طه حسين من العالم الآخر: “في الشعر الجاهلي” كان تريند مصر عام 1926.. لم أنتحل فكرة الكتاب من “مرجليوث”.. وأنا أولى بـ"ديكارت" من "الرافعي"
فتحتُ الباب أمام تحول تاريخي في بنية التعليم المصري برعاية مصطفى النحاس
عندما تفتقد الحكومة إلى الإدراك السياسي..يدفع الشعب وحده الثمن
حججتُ بيت الله الحرام وزرتُ المسجد النبوي وأوصيتُ بهذا الدعاء على قبري ولست مسؤولًا عن أوزار غيري
ما أغزرَ الكتبَ التي يطويها النسيانُ منذ اليوم لطباعتها. في المقابل هناك كتبٌ عابرة للزمان والمكان. من بين هذه الكتب: "في الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين. مائة عام بالتمام والكمال مرَّت على طرح هذا الكتاب الذي يبقى واحدًا من أهم الأسفار التي أثارت جدلًا وصخبًا كبيرين في المشهد الثقافي المصري؛ عندما كان هناك كتبٌ وكُتَّابٌ، وأفكار ومفكرون، وجامعات وأكاديميون.
أثار الكتاب عند طرحه قبل قرن من الزمان سجالًا مبتكرًا حول قضايا إسلامية. على خط الأزمة..دخل البرلمان والأزهر وشيوخ وأدباء ومثقفون. وعلى خلفيته.. استُدعي مؤلفه البالغ من العمر يومئذ 36 عامًا للتحقيق معه أمام النيابة المصرية بقائمة اتهامات متعددة، بعدما صادر البرلمان الكتاب.
فكَّرتُ جليًا في طريقة مغايرة للاحتفال بمئوية هذا الكتاب المثير للجدل الذي جاء بعد عام واحد من كتاب الشيخ عبد الرازق: "الإسلام وأصول الحكم" الذي أثار الحالة نفسها؛ فهداني تفكيري إلى الذهاب إلى الدكتور طه حسين في عالمه الآخر؛ ليس للحديث عن الكتاب فحسب، ولكن عن أمور وقضايا أخرى ذات صلة وثيقة به؛ فالرجل لم يكن مجرد رقم صعب في المعادلة الثقافية في زمانه، بل ربما كان يجسد معظم المعادلة! كانت المهمة شاقة جدًا لسببين، أولهما: أنه العميد والوزير والمفكر البارز طه حسين، وثانيها: أنه كان قد تراجع عن فكرة الكتاب مرتين، الأولى: عندما أعاد طبعه مستبعدًا الأجزاء التي أثارت غضبًا، والثانية: أن الرجل انقلب بنفسه في خواتيم حياته عن أفكاره التي تبناها فور انبهاره بالغرب، وحج بيت الله الحرام، واستغفر ربه كثيرًا، ومن ثمَّ توقعت أنه لن يكون مندفعًا في الدفاع عن الكتاب، ولكن في قضايا أخرى احتفظت بها إلى نهاية الحوار. الآن..أدركت هدفي، ووصلت إلى مبتغاي؛ حيث يجلس العميد وحيدًا هادئًا في ركن ركين؛ كأنه يفكر أو يستعد لإعداد كتاب جديد من عالمه الآخر..

-السلام عليكم يا دكتور..لعلك بخير..هل وجدتَ ما وعدك ربُك حقًا؟
-أهلًا..وعليكم السلام..الحمد لله..نعم..وجدتُ ما وعدني ربي حقًا.
-شكرًا جزيلًا لموافقتكم النبيلة على إجراء هذا الحوار بمناسبة مئوية كتاب: "في الشعر الجاهلي".
-العفو..ولكن لا تنسَ ما اتفقنا عليه من ضوابط الحوار، وعدم الانحراف يمينًا أو يسارًا.
