الصين تتحول إلى مسرح لتحركات القوى الكبرى.. رهانات على تهدئة التوترات التجارية والعسكرية بين واشنطن وبكين وموسكو.. وترامب يسعى لاحتواء الخلافات الاقتصادية والاستراتيجية
ترامب في الصين، يبدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زيارة إلى الصين اليوم الأربعاء في إشارة إلى مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التوازنات الدولية بين القوى الكبرى، حيث تأتي قبل زيارة مرتقبة يقوم بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين.
ففي ظل تصاعد التنافس الأمريكي الصيني، واستمرار التقارب الاستراتيجي بين موسكو وبكين، تبدو التحركات الدبلوماسية الأخيرة وكأنها محاولة لفتح قنوات حوار غير مباشر بين الأطراف الثلاثة، بهدف احتواء التوترات السياسية والاقتصادية والعسكرية المتزايدة.
وتكتسب هذه الزيارات أهمية خاصة في وقت تتشابك فيه ملفات الحرب التجارية، والتسلح النووي، ومستقبل تايوان، والتحولات الجيوسياسية التي يشهدها النظام الدولي.
من جهته، أكد أستاذ جامعة شنغهاي للدراسات الدولية يانج تشنج أن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين تتيح فرصة سانحة للحوار الروسي الصيني الأمريكي، حيث يزور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بكين قبل زيارة بوتين.
وقال تشنج في تصريحات لوكالة "تاس" الروسية: على الرغم من أن هذه الزيارة لا تعد حوارا مباشرا بين هذه الدول الثلاث، إلا أن بعض الحوار غير المباشر سيجري.

وأضاف على هامش مؤتمر نادي فالداي لآسيا الوسطى أن "زيارة الرئيس الأمريكي للصين ستأتي قبل زيارة بوتين، مما يتيح فرصة تاريخية"، مضيقا أن الصين "تقدر عاليا" استضافة بوتين.
وسيزور ترامب الصين بداية من اليوم وحتى بعد غد الجمعة برفقة وفد كبير من الشركات؛ ويعتزم مناقشة قضايا من بينها الصراع الإيراني والتجارة الثنائية. ومن المتوقع أن يزور الرئيس الروسي بكين بعد ذلك بوقت قصير.
هل تتغير أجندة ترامب تجاه الصين؟
منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025، لم تحظَ العلاقات الأمريكية الصينية بأولوية كبيرة لدى ترامب، إذ انصب تركيزه على الحرب الدائرة مع إيران، والعمليات العسكرية في نصف الكرة الغربي، والشئون الداخلية.
وهو الأمر الذي من المتوقع أن يتغير خلال الزيارة الحالية، والتي تشهد مناقشة ملفات عدة أهمها مستقبل التجارة العالمية، وتصاعد التوترات في تايوان، فضلا عن تطور القدرات النووية الصينية.
ماذا عن ملف التسلح؟
تأتي الزيارة بعد أشهر قليلة من تقرير أصدرته وزارة الحرب الأمريكية حول تطوير القوات المسلحة الصينية، والذي أشار إلى أنه "بحلول 2030 قد تصل الترسانة النووية الصينية إلى ألف رأس حربي".
وجاء في التقرير: "تقدر وزارة الدفاع الأمريكية أن الصين كانت تمتلك أكثر من 600 رأس نووي عامل في منتصف عام 2024. وتشير التقديرات إلى أنه من المرجح أن يتجاوز العدد 1000 رأس بحلول عام 2030، وستستمر هذه الترسانة في النمو حتى عام 2035 على الأقل"، وفق موقع "روسيا اليوم".

وأضاف أن "الصين تعمل بنشاط على توسيع قواتها النووية وسط منافسة استراتيجية مكثفة مع الولايات المتحدة ودول أخرى، ما دفع واشنطن للتعبير أكثر من مرة مرارا عن قلقها إزاء التحديث المتسارع لترسانة الصين النووية".
وبحسب البنتاجون، فإن الصاروخ الباليستي العابر للقارات من طراز "دي إف- 27"، المدرج في الترسانة الصينية، يعد الأطول من نوعه من حيث المدى، إذ يتراوح مداه بين 5 آلاف و8 آلاف كيلومتر، ما يمكنه من استهداف ألاسكا وهاواي، وحتى البر الرئيسي للولايات المتحدة.
