"الدستورية" تنتصر لحرية الرأي والتعبير: القانون يتيح للإعلام حق مراقبة الأداء العام وكشف الفساد
في حكم جديد يعكس التوازن بين الحريات العامة وحماية الاعتبار الشخصي، أرست المحكمة الدستورية العليا مبدأً مهمًا بشأن حدود حرية الرأي والتعبير، وذلك برفضها الطعن بعدم دستورية المواد المنظمة لجرائم سب وقذف الموظف العام الواردة بقانون العقوبات.
وجاء الحكم الصادر برئاسة المستشار بولس فهمي إسكندر ليؤكد أن الدستور المصري لا يحمي فقط حرية التعبير، وإنما يحمي كذلك حق المجتمع في النقد المسؤول والرقابة الشعبية على أداء القائمين بالعمل العام، مع وضع ضوابط تمنع الانحراف بهذه الحرية إلى الإساءة أو التشهير.
فلسفة الحكم.. حماية النقد لا حماية التجريح
أكدت المحكمة في حيثياتها أن المشرع المصري لم يقصد من تجريم سب وقذف الموظف العام تقييد حرية الرأي أو إسكات الأصوات الناقدة، وإنما استهدف حماية الوظيفة العامة من حملات التشهير والإساءة غير المستندة إلى وقائع أو أدلة.
وفي المقابل، شددت المحكمة على أن القانون أتاح مساحة واسعة للنقد المباح، بما يسمح للمواطنين ووسائل الإعلام بمراقبة الأداء العام وكشف أوجه الفساد أو الانحراف، متى توافرت الشروط القانونية المقررة لذلك.
ويعكس هذا التوجه إيمان المحكمة بأن حرية التعبير ليست امتيازًا فرديًا فحسب، بل أداة مجتمعية لحماية النزاهة والشفافية وتعزيز الرقابة على السلطة.
التوازن بين الحرية والمسؤولية
الحكم الدستوري أوضح أن حرية التعبير لا يمكن أن تُمارس بمعزل عن المسؤولية القانونية والأخلاقية، وأن الدستور لا يبيح تحويل النقد إلى وسيلة للمساس بكرامة الأشخاص أو النيل من سمعتهم دون سند مشروع.
ولهذا، وضعت المادة (302/2) من قانون العقوبات شروطًا محددة لإباحة الطعن في أعمال الموظف العام، بحيث يكون النقد متعلقًا بالعمل العام، قائمًا على وقائع صحيحة، ومقترنًا بحسن النية وتحقيق المصلحة العامة، وليس مدفوعًا بالرغبة في التشهير أو الانتقام الشخصي.
انتصار لحرية الرأي والتعبير وفق القانون
وقال محمد كمال المحامي بالنقض والدستورية العليا، إن الحكم يمثل انتصارًا لمفهوم الدولة القانونية التي تقوم على التوازن بين الحقوق والحريات، فلا تُترك حرية التعبير بلا ضوابط تهدد حقوق الآخرين، ولا تُستخدم النصوص العقابية كوسيلة لتكميم الأفواه أو منع النقد المشروع.
كما يعزز الحكم مناخ المسؤولية الإعلامية والمجتمعية، ويؤكد أن النقد الموضوعي والمستند إلى الوقائع يظل مكفولًا دستوريًا، بل يعد أحد أهم أدوات حماية المجتمع من الفساد والانحراف الإداري.
وتابع بأن الحكم يحمل رسالة واضحة مفادها أن حرية الرأي والتعبير حق دستوري أصيل، لكن ممارسته يجب أن تتم في إطار احترام القانون والحقوق والحريات الأخرى، وأن النقد المباح يظل محميًا طالما التزم بضوابطه القانونية ولم يتحول إلى اعتداء على الكرامة الإنسانية أو السمعة الشخصية.
وأوضح أن المحكمة الدستورية العليا قد أعادت التأكيد على معادلة دقيقة طالما شكلت جوهر الأنظمة الديمقراطية الحديثة: “حرية مسؤولة تحمي المجتمع، وقانون عادل يحمي الجميع”.



