رئيس التحرير
عصام كامل

رئيس الفنون التشكيلية لـ"فيتو": لن أخضع لابتزاز التواصل الاجتماعي، وهذا موعد افتتاح متحف الجزيرة

الدكتور محمود حامد،
الدكتور محمود حامد، فيتو
18 حجم الخط

الدكتور محمود حامد أحد أبرز القامات في حركة الفن التشكيلي المعاصر؛ فهو الأكاديمي الذي تدرج في المناصب العلمية حتى نال الأستاذية وعمادة كلية التربية الفنية بجامعة حلوان، وهو الفنان الذي طافت أعماله كبرى المعارض المحلية والدولية، من "خريطة الأسرار" إلى "طيات السكون".

واليوم، يفتح الدكتور محمود حامد ملفات شائكة داخل قطاع الفنون التشكيلية؛ من أزمات المعرض العام، إلى حلم إعادة إحياء بينالي الإسكندرية، ورؤيته الطموحة لاكتشاف المواهب في جميع أنحاء الجمهورية.

* في البداية.. بصفتكم فنانًا في المقام الأول قبل أن تكون رئيسًا للقطاع، ما هي المشكلات التي وضعتها على قائمة أولوياتك فور تسلمك المسؤولية؟

- الأولوية القصوى هي فك التشابك بين طموح الفنانين والواقع اللوجستي، معظم الأزمات التي تثار على وسائل التواصل الاجتماعي تتعلق بالمشاركة في المعارض العامة والخاصة، فقاعات العرض لدينا محدودة ولا تستوعب كافة الطاقات الإبداعية في عام واحد، مما يتطلب نوعًا من التنسيق والتبادل السنوي.

لدينا أيضًا إشكالية "هيبة المعرض العام"؛ فالمعرض القومي يجب أن يعكس وجه مصر التشكيلي، وهنا يأتي دور لجان الاختيار التي تضع معايير الجودة، وهو أمر قد لا يرضي الجميع، لكنه ضروري للحفاظ على المستوى الفني، ونسعى حاليًا لتوسيع دائرة العرض عبر استثمار قاعات إضافية، مثل القاعات الموجودة في حرم دار الأوبرا، لاستيعاب عدد أكبر من الفنانين المتميزين.

* تثار دائمًا حالة من الجدل مع كل دورة للمعرض العام أو صالون الشباب حول لجان اختيار الأعمال، كيف نتغلب على هذه الأزمة؟

- اللجان تتشكل من فنانين مشهود لهم بالكفاءة، لكن القاضي قد لا يعجب المحكوم عليه إذا جاء الحكم ضده، دوري كقطاع هو ضمان ظهور العمل الفني بأفضل صورة ممكنة، ولن نسمح بعرض أعمال تقلل من مستوى الحركة التشكيلية المصرية لمجرد جدل على وسائل التواصل الاجتماعي من البعض.

* يتجه العالم حاليًا إلى “الديجيتال آرت”، هل قاعات الدولة مجهزة لاستقبال الفنون الرقمية؟

-  لكي نكون منصفين، القاعات الحالية ليست مجهزة تقنيًا بشكل كامل لهذا النوع من الفنون الذي يتطلب مواصفات خاصة، فنون الميديا والديجيتال تحتاج لتجهيزات تقنية معقدة، نحن نجري تجهيزات مؤقتة لكل عمل بين الفترة والأخرى، لكنني أطمح لتنظيم معارض نوعية متخصصة لفنون الميديا، بدلًا من تخصيص قاعات دائمة لها قد تحرم فنونًا أخرى من العرض طوال الموسم.

