تفخيخ الميثاق الغليظ.. علماء الأزهر VS مشروع قانون الأسرة: يخالف فلسفة الزواج في الإسلام.. العشماوي: العقد للدوام لا المؤقت.. الحنفي: فسخ العقد خلال 6 أشهر يجعله أقرب للمساكنة
لم يكن الجدل المثار حول مشروع قانون الأسرة الجديد مجرد نقاش قانوني عابر، بل تحول خلال الفترة الماضية إلى واحدة من أكثر القضايا المجتمعية سخونة في الشارع المصري، نظرًا لارتباطه المباشر بحياة ملايين الأسر، وتشابكه مع ملفات شديدة الحساسية تتعلق بالطلاق والحضانة والرؤية والنفقة وحقوق الزوجين والأطفال، ومع اتساع دائرة النقاش بين القانونيين ورجال الدين والمهتمين بالشأن الأسري، اتجهت الأنظار نحو الأزهر الشريف باعتباره المرجعية الدينية الأبرز في قضايا الأحوال الشخصية، انتظارًا لموقف واضح من البنود المثيرة للجدل التي حملها مشروع القانون الجديد.
وفي خضم حالة الجدل الواسعة التي صاحبت مناقشة مشروع قانون الأسرة الجديد، حرصت «فيتو» على فتح حوار موسع مع عدد من علماء الأزهر الشريف والمتخصصين في الفقه والشريعة، للوقوف على الرؤية الشرعية تجاه أبرز البنود المثيرة للجدل داخل مشروع القانون، ومحاولة الإجابة عن الأسئلة التي تشغل الرأي العام بشأن قضايا الحضانة والاستضافة والطلاق الشفهي وحقوق الزوجين، وحدود ما يمكن اعتباره تنظيمًا قانونيًا مشروعًا، وما قد يُنظر إليه باعتباره مساسًا بثوابت الأحكام الشرعية المنظمة للعلاقة الأسرية.
قيمة عقد الزواج في الشريعة الإسلامية
في البداية أكد الدكتور عبدالوارث عثمان أن مناقشة قوانين الأحوال الشخصية يجب ألا تتم بمعزل عن الفلسفة التي قامت عليها الأسرة في الشريعة الإسلامية، موضحًا أن الزواج في الإسلام ليس مجرد عقد اجتماعي أو ارتباط مدني بين رجل وامرأة، وإنما عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله، ووسيلة لحفظ مقاصد الشريعة الكبرى المتمثلة في حفظ الدين والنفس والنسب والعقل والمال، وهي الكليات التي قامت عليها أحكام التشريع الإسلامي كافة، مشيرًا إلي أن العلاقة الزوجية في أصلها قائمة على السكن والمودة والرحمة والمسامحة والتغاضي، ولذلك فإن الإسلام لم يجعل عقد الزواج هو نقطة البداية الحقيقية للحياة الزوجية، بل بدأ الأمر منذ مرحلة الاختيار القائم على الدين والأخلاق ومعرفة كل طرف بطبيعة الآخر وظروف أسرته وتفاصيل حياته، باعتبار أن هذا التوافق المسبق يسهم بدرجة كبيرة في تقليل النزاعات وتحقيق الاستقرار الأسري، وهو ما ينبغي أن تراعيه أي تشريعات جديدة تنظم العلاقة بين الزوجين.
وانتقد “عثمان” بعض التصورات المطروحة داخل مشروع قانون الأحوال الشخصية، خاصة ما يتعلق بتحديد سن الحضانة، معتبرًا أن تحديد سن المحضون بتسعة أعوام يخالف روح الشريعة الإسلامية التي جعلت الأب مسؤولًا عن الرعاية والتوجيه والتربية، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “مروا أولادكم بالصلاة لسبع”، موضحًا أن بلوغ الطفل هذه المرحلة العمرية يعني امتلاكه قدرًا من الوعي يسمح بتلقي التوجيه والتربية والانضباط، وهي أمور يرتبط جزء كبير منها بدور الأب في تشكيل شخصية الأبناء، وشدد على أن الحضانة في أصلها ليست حقًا خالصًا للأم أو الأب كما يتصور البعض، وإنما هي حق ثابت للمحضون نفسه، لأن المعيار الحقيقي في الشريعة هو تحقيق مصلحة الطفل أولًا، مؤكدًا أن احتياج الطفل إلى أمه قبل سن السابعة أمر تفرضه طبيعته النفسية والإنسانية، وأن الشريعة الإسلامية في مجمل أحكامها قائمة على العدل والرحمة وتحقيق المصلحة للإنسان.
استبدال نظام الرؤية التقليدي بنظام الاستضافة
وفيما يتعلق بملف الرؤية والاستضافة، اعتبر أستاذ الفقه المقارن أن من أبرز الإيجابيات في مشروع القانون الجديد الاتجاه نحو استبدال نظام الرؤية التقليدي بنظام الاستضافة، موضحًا أن الشريعة الإسلامية لم تحدد وقتًا زمنيًا معينًا لرؤية الطفل، لأنها تنظر إلى الأمر باعتباره حقًا أصيلًا للمحضون في أن يعيش الرعاية الأبوية بصورة طبيعية ومتوازنة، لا مجرد حق تنظيمي للأبوين.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ "فيتو" أن الطفل من حقه شرعًا وإنسانيًا أن يتعرف على والديه وأسرته وأقاربه وأن يحظى برعاية الجميع، محذرًا من اختزال القضية في كونها صراعًا بين الأب والأم على الحضانة أو الرؤية، كما انتقد غياب عقوبات واضحة ضد الطرف الذي يمتنع عن تنفيذ أحكام الرؤية أو الاستضافة، مؤكدًا أن القانون بطبيعته لا يكتمل دون جزاء رادع للمخالف، وأن أي تعطيل لحق الطفل في التواصل مع أحد والديه يترك آثارًا نفسية خطيرة على استقراره وتكوينه النفسي والاجتماعي.
منح الزوجة حق فسخ عقد الزواج خلال الأشهر الأولى بدعوى “التدليس”
وعن منح الزوجة حق فسخ عقد الزواج خلال الأشهر الأولى بدعوى “التدليس”، أكد عثمان أن عقد الزواج يختلف عن سائر العقود المدنية، لأن الله سبحانه وتعالى وصفه في القرآن الكريم بأنه “ميثاق غليظ”، وهو وصف يعكس خصوصية هذا العقد وقيامه على الدوام والاستقرار لا التأقيت أو التهديد المستمر بالانفصال. وأضاف أن الشريعة الإسلامية بالفعل منحت الزوجين الحق في طلب الفسخ حال وقوع الغش أو التدليس أو الضرر، لكن دون تقييد ذلك بفترة زمنية محددة، معتبرًا أن تحديد مدة معينة لطلب الفسخ يفتح الباب أمام سوء النية ويحول الحياة الزوجية إلى حالة من التربص والشك منذ يومها الأول، بما يهدد استقرار الأسرة ويقوض فلسفة الزواج نفسها، كما وصف النص على مثل هذه الأمور داخل القانون بأنه نوع من العبث الذي قد يؤدي إلى زعزعة أركان الأسرة بدلًا من دعمها، لأن الأصل في العلاقة الزوجية هو الاستمرار وحسن الظن لا توقع الخلاف والانفصال.
كما انتقد عثمان فكرة “ملحق عقد الزواج” الذي يتضمن الاتفاق على الجوانب المالية أو السكنية بشكل تفصيلي