رئيس التحرير
عصام كامل

حكاية الأموال الساخنة بمصر.. بدأت عام 2016 بهدف سد فجوة التمويل الدولاري بعد التعويم.. اقتصاديون يحددون روشتة للتعافي.. وتحقيق توازن بميزان المدفوعات أبرز الحلول

وزير المالية، فيتو
وزير المالية، فيتو
18 حجم الخط

لطالما كان مصطلح "الأموال الساخنة" هو البطل في قصة الاقتصاد المصري خلال العقد الأخير، تارة يأتي كمنقذ للسيولة الدولارية، وتارة يرحل فجأة مخلفا وراءه أزمة عملة طاحنة، ومع حلول صيف 2026، لا تزال قضية الأموال الساخنة تتصدر اهتمامات الشارع الاقتصادي المصري، بين التدفقات القياسية والتخارج المفاجئ لها.

قبل الخوض في التفاصيل، لا بد من التعرف على ما هي الأموال الساخنة أو كما يطلق عليها Hot Money، فهي ليست استثمارات صناعية أو زراعية، بل هي استثمارات أجنبية غير مباشرة، تتدفق على شكل شراء أذون الخزانة والسندات الحكومية قصيرة الأجل، من 3 إلى 9 أشهر وأحيانا سنة، بهدف تحقيق أرباح سريعة من ارتفاع أسعار الفائدة، قبل أن تخرج بنفس السرعة التي دخلت بها.

وهي لا تساهم في التنمية الاقتصادية مقارنة بالاستثمار الأجنبي المباشر، وتتحرك بناء على عوامل جذب تتعلق بفارق أسعار الفائدة بين الدول واستقرار سعر الصرف.

 جذور دخول الأموال الساخنة للسوق المصري

تعود جذور الأموال الساخنة، إلى مرحلة ما بعد عام 2016، بالتحديد بعد حزمة الإصلاحات الاقتصادية التي شملت تحرير سعر الصرف، ورفع أسعار الفائدة، حيث كانت البداية الفعلية مع سعي الدولة لسد فجوة التمويل الدولاري بعد تعويم 2016، وكانت الدولة بحاجة ماسة للدولار، وكانت أذون الخزانة ذات العائد المرتفع أسهل وسيلة لجذب السيولة السريعة.

ولكن الأهم هو الموجة الثانية الكبرى التي بدأت في مارس 2024، حين قرر البنك المركزي تحرير سعر الصرف مجددا ورفع الفائدة في خطوة واحدة وصلت إلى 27.25% للإيداع و28.25% للإقراض، هذه الخطوة كانت بمثابة إغراء قوي للمضاربين الدوليين، حيث منحت المستثمرين وقتها عائدا يتجاوز 25% سنويا مقابل تحوط سعري بعملة تم تخفيض قيمتها، مما جعلها فرصة ذهبية لا ترفض.

تتميز الفترة الحالية، بكونها الأعنف من حيث حجم الأرقام، فوفقا لبيانات البنك المركزي، فإن إجمالي الأموال الساخنة في أذون الخزانة سجل رقما قياسيا بلغ 53.9 مليار دولار بنهاية يناير 2026.

تقلبات عنيفة

لكن عام 2026 شهد تقلبات عنيفة، خاصة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية المتمثلة في حرب إيران، مما دفع المستثمرين للهروب الجماعي، حيث تشير التقديرات إلى خروج ما بين 5 إلى 10 مليارات دولار من السوق المصرية خلال شهري مارس وأبريل 2026 وحدها، مما دفع الدولار لتجاوز حاجز 55 جنيها.

وكشف عدد من خبراء الاقتصاد وأسواق المال، عن قصة الأموال الساخنة في السوق المصري، ومدى تأثيرها على الاقتصاد الوطني، بالإضافة إلى الرد على تساؤل حول متى تنتهى الحكومة من الاعتماد عليها؟، لما لها من أضرار سلبية في حالة هروب للخارج وقت الأزمات.

وقال الدكتور محمد عبد الهادي الخبير الاقتصادي، إن ملف الأموال الساخنة هو الأخطر على الاقتصاد المصري، مشيرا إلى أنه في حالة دخولها للسوق تسبب ارتفاعا مؤقتا في سعر صرف الجنيه، وعند خروجها، تحدث موجات صدمة تضرب قيمة العملة المحلية.

التخوف الأساسي من تخارج الأموال الساخنة

وأضاف عبد الهادي، أن الاقتصاد يمكن أن يتحسن في يوم وليلة إذا توفرت الإرادة السياسية للتهدئة، لكن إطالة أمد الصراعات هي العدو الأول الذي يستنزف فاتورة الاستيراد ويهدد الاستقرار.

وتابع: الخفض المتتالي لأسعار الفائدة كان خطيرا جدا، وكنت أميل بشدة لسيناريو التثبيت، حيث كان التخوف الأساسي من تخارج الأموال الساخنة، وهذا ما حدث بالفعل، حين تتغير المعادلة الربحية بين الفائدة المصرية والفائدة العالمية خاصة مع تثبيت الفيدرالي الأمريكي، نجد أنفسنا فجأة أمام أزمة سيولة حادة.

