لماذا نرجم الشيطان في الحج؟ الأوقاف تكشف سر الحصوات السبع
موسم الحج 2026، أكدت وزارة الأوقاف أن رمي الجمرات من أبرز مناسك الحج التي تربط المسلم بذاكرة المِلة الحنيفية، وقصة الخليل إبراهيم عليه السلام، مشيرة إلى أن جذور هذه الشعيرة تعود إلى تلك اللحظات التاريخية التي امتثل فيها سيدنا إبراهيم عليه السلام لأمر ربه عز وجل، وواجه خلالها وساوس الشيطان بالرجم والتكبير.
أصل المناسك ومراغمة الشيطان
وقالت الأوقاف عبر موقعها الإلكتروني: إنَّ لشعائرِ الحجِّ أصولًا ضاربةً في عمقِ التاريخِ، تحكي قصصَ الامتثالِ لأمرِ الملكِ المتعال، ومراغمةِ كيدِ الشيطانِ في تلك المواضعِ الشريفةِ، وقد أودعَ أئمةُ الحديثِ في دواوينهمُ المعتبرةِ ما يبيِّنُ عللَ هذه المشاعرِ، وكيفية شروعها؛ فيروي لنا سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما تفاصيل هذا المشهد التاريخي، كما ورد في الحديث عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ:...: وَيَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ؟ قَالَ: صَدَقُوا، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أمِرَ بِالْمَنَاسِكِ، عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَسْعَى فَسَابَقَهُ، فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ شَيْطَانٌ - قَالَ يُونُسُ: الشَّيْطَانُ - فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، قَالَ: قَدْ تَلَّهُ لِلجَبِينِ - قَالَ يُونُسُ: وَثَمَّ تَلَّهُ لِلجَبِينِ - وَعَلَى إِسْمَاعِيلَ قَمِيصٌ أَبْيَضُ، وَقَالَ: يَا أَبَتِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي ثَوْبٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ، فَاخْلَعْهُ حَتَّى تُكَفِّنَنِي فِيهِ، فَعَالَجَهُ لِيَخْلَعَهُ، فَنُودِيَ مِنْ خَلْفِهِ: ﴿أَن یَٰۤإِبۡرَٰهِیمُ * قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡیَاۤۚ﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥] فَالْتَفَتَ إِبْرَاهِيمُ، فَإِذَا هُوَ بِكَبْشٍ أَبْيَضَ أَقْرَنَ أَعْيَنَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَتْبَعُ ذَلِكَ الضَّرْبَ مِنَ الكِبَاشِ، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى الْجَمْرَةِ الْقُصْوَى، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى مِنًى قَالَ: هَذَا مِنًى... [مسند الإمام أحمد: ٢٧٠٧].

تعليم جبريل عليه السلام المناسك لإبراهيم عليه السلام
ومما يُستضاءُ به في معرفةِ أوائلِ هذه الشعائرِ، ويُستملحُ ذكرُه في بيانِ كيفيَّةِ تعليمِ جبريل عليه السلام مناسكِ الحجِّ لإبراهيم عليه السلام، ما ذكره الإمامُ العلامةُ جمالُ الدينِ ابنُ الجوزيِّ -رحمهُ اللهُ - حيثُ أوردَ حديثا يصفُ فيه مرافقةَ الروحِ الأمينِ جبريلَ عليهِ السلامُ للخليلِ إبراهيمَ عليه السلام في مواطنِ الرميِ، وكيفَ كانَ يُلقنهُ التكبيرَ مع كلِّ حصاةٍ؛ رغمًا للشيطانِ، ودحرًا لهُ، مبيِّنًا أنَّ هذهِ الأفعالَ إنما هيَ اقتفاءٌ لآثارِ الأنبياءِ، حيثُ قال: قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الْبَيْتِ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأَرَاهُ الطَّوَافَ، ثُمَّ أَتَى بِهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعًا، وَقَالَ لَهُ: ارْمِ وَكَبِّرْ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ، حَتَّى غَابَ الشَّيْطَانُ، ثُمَّ أَتَى بِهِ الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى، فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعًا، وَقَالَ لَهُ: ارْمِ وَكَبِّرْ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ، ثُمَّ غَابَ الشَّيْطَانُ، ثُمَّ أَتَى بِهِ الْجَمْرَةَ الْقُصْوَى فَفَعَلا كَذَلِكَ.
هَذَا هُوَ الأَصْلُ فِي شُرُوعِ الرَّمْيِ، كَالأَصْلِ فِي شُرُوعِ السَّعْيِ، سَعِيِ هَاجَرَ، بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. [مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن لابن الجوزي: ص٢٠٩].

لماذا يؤدي الحجاج مناسك رمي الجمرات؟
أوضحت الأوقاف أن الخليل إبراهيم عليه السلام استنَّ رمي الجمرات برجمه الشيطان سبعًا في مواضع النسك، حين عرض له لصدِّه عن أمر ربه، فكان الرجم والتكبير دحرًا لغوايته، ويقينًا بالوحي، ورافق جبريلُ عليه السلام الخليلَ عليه السلام معلمًا إياه هيئة الرمي والتكبير في المواقع الثلاثة، لتتصل العبادة بذكرى الفداء العظيم، وقصة الذبيح، بقيت هذه الشعيرة أصلًا شرعيًّا ثابتًا، يربط أفعال الحجيج بمِلة إبراهيم، تجسيدًا للامتثال المطلق، ومراغمةً لعدو الله في أقدس البقاع وأطهرها.


