زلزال الفائدة وجغرافيا الحرب.. محضر الفيدرالي والتوترات الجيوسياسية يرسمان خارطة طريق جديدة للدولار.. الأسواق تبحث عن طوق نجاة.. والملاذات الآمنة في مهب الريح
تعافى الدولار الأمريكي بشكل ملحوظ خلال تعاملات اليوم الخميس، بسبب الزخم القوي من التحولات في توقعات أسعار الفائدة الأمريكية، فضلا عن حالة التذبذب الحادة التي تسيطر على شهية المخاطر في الأسواق العالمية، جيث تأتي هذه التحركات بالتزامن مع قيام المستثمرين بإعادة تقييم شاملة لاحتمالات التوصل إلى اتفاق تهدئة بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.
وفي انعكاس متأخر للمحضر الأخير لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والذي كشف عن تحول لافت وغير مسبوق في نبرة واضعي السياسة النقدية للمرة الأولى منذ نحو عامين، نجحت العملة الأمريكية في الاستقرار والتحليق مجددا بالقرب من أعلى مستوياتها في ستة أسابيع.
صعود جماعي للدولار
سجل مؤشر الدولار الأمريكي، الذي يقيس أداء العملة الخضراء مقابل سلة من ست عملات رئيسية، من بينها الين الياباني واليورو الأوروبي، ارتفاعا بنسبة 0.12% ليصل إلى مستوى 99.19 نقطة، وكان المؤشر قد لامس في وقت سابق من تعاملات الأمس مستوى 99.472 نقطة، وهو المستوى الأقوى والأعلى للعملة الأمريكية منذ السابع من أبريل الماضي.

وفي المقابل، أدت قوة الدولار إلى تراجع العملات المنافسة، حيث هبط اليورو مقابل الدولار بنسبة 0.1% ليتداول عند 1.1616 دولار، متجها من جديد صوب أدنى مستوياته المسجلة في السابع من أبريل.
كما تراجع الدولار الأسترالي بنسبة 0.1% ليبلغ 0.7147 دولار، وسط حالة من ترقب الأسواق لصدور أرقام وبيانات التوظيف المحلية في وقت لاحق اليوم، وفي السياق ذاته، شهد الجنيه الإسترليني انخفاضا طفيفًا أمام العملة الأمريكية، ليسجل 1.3430 دولار.
ويأتي هذا الصعود المتزامن للدولار في وقت حساس يعيد فيه المستثمرون موازنة حسابات المخاطر، ما بين آمال تراجع التوترات الجيوسياسية من جهة، ومخاوف بقاء أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعا من جهة أخرى.
ضغوط واشنطن واليابان
في سوق العملات الآسيوية، تراجع الدولار تراجعا طفيفا أمام العملة اليابانية ليصل إلى مستوى 158.905 ين في التعاملات المبكرة اليوم الخميس، هذا التراجع النسبي ساهم في ابتعاد العملتين عن حاجز الـ 160 ينا، وهو المستوى النفسي الحرج الذي يجمع المتعاملون والمحللون على أنه سيمثل المحفز والخط الأحمر لتدخل السلطات اليابانية بشكل مباشر في سوق الصرف لحماية عملتها المحلية.

من جانبه، دخل وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، على خط الأزمة معبرا عن ثقته الكاملة في أن محافظ بنك اليابان، كازو أويدا، سيتخذ التدابير والإجراءات اللازمة والصرامة إذا ما منحته الحكومة اليابانية الصلاحيات الكافية، وهي تصريحات اعتبرها المراقبون إشارة واضحة وضغطًا مبطنًا من واشنطن لدفع البنك المركزي الياباني نحو رفع أسعار الفائدة.
الملاذات الآمنة في مهب الرياح الجيوسياسية
تعيش الأسواق العالمية حالة من إعادة التوزيع الحاد لأصول الملاذ الآمن بين الدولار والذهب وسندات الخزانة، تحت وطأة تقلبات عنيفة تضرب أسواق الطاقة، فقد خيم التفاؤل السريع على الأسواق يوم أمس، مما أدى إلى هبوط أسعار النفط فور إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن المفاوضات بشأن ملف الشرق الأوسط دخلت مراحلها النهائية، وإن كان إعلان ترامب لم يخل من نبرة تهديد، إذ حذر من شن هجمات إضافية عنيفة إذا لم توافق إيران على إبرام الاتفاق.