-لا تقلق سيدي، ولكني جئتُ إليك في المقام الأول؛ للاحتفال بمئوية كتابكم: "في الشعر الجاهلي"، ومن الطبيعي أن يكون معظم الحديث عنه، ولكن لا أريد تفويت هذه الفرصة للاستزادة..وعلى أية حال..لن أخلف لك وعدًا.
-اتفقنا..وسوف نرى.
-ماذا يمثل لكم كِتاب: "في الشعر الجاهلي"..وهل لو استقبلتم من عمركم ما استدبرتم تكتبون الكِتاب ذاتَه؟
-أظن أنك تعلم الإجابة، ولكنني سوف أجاريك، وأعتبره سؤالًا استهلاليًا أو استفتاحيًا ماكرًا، له ما بعده. لا أخفيك سرًا أنني عندما ألفتُ هذا الكتاب كان عمري ستة وثلاثين عامًا تقريبًا، وكنتُ عائدًا من باريس ومنبهرًا بالغرب وأفكاره، وكنتُ مُعجبًا بنفسي أيضًا، وأسعى لاكتساب مكانة رفيعة داخل الجامعة، ولا أنكر أن الكِتاب حقق لي شهرة طاغية في بداية حياتي، وجعل اسمي على كل لسان، أو كما تسمونه الآن: "ترند"..(ضاحكًا).
-ولكنكم كنتم تعلمون ما سوف يثيره الكتاب من جدل كما جاء في المقدمة.
-لا أنكر ذلك؛ وأذكر أني كتبتُ في مقدمة الكتاب: "هذا نَحوٌ من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد، لم يألفه الناس عندنا من قبل. وأكاد أثق بأن فريقًا منهم سيلقَونه ساخطين عليه، وبأنَّ فريقًا آخر سيزورّون عنه زورارًا. ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء.. أريد أن أذيع هذا البحث، أو بعبارة أصح: أريد أن أقيده، فقد أذعتُه قبل اليوم حين تحدثتُ به إلى طلابي في الجامعة. وليس سرًا ما تتحدث به إلى أكثر من مائتين. ولقد اقتنعتُ بنتائج هذا البحث اقتناعًا ما أعرف أني شعرتُ بمثله في تلك المواقف المختلفة التي وقفتُها من تاريخ الأدب العربى. وهذا الاقتناع القوي هو الذي يحملني على تقييد هذا البحث ونشره في هذه الفصول، غير حافل بسخط الساخط ولا مكترث بازورار المزورّ. وأنا مطمئنٌ الى أن هذا البحث وإن أسخط قومًا وشقَّ على آخرين، فسيرضي هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عُدّة المستقبل وقوام النهضة الحديثة وذخر الأدب الجديد".
-ولكنكم رغم هذه الحالة من التحدي، وتلك اللهجة الحادة..تراجعتم خطوة أو خطوتين للوراء؛ فهل كان ذلك انحناءً للعاصفة، أم تراجعًا عن خطأ واعترافًا به؟
-(تفكير قبل الرد): ربما هذا وذاك معًا!
-إذن أعود إلى الشطر الأخير من السؤال الأول الذي تجاهلتم الرد عليه، وهو: هل لو عاد الزمن بكم إلى الوراء تكتب هذا الكتاب؟
-لا أظن؛ فالإنسان في شبابه مختلف عن كهولته وشيخوخته؛ حيث يبلغ حدًا من النضج لا يجعله يبوح بكل شيء وأي شيء!
-أليست هناك إجابة قاطعة عن هذا السؤال؟
-نعم..لن أحقق لك رغبتك. دع الإجابة مفتوحة!
-لا ضيرَ يا دكتور، والمعنى في بطن الشاعر كما يقولون، ولكن دعنا ننتقل إلى نقطة خلافية، قد تكون مهمة، أنتم تقولون: إنكم اتبعتم منهج الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت في الشك أثناء إعداد هذا الكتاب..ولكن بعض معاصريك يقطع بأنك لم تلتزم بأسلوبه أتمَّ الالتزام، بل خالفته شكلًا ومضمونًا!
