة لاحتواء التفشي. وكما يقال: إذا كان منزل جارك يحترق، فلا يمكنك الوقوف متفرجا، لأن النار قد تمتد إلى منزلك. وهذا هو الواقع في عالم مترابط، والدرس الذي ينبغي أن يستوعبه صناع القرار حول العالم.