ومع ذلك، فإن الأسواق قامت بتسعير متأخر لتهديدات ترامب والرد الإيراني المقابل، مما أعاد النفط إلى رحلة الصعود اليوم ومعه الدولار، وجاء في بيان رسمي صدر عن الحرس الثوري الإيراني تحذير شديد اللهجة قال فيه: «لو تكرر العدوان على إيران، فإن الحرب الإقليمية الموعودة ستمتد هذه المرة إلى مناطق أبعد من المنطقة»، وهو ما أجج المخاوف مجددا.
كواليس محضر الفيدرالي.. انقسام صناع السياسة النقدية
أظهر محضر اجتماع لجنة السياسة النقدية المفتوحة بمجلس الاحتياطي الفيدرالي لشهر أبريل، أن أغلبية الأعضاء شددوا على أن استمرار معدلات التضخم فوق مستهدف البنك البالغ 2% لفترة ممتدة، قد يستدعي تبني مزيد من التشدد في السياسة النقدية واللجوء لرفع الفائدة.
وكشف المحضر عن رغبة ثلاثة من صناع السياسة النقدية في حذف الصياغة المعتادة الواردة في بيان ما بعد الاجتماع، والتي كانت تلمح إلى ميل نحو التيسير النقدي أو خفض الفائدة في القرارات المقبلة. وأكد هؤلاء الأعضاء على أن السياسة النقدية ليست محددة مسبقًا، وأن القرارات ستظل مرتبطة بالبيانات الاقتصادية الواردة وبكل اجتماع على حدة.
وفي المقابل، طرح عدد من الأعضاء رؤية مغايرة تشير إلى أنه في حال التوصل إلى حل دبلوماسي سريع للنزاع الدائر في الشرق الأوسط، فقد يصبح من الضروري والممكن خفض أسعار الفائدة لاحقا خلال العام الجاري، شريطة أن تتراجع الآثار التضخمية الناتجة عن الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الطاقة.
وعلى الجانب الآخر، أبدى بعض المشاركين قلقهم البالغ من سيناريو مغاير، يتسبب فيه استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والرسوم الجمركية في زيادة الضغوط التضخمية، مما يهدد استقرار توقعات الأسعار طويلة المدى، وبشكل عام، اعتبرت الأسواق هذا المحضر بمثابة ضوء أخضر لبقاء الفائدة مرتفعة، وهو ما عزز من قوة الدولار وفرض ضغوطًا بيعية ثقيلة على الذهب.
كيف غيرت حرب الـ 28 الحسابات الاقتصادية؟
قبل اندلاع الحرب الأخيرة مع إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، كانت التوقعات السائدة في الأسواق تجمع على أن الفيدرالي يتجه لإقرار خفضين أو ثلاثة لأسعار الفائدة خلال العام الحالي، غير أن اندلاع المواجهة العسكرية قلب التوقعات رأسا على عقب، لتتحول الدفة نحو احتمالات إقرار زيادة جديدة في أسعار الفائدة بحلول ديسمبر المقبل.
وكان للمحرك الأساسي في هذا التحول دور رئيسي، حيث قفزت أسعار النفط الخام بنسبة تقارب 48% منذ اندلاع الحرب، مما تسبب في تصدير موجة تضخمية عالمية جديدة، أجبرت البنوك المركزية على تبني مواقف أكثر تشددا لمواجهة التضخم عبر رفع الفائدة، وهو ما يقلص بدوره من جاذبية المعادن النفيسة والذهب كأصول لا تدر عائدًا.
ووفقا لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي.إم.إي»، فإن المتعاملين في الأسواق استبعدوا تماما وبشكل شبه كلي إمكانية خفض أسعار الفائدة الأمريكية هذا العام، في حين ارتفعت بقوة مراهناتهم على سيناريو الرفع.
موجة صعود في عوائد السندات الأمريكية
شكلت موجة الصعود العنيفة في عوائد سندات الخزانة الأمريكية عامل دعم استراتيجي وإضافي للدولار، مدفوعة بتزايد الرهانات على استمرار الفائدة المرتفعة، حيث ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات ليصل إلى 4.671%، بعد أن سجل أعلى مستوياته منذ يناير 2025، وفي الوقت نفسه، حام عائد السندات لأجل 30 عاما قرب أعلى مستوياته منذ ما يقرب من عقدين، تحديدا منذ يونيو 2007 مستقرا عند 5.178%.
وعلى الرغم من أن أزمة الطاقة والمخاوف التضخمية وتلاشي آمال التيسير قد أصابت أسواق السندات بحالة شديدة من التوتر والارتباك، إلا أن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت يتبنى نظرة مغايرة، إذ يرى أن ارتفاع العوائد ومعدل التضخم الحارق هما أمران عابران ومؤقتان، وسرعان ما سيتلاشيان بمجرد وضع أوزار الحرب.
وأضاف بيسنت في تحليل لافت لأسلوب إدارة الأزمات: "أعتقد أنه إذا كنت مسؤولًا في البنك المركزي، فمن المفترض والطبيعي أن تصرح بأنك قلق بشأن هذه المؤشرات؛ فكلما تحدثت بلهجة أكثر حدة وتشددًا، قلّ ما يتعين عليك فعله وتطبيقه على أرض الواقع لمعالجة الأمر".
تتجه أنظار المستثمرين والصناديق الاستثمارية العالمية غدا الجمعة، صوب المقر الرئيسي للمركزي الأمريكي، حيث يتولى رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد، كيفن وورش، مهام منصبه رسميا، وتترقب الأسواق عن كثب أولى مؤشراته ورسائله حول كيفية استجابته وإدارته لضغوط الأسعار المتزايدة والتضخم المتصاعد.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أقر بوضوح هذا الأسبوع بوجود معطيات جديدة، مشيرا إلى أنه قد يضطر مجبرا للانتظار حتى تنتهي الحرب مع إيران بشكل كامل قبل أن يصبح خفض أسعار الفائدة خيارا ممكنا أو قابلًا للنقاش.
وفي غضون ذلك، ساهم النمو الاقتصادي الأمريكي المتسارع في تعزيز التوقعات برفع الفائدة، بينما حدت قوة سوق العمل ومتانته من أي فرص متبقية لخفضها؛ الأمر الذي دفع بمتداولي العقود الآجلة للأموال الفيدرالية إلى تسعير احتمال يقارب 50% لقيام البنك المركزي برفع أسعار الفائدة بحلول اجتماع ديسمبر المقبل.