-(فيما بدا توترًا ممزوجًا بالامتعاض): بالفعل..التزمتُ بنهج ديكارت، وقد ذكرتُ ذلك في المقدمة، وأذكر أني كتبتُ: "أريد أن أصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء في أوَّل هذا العصر الحديث. والناس جميعًا يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرَّد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خاليَ الذهن مما قيل فيه خلوًّا تامًا. والناس جميعا يعلمون أن هذا المنهج الذي سخط عليه أنصار القديم في الدين والفلسفة يوم ظهر، قد كان من أخصب المناهج وأقومها وأحسنها أثرًا، وأنه قد جدَّد العلم والفلسفة تجديدًا، وأنه قد غيَّر مذاهب الأدباء في أدبهم والفنّانين في فنونهم، وأنه هو الطابع الذي يمتاز به هذا العصر الحديث".
-حسنًا يا دكتور، ولكنك -وأرجو أن يتسع صدرك- لم تلتزم بهذه القاعدة، بل ناقضتَها تمامًا، وهو ما ذهب إليه معارضوك مثل: الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي الذي شدد على أنك لم تلتزم بالمنهج الديكارتي؛ فأنت لم تبحث لتقرر انتهاءً، ولكنك قررت ابتداءً، وأردت فرض وجهة نظرك على القراء بالقوة، وشتانِ بين بحثٍ يُراد منه ما يُنتجه من غير تعيين لنتيجة محتومة، وبين تقرير النتيجة التي يُساقُ لها البحث وتُجمع لها الأدلة.
- (قهقهة ساخرة): ربما، ولكن هل "الرافعي" أعلم مني بـ"ديكارت"؟ لا أظن!!
- أعلم ما كان بينكما من خلاف واختلاف، ولن أعتبرها إجابة قاطعة، ولكن بعيدًا عن "الرافعي"، فقد ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك؛ عندما أجمعوا على أن الآراء الواردة في الكتاب منقولة مما ذهب إليه أستاذ اللغة العربية في جامعة أوكسفورد ديفيد مرغليوث، الذي كان قد نشر مقالًا في عام 1925(قبل طبع الكتاب بعام كامل) شكك فيه في وجود شعر عربي قبل الإسلام..فما رأيك؟
-وهل طه حسين من السذاجة أن يفعل ذلك؟..هذا كلام مرفوض جملة وتفصيلًا..(في هذه اللحظة تداخلت زوجته السيدة سوزان -التي كانت حضرت لتوِّها- في الحوار، مؤكدة في غضب مهذب، أن العميد فعلًا لم يكن قد اطلع على هذا المقال، ولم يُحط به علمًا، وأن الأمر لا يعدو كونه توارد أفكار، وليس طه حسين من يُوجَّه له هذا الاتهام)!

- معذرة لكما، هذا لم يكن كلامي على أية حال..سيدي العميد..هل انتحال التراث قاصر على العرب والمسلمين فقط؟
-لا طبعًا، وقد ذكرتُ أيضًا ذلك في الكتاب، وأكدتُ أن الانتحال موجودٌ أيضًا في ثقافات أخرى، يمكن رصدُه بوضوح عند اليونان والرومان مثلًا، ولكلٍّ أسبابُه ومآربُه ومقاصدُه في الانتحال.