* توقف بينالي الإسكندرية والقاهرة لسنوات أثار حزنًا في الوسط التشكيلي.. أين نحن الآن من إعادة هذه الفعاليات الدولية؟

- التوقف كان بسبب تحديات تمويلية ضخمة، فشحن الأعمال الدولية وتأمينها واستضافة الفنانين يتطلب ميزانيات خيالية، نحن الآن في مرحلة العبور نحو الحل، خطتي تعتمد بشكل أساسي على المجتمع المدني، فلا يمكن للدولة أن تتحمل العبء وحدها، نحن بصدد صياغة نموذج شراكة مقنن، يساهم فيه القطاع الخاص والمؤسسات المدنية في التمويل تحت إشراف كامل من الوزارة والقطاع، هدفنا هو استعادة قوتنا الناعمة التي أسست ثقافة الشرق الأوسط، ولن نترك الساحة لمن يحاول تقليل قيمة الفن المصري.

* هل تم حل أزمات التمويل التي عرقلت هذه الفعاليات سابقًا؟

- نحن في طور الاجتماعات النهائية مع اللجان المعنية للوصول إلى صيغة ترضي جميع الأطراف.. فبينالي الإسكندرية، التكاليف اللوجستية من شحن وتأمين وتجهيز ضخمة جدًا، ومن هنا تأتي ضرورة الشراكة مع المجتمع المدني، تمامًا كما يحدث في دعم الرياضة والنابغين علميًا.

* لماذا تنحصر الحركة التشكيلية في العاصمة، وكيف تخططون للوصول إلى الصعيد والمحافظات؟

- توجد بالفعل عدد من الفعاليات في الصعيد مثل “صالون الجنوب”، كما أن فنانيه يحصدون جوائز صالون الشباب والمعرض العام باستمرار، ويأتون هنا للعرض، وذلك لأن هذه المناطق تمتلك طبيعة فنية خاصة، ولكن نعم، من الصحيح أن بعض الأماكن بعيدة تمامًا عن الحركة التشكيلية، ورؤيتي الحالية تعتمد على اكتشاف المواهب في كل ربوع مصر، وليس الصعيد فقط، بل الدلتا والمناطق النائية مثل حلايب وشلاتين وغيرها.

لقد بدأت بالفعل في التنسيق مع الهيئة العامة لقصور الثقافة لتعيين "كشافين للمواهب" في تلك المناطق، لربط المبدعين البعيدين بالفعاليات المركزية، وتوفير حاضنة فنية لهم تخرج لنا عمالقة جددًا في الرسم والنحت والتصوير، المشروع لا يزال في طوره الأول، ولكن من وجهة نظرنا هو مهم للغاية للصعود بحركة مصر التشكيلية والوصول للفنانين بكل مكان.

* وماذا عن "السمبوزيومات" ودورها في تجميل المدن؟

- السمبوزيوم هو الحل الذكي لتجميل المدن بتكلفة قليلة جدًا مقارنةً بشراء الأعمال، وكذلك بجدوى فنية أعلى، تجربة أسوان والعاصمة الإدارية الجديدة محترمة جدًا وشهدت نجاحًا كبيرًا، ونطمح أن تتشارك المحافظات مع وزارة الثقافة وصندوق التنمية الثقافية وقطاع الفنون التشكيلية لتكون هي المرجع الفني لها، بدلًا من اللجوء لأعمال تسيء للمنظر العام في الميادين، الفن في الشارع يحسن الذوق العام ويطور المنظر العام للبلد.

* متحف الجزيرة للفنون مغلق منذ نحو 30 عامًا.. هل هناك موعد نهائي للافتتاح؟

 - وفقًا للجدول الزمني الموضوع مع الشركات المنفذة، من المقرر تسليم المتحف في النصف الثاني من عام 2027، نحن نتابع العمل بدقة، وقد بدأ التواصل بالفعل مع شركات متخصصة لوضع سيناريوهات العرض المتحفي، مما يعني أننا دخلنا في المراحل الجادة والنهائية.