وأكد، أنه لن تنتهي قصة الأموال الساخنة بين ليلة وضحاها، مشيرا إلى أنها ستنتهي تدريجيا عندما تنجح الدولة في تحقيق توازن حقيقي في ميزان المدفوعات، أي عندما تصبح الموارد الدولارية الدائمة من التصدير والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج، قادرة بمفردها على تغطية احتياجات البلاد من الاستيراد.

وأشار، إلى أن هذا يحتاج إلى إصلاح هيكلي عميق وليس مجرد حلول نقدية سريعة، مضيفا أنه حتى ذلك الحين، سنظل مضطرين للتعامل معها ولكن بوعي أكبر، مؤكدا أن انتهاء القصة مرهون بتحسين بيئة الاستثمار وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يبني ويستمر لسنوات.

وتابع: للأسف، التحركات الأخيرة للحكومة تدل على أننا لا زلنا نميل للاعتماد على الحلول السريعة، وأتوقع أن نستمر في حالة الطوارئ المالية هذه حتى نهاية العقد الحالي على الأقل، مع موجات مد وجزر حادة تعتمد على اشتعال الأحداث السياسية العالمية.

تحرير سعر الصرف

ومن جانبه قال محمد كمال، خبير أسواق المال والاستثمار، أن قصة الأموال الساخنة في مصر ليست وليدة اليوم، لكنها أصبحت نهجا واضحا منذ قرار تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016.

وأضاف كمال، أن الأموال الساخنة ببساطة هي استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية، وهي تبحث عن أعلى عائد وأقل مخاطرة، مشيرا إلى أن مصر قدمت منذ 2016 أحد أعلى معدلات الفائدة في العالم، مما جعلها مغناطيسا لهذه الاستثمارات الدولية.

وأوضح، أن ذروة الاعتماد عليها كانت في عامي 2020 و2021، حيث تجاوزت هذه الاستثمارات حاجز الـ 30 مليار دولار، مما خلق شعورا زائفا بالوفرة الدولارية قبل أن تصطدم بالواقع مع اندلاع الأزمات العالمية.

وعن أثر الأموال الساخنة على هيكل الاقتصاد المصري، قال محمد كمال، إن هناك تأثيرات إيجابية وسلبية، مشيرا إلى أن التأثيرات الإيجابية تتمثل في توفير سيولة فورية، تعمل على تسد الفجوة التمويلية العاجلة وتدعم احتياطي النقد الأجنبي، بالإضافة إلى دورها في الاستقرار المؤقت للعملة، حيث تساعد في امتصاص الصدمات الأولى للطلب على الدولار.

تأثيرات سلبية من تخارج الأموال الساخنة

وتابع: أما التأثيرات السلبية تتمثل في الضغط على الجنيه، عند حدوث أي توتر سياسي أو اقتصادي عالمي، يخرج المستثمرون بسرعة البرق، مما يؤدي لهبوط مفاجئ في قيمة العملة المحلية كما حدث في مطلع 2022، وهذا بالإضافة إلى الكلفة الكبير للفائدة، حيث تضطر الحكومة لرفع الفائدة لجذب هذه الأموال، مما يزيد من عجز الموازنة العامة بسبب ارتفاع تكلفة خدمة الدين.

وعن موعد انتهاء الاعتماد على الأموال الساخنة، أكد على أن الأموال الساخنة لا تنتهي كأداة مالية عالمية، فهي جزء من حركة رؤوس الأموال حول العالم، لكن الاعتماد عليها كمصدر أساسي للعملة الصعبة هو ما يجب أن ينتهي.

وطالب بضرورة استبدالها بالاستثمار الأجنبي المباشر، مثل ما حدث في صفقة رأس الحكمة عام 2024، وهي أموال تدخل لتبقى في شكل مصانع، فنادق، أو شركات، بالإضافة إلى تعزيز قطاعات الإنتاج، وزيادة الصادرات المصرية لتوفير دولار مستدام لا يهرب بضغطة زر.

كما طالب بضرورة خفض الفائدة تدريجيا، موضحا أنه عندما يتعافى الاقتصاد ويهبط التضخم، ستنخفض جاذبية الأموال الساخنة تلقائيا، ويصبح الاعتماد على الإنتاج الحقيقي.

ضرورية للأصلاحات الاقتصادية

وأشار، إلى أن الأموال الساخنة هي مثل المسكنات، قد تكون ضرورية في وقت الإصلاحات الاقتصادية، لكن الاعتماد المفرط عليها يؤدي إلى إنهاك ميزانية الدولة ويجعل العملة عرضة للتقلبات العالمية.

وقال، إن كان عام 2024 قد شهد عودة لشهية المستثمرين نحو الديون المصرية بعد الإصلاحات الأخيرة، فإن الرهان الحقيقي في عام 2026 وما بعده يجب أن يكون على الأموال الباردة، التي تبني المصانع وتزرع الأراضي، لا تلك التي تأتي للربح من الفائدة ثم ترحل في جنح الظلام.

وتظل قصة الأموال الساخنة في مصر نموذجا واضحا لمأزق الأسواق الناشئة التي تحتاج إلى السيولة الدولية، في الوقت الذي تنجح فيه الأموال الساخنة، في سد جزء من عجز السيولة وتخفيف الضغط على الجنيه بشكل مؤقت، فإنها في المقابل تخضع الاقتصاد لتقلبات كبيرة وتستنزف موارد الدولة بفوائد مضاعفة.

الجريدة الرسمية