-من الشكل إلى المضمون سيدي العميد، ولن أستطرد كما وعدتُكم، هل لا تزال عند قناعتك التي ذكرتها في الكتاب بشأن انتحال الشهر الجاهلي؟
-تُصرُّ على المراوغة من جديد. نعم؛ فالكثرة المطلقة مما نسميه "شعرًا جاهليًا" ليست من الجاهلية في شيء، إنما هي مُنتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر ما تمثل حياة الجاهليين. ما ورد إلينا من الشعر الجاهلي لا يعكس الحياة الدينية والسياسية في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، بعكس القرآن الكريم الذي كان يخاطب الجاهليين بلغتهم ويناقشهم في أمور حياتهم فيؤمن به فريق ويجادل فيه فريق آخر. الدراسات العلمية يومئذ أظهرت وجود خلاف جوهري بين لغة أهل جنوب الجزيرة العربية، وهي المنطقة التي يُفترض، وفق الروايات القديمة، أنها شهدت نشأة العربية، وبين لغة أهل الشمال، الذين اكتسبوا هذه اللغة لاحقًا بحسب الروايات نفسها. كيف يمكن تفسير هذا التباين في ضوء التشابه بين لغة شعراء الجاهلية في الجنوب ونظرائهم في الشمال؟ لا أميل إلى تصديق الأشعار المنسوبة إلى امرئ القيس وعمرو بن كلثوم مثلًا، ثم ما رأيك في الأشعار المنسوبة للجن بعد زعم قتلهم الصحابي سعد بن عبادة، ألا يستقيم هذا دليلًا في التشكيك في بعض الشعر الجاهلي، إن لم يكن معظمه؟
-الأمر لم يكن هينًا، سيدي العميد، ولا أظن أنه كانت هناك مؤامرة عليك، ولم تزل شابًا يومئذ؛ بدليل أن الأمر وصل إلى النيابة وخضعت للتحقيق..كيف تقيم هذه التجربة؟
-تحت ضغط البرلمان والمكايدة السياسية وبعض الدوائر الأخرى والكتابات المُحرضة، تمت مصادرة الكتاب، وخضعتُ للتحقيق بأربع اتهامات عنيفة، لا داعي لسردها بالتفصيل، ولكن رئيس النيابة حفظ التحقيق معي إداريًا؛ بعدما تأكد من حسن نيتي.
-وهل كنتَ فعلًا حَسن النية؟
- ولماذا لا أكون كذلك؟
-إذن..وبناء على النوايا الحسنة..يمكن اعتبار كتاب: "في الأدب الجاهلي" تراجعًا كاملًا عن: "في الشعر الجاهلي"؟
- (بعد صمت): أراك تخلف تعهدك اتفاقنا، ما يجعلني مضطرًا لإنهاء الحوار؛ هذه محاكمة وليست احتفالًا!
-معذرة سيدي العميد..هذا هو السؤال الأخير في هذا الملف.
-أنت تناور لتنتزع مني اعترافًا كاملًا بالاعتذار عن كتاب "في الشعر الجاهلي".
-يستحيل أن أرغمك على شيء –سيدي- ولكن هذا السؤال أراه من لزوم ما يلزم.
-من لزوم ما يلزم بالنسبة لك، وليس بالنسبة لي، أنت ضيف عليَّ، ويجب أن تقدر رغبتي، لقد ارتحتُ من إزعاجكم الدنيوي بني البشر.

-لا عليك يا دكتور، دعنا من أمر هذا الكتاب ونسخته المعدلة، هل يمكن أن تحدثني عن كتاب: "مستقبل الثقافة في مصر"؟
-نعم..هذا الكتاب صدر في عام 1938، بعدما فرغت مصرمن توقيع معاهدة 1936 التي منحتها الاستقلال بوصفها دولة مستقلة ذات سيادة، وأكملت مصر ذلك بتوقيع معاهدة مونتروفي 19 أبريل عام1937، (وقد دخلت المعاهدة حيز التنفيذ يوم 15 أكتوبر1937) وكان أهم أثر لهذه المعاهدة هو إلغاء نظام الامتيازات الأجنبية. وكانت تلك خطوة مهمة في طريق الاستقلال الوطني، الأمرالذي أهَّل مصر للالتحاق بعصبة الأمم المتحدة. كتاب «مستقبل الثقافة في مصر» هوكتاب للتربية والتعليم بالدرجة الأولى، ولكنمع ذلك فإنه كتاب يضع قضية التعليم ضمن قضايا الثقافة والهوية الوطنية، وينطلق الكتاب فيتخيل مستقبل الثقافة في مصر بعد أن تحررت وأصبحت دولة مستقلة تبحث لنفسها عن مستقبل يعد بالكثير من الإنجازات، وهو الأمرالذي استلزم رؤية ثقافية ثاقبة وعميقة وشمولية للمستقبل.