* وماذا عن متحف "بيت الأمة"؟

- قمت بزيارته مؤخرًا، وقررنا تعديل سيناريو العمل للانتهاء من صيانة المتحف وإنهاء سيناريو العرض أولًا بشكل كامل، ثم الانتقال للجزء الإداري الملحق، وذلك لضمان عدم تأثر المقتنيات التاريخية وللإسراع في فتحه للجمهور.

* تتجه الدولة نحو استثمار موارد المؤسسات.. ما هي خطة قطاع الفنون التشكيلية لاستثمار موارده؟

- يجب أن نوضح أولًا أن الثقافة ليست سلعة تهدف للربح، ولا يتوقع منا تحصيل مبالغ كبيرة سواء من القطاع أو الوزارة، لكننا نملك موارد ضخمة، فلدينا على سبيل المثال إدارة الترميم، والتي تعد منجم ذهب وقوة ضاربة، فهي تعمل حاليًا على ترميم مقتنيات الهيئات والأفراد بعائد مادي مناسب، ونسعى للتوسع الرقمي عبر منصات تتيح تسويق الأعمال والخدمات الفنية عالميًا، خاصة مع وجود طلب كبير من دول عربية لترميم لوحات ومقتنيات عالمية لديهم، العائق الوحيد هو ندرة العمالة المتخصصة من المرممين، ونعمل حاليًا على إيجاد حلول لزيادة عدد المرممين الدارسين والمؤهلين لضمان استدامة هذه الإدارة.

* كيف يواجه القطاع ظاهرة "استنساخ" الأعمال الفنية وبيعها، وما دوركم في حماية الملكية الفكرية؟

- للأسف، نحن نفتقد لصيغة قانونية رادعة حتى الآن للتعدي على حقوق الملكية الفكرية، والسوشيال ميديا ساهمت في انتشار من ينسخون الأعمال ويبيعونها بأسعار رخيصة، ولكن لحسن الحظ هذا التطور الذي ساعد على انتشار التقليد هو نفسه ما يساعد في الكشف عن الأعمال المقلدة، كما يجب على المقتني أن يعلم أن الأعمال الأصلية تعد كنزًا وليست فقط مجرد "ديكور"، ونحن في القطاع نتجه نحو "التحول الرقمي" عبر منح الفنانين شهادات توثيق رقمية لأصالة أعمالهم، مما يسهل عملية الإثبات مستقبلًا.

* ما هي نصيحتكم للشباب الذين يقعون في فخ التقليد؟

- هناك خيط رفيع بين "التأثر" و"النقل"، الفنان الشاب يجب أن يبدأ من حيث انتهى الآخرون، لا أن ينسخ أعمالهم، في امتحانات القدرات، نجد طلابًا يبهروننا بنقل الصور، لكنهم يعجزون عن رسم موضوع من خيالهم، هؤلاء "ناقلون" وليسوا "فنانين"، نحن نريد مبدعين يمتلكون الرؤية والخيال، التكنولوجيا الآن تكتشف السطو الفني في ثوانٍ عبر تطبيقات بسيطة، لذا نصيحتي للشباب: "ارسم من خيالك.. فالنقل لا يصنع فنانًا".

* أخيرًا.. كيف نكسر "عزلة" الفن التشكيلي ليصبح متاحًا للرجل البسيط والأطفال؟

- الفن التشكيلي غير مطالب بالنزول إلى الشارع، وإنما نهدف إلى تنمية "التذوق الجمالي" الذي يجعل الطفل يرغب في الذهاب إلى هذا النوع من الفنون، فتجربة عرض اللوحات والمنحوتات في محطات المترو كانت البداية، لكنني أريد جذب الجمهور إلى قاعات العرض نفسها، الآن نعد لإعادة إحياء "المتحف الجوال" الذي ينتقل للميادين والقرى لكسر رهبة المواطن من دخول القاعات، مع التأكيد على أن الفن متاح للجميع مجانًا، فالفن هو الرئة التي يتنفس منها المجتمع.

الجريدة الرسمية