ما علاقة التسلح الصيني بملف تايوان؟
بحسب تقرير البنتاجون، فقد نشر جيش التحرير الشعبي نشر صواريخ باليستية عابرة للقارات في صوامع إطلاق تقع في ثلاث مناطق صحراوية شمالي الصين قرب الحدود مع منغوليا، وقدر عدد هذه الصوامع بنحو 320 صومعة؛ إذ يعتقد أن أكثر من 100 منها تحتوي على صواريخ عابرة للقارات من طراز "دي إف-31" العاملة بالوقود الصلب.
وأكد البنتاجون أن هذه التطورات تدعم رؤية الرئيس الصيني شي جين بينج، بشأن تحديث "جيش بمستوى عالمي بحلول عام 2049"، مع تحديد أهداف مرحلية حتى عام 2027 فيما يتعلق بالسيناريوهات الطارئة المرتبطة بتايوان، والوصول إلى تحديث شامل بحلول عام 2035.
وفي هذا السياق، كشف التقرير أن "بكين تتوقع امتلاك القدرة على القتال والفوز في حالة نشوب حرب مع تايوان بحلول نهاية عام 2027".
وأشار إلى أن الصين تعمل على تطوير خيارات عسكرية للاستيلاء على تايوان بالقوة، قد تشمل توجيه ضربات على مسافات تتراوح بين 1500 و2000 ميل بحري من أراضيها، مع التنويه إلى أن مثل هذه الضربات، إذا نُفّذت بكميات كافية، قد تشكل تهديدا حقيقيًا وتعرقل الوجود الأميركي في أي نزاع محتمل في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
كيف تهدئ الزيارة أجواء الحرب التجارية؟
من الناحية الاقتصادية، قد تمهد هذه الزيارة الطريق لعلاقات اقتصادية أقوى في السنوات القادمة، خاصة وأنها الزيارة الأولى لرئيس أمريكي إلى بكين منذ نحو عقد من الزمان.
فخلال معظم عام 2025، بدا أن الولايات المتحدة والصين على وشك الدخول في حرب تجارية جديدة، حرب قد تزعزع أركان الاقتصاد العالمي؛ حيث رفع ترامب وخفض الرسوم الجمركية على أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة بشكل متكرر، حتى وصلت في بعض الأحيان إلى أكثر من 100%.
وردت الصين بتقليص صادراتها من المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة، وخفض مشترياتها من المنتجات الزراعية الأمريكية، مما أضر بالمزارعين في ولايات رئيسية صوتت لصالح ترامب.
ماذا عن المستقبل؟
هدأت حدة التوتر بشكل ملحوظ منذ لقاء ترامب وشي وجها لوجه في كوريا الجنوبية في أكتوبر 2025. كما ساهم قرار المحكمة العليا في فبراير 2026، الذي حد من سلطة الرئيس في فرض الرسوم الجمركية بشكل أحادي، في كبح جماح نزعات ترامب التجارية المتقلبة.
ومع ذلك، سيظل لدى ترامب ونظيره الصيني الكثير لمناقشته خلال قمتهما في بكين؛ حيث يسعى الرئيس الأمريكي إلى زيادة مشتريات الصين من المنتجات الزراعية الأمريكية.
ومن المؤكد أن الصين ستضغط على الولايات المتحدة لإسقاط تحقيق تجاري أُعلن عنه مؤخرا بشأن ممارسات تجارية غير عادلة، والتي قد تمنح ترامب القدرة على إعادة فرض رسوم جمركية أعلى على البضائع الصينية.
يقول المحلل السياسي الأمريكي في معهد بروكينجز رايان هاس: "طالما سارت الزيارة بسلاسة وخلص ترامب إلى أنه عومل باحترام، فإن الهدوء الحذر في العلاقات الثنائية سيستمر. أما إذا غادر ترامب وهو يشعر بعدم الاحترام أو الاستخفاف به، فقد يغير رأيه".