-يمكن القول: إن هذا الكتاب ربما كان أهم أسباب ترشيحكم لوزارة المعارف التي توليتموها ضمن حكومة مصطفى النحاس بين عامي 1950 -1952.
-أظن ذلك.
-وهل حققتَ بعضًا من أهدافك خلال هذه الفترة القصيرة نسبيًا؟
-قصيرة نسبيًا؟ هي قصيرة فعلًا، ورغم ذلك قطعنا خطواتٍ جادة في سبيل ما كنت أصبو إليه. الوزير عندكم قد يمكث في منصبه عقدًا كاملًا أو عقدين متصلين دون تأثير يذكر.
-هل يمكن أن توجز لنا رؤيتكم للتعليم ورسالته عبر العصور؟
- خير الوسائل لرفع مستوى الشعب وتمكينه من الحياة الخصبة المنتجة، التى تنفعه وتنفع الناس، وتحفظ للمواطن مكانته بين الأمم المتحضرة الراقية، إنما هو تعليم أبنائه، وتثقيف نفوسهم، وتزكية عقولهم، وتهذيب أخلاقهم، وتزويدهم بكل الوسائل التى تتيح لهم الجهاد المنتج فى سبيل الرقي والتقدم، ولذلك يجب ألا تبخل الحكومة بأى جهد لنشر التعليم وتيسيره، والتوسع فى مجانية التعليم، حتى تصل به إلى المجانية الشاملة، تحقيقًا لتكافؤ الفرص لجميع المواطنين دون تفريق، وقد قررت فعلًا مجانية التعليم الابتدائى والثانوى والفني منذ اليوم الأول لي في الوزارة بعد التنسيق والتشاور مع رئيس الحكومة مصطفى باشا النحاس. كنا نؤمن خلال تلك الحقبة بأن التعليم عندما يُكرَّس حقًّا ثابتًا للجميع لا منّة فيه ولا تمييز، يصبح ركيزة للنهضة الحقيقية لا شعارًا لها. التعليم كالماء والهواء للإنسان؛ فكما إنه لا يستغنى عنهما، فإنه لا يستغنى أيضًا عن التعليم. لقد نجحت في نقل المجانية من المرحلة الابتدائية، التي أُقرت عام 1944، إلى المرحلتين الثانوية والفنية، وفتحتُ الباب أمام تحول تاريخي في بنية التعليم المصري، ورغم الصعوبات والاعتراضات الأولى، استطعتُ تطبيق سياسات شاملة استهدفت توفير الكتب والأدوات، وتقديم التغذية المدرسية، وبناء منظومة تعليمية قادرة على منافسة النُظم الأوروبية قبل أكثر من سبعين عامًا. كنت حريضًا على رفع مستوى جودة التعليم التي تراجعت عندكم –كما علمت- إلى ترتيب متأخر، لا يناسب تاريخ مصر وريادتها.
-هل رغبة الوزير وحدها تكفي لتحقيق طفرة في ملف ما، أم أن هذه الرغبة يلزمها دعم سياسي رفيع المستوى؟
-سوف أكون حسن الظن مرغمًا مع هذا السؤال، ومن ثم أجيبك عنه، وسوف أقصر حديثي عن تجربتي الشخصية. فأنا شخصيًا كنت أستاذًا جامعيًا مرموقًا، ورئيس الحكومة مصطفى باشا النحاس كان داعمًا ومؤمنًا بأهمية التعليم، فضلًا عن أنه كان سياسيًا من الدرجة الأولى، وتوَّج ذلك بأننا استطعنا نقل التعليم من امتياز طبقي إلى حق قومي مكفول بالدستور، وأرسينا قواعد مشروع وطني امتد أثره لعقود طويلة، وغيَّر حياة ملايين المصريين. ولكن عندما يكون الوزير –أي وزير- غير مؤهل لمنصبه الوزاري أكاديميًا أو معرفيًا، ورئيس الحكومة مشغولًا باستنزاف جيوب مواطنيه، ويفتقد إلى الحد الأدنى من الإدراك السياسي، فلا تسأل عن تعليم ولا صحة ولا دياولو..(ولا أدري إن كنت سوف تنشر هذا الكلام، أم يتم حجبه). وإجمالًا، وهذا ليس على سبيل التفاخر، فإن حقبتي كانت بداية لمسار جديد في تاريخ التعليم المصري، حيث وضعنا رؤية متكاملة لجعل التعليم أداة للارتقاء بالمجتمع وتحقيق العدالة.

-حسنًا معالي الوزير..هذا كلام جيد، وينأى كثير عن حالة التحفظ التي تسيطر على الحوار من البداية، ومن أجل ذلك لن أرهقك من أمرك عُسرًا، ولنترك السياسة والمصادرة..ونعرج إلى المرحلة الأخيرة من حياتكم التي يجهلها كثيرون.. متى زرت بيت الله الحرام..وكيف كان أثر تلك الرحلة عليكم؟
-زرتُ أرض الحجاز 1955. كانت رحلة مليئة بالروحانيات، وكان لها أثر عظيم في نفسي وفي حياتي اللاحقة. وعندما صليتُ في المسجد النبوي، شعرتُ بسمو رُوحي، ووددتُ أن لا أبرحَ المسجد، أتابع صلاة الظهر بصلاة العَصر، فلا أُريد غِذاءً ولا طعامًا ولا شرابًا.
-وملامح التغيير الذي طرأ على حياتكم كما ذكرتم؟
- كتبتُ (مرآة الإسلام) 1959 الذي كشفتُ فيه عن ألوان من إعجاز النظم القرآني، وبعده بعام واحد كتاب "الشيخان.
-لقد لفت نظري الدعاء المحفور على القبر..هل أنتم من أوصيتم بذلك؟
-نعم فلقد أوصيتُ قبل مماتي بأن يُحفَر على القبر هذا الدُّعاءُ النبويُّ - الذي كان أثيرًا إلى قلبي، قريبًا من لساني وهو:
اللهمَّ لك الحمد، أنت نور السَّموات والأرض ومَن فيهنَّ، ولك الحمد، أنت قيُّوم السموات والأرض، ولك الحمد، أنت ربُّ السموات والأرض ومن فيهنَّ، أنت الحقُّ، ووعدك الحقُّ، والجَنَّة حقٌّ، والنار حقٌّ، والساعة حقٌّ، والنبيُّون حقٌّ، اللهمَّ لك أسلمتُ، وعليك توكلتُ، وبك آمنتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ، فاغفرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، أنتَ إلهي لا إله إلَّا أنتَ.
-سؤالي الأخير سيدي العميد..رغم الحالة الإيمانية التي انتهيت بها وإليها حياتكم..إلا إن هناك تيارًا يصر على اختطافكم إلى صفه من خلال إلقاء الضوء على مرحلة (في الشعر الجاهلي) فقط..
-(مقاطعًا)..هذا ليس ذنبي؛ فالقرآن الكريم يقول: "لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"، وكذلك: "لا تزر وازرة وزر أخرى".
-أخيرًا سيدي العميد..شكرًا جزيلًا على الاستضافة وعلى سعة الصدر..وعلى كل شيء..وكلمة أخيرة إن أردتم..
-العفو..أما كلمتي إلى من يبتغيها ويريدها: الإسلام دين عظيم، والقرآن الكريم كتاب عظيم، هذه قناعتي، وهذا ما انتهت به حياتي، وقد دعوتُ الله كثيرًا أن يغفر لي زلاتي ونزواتي الفكرية..وأتعشم أن يكون قد استجاب لي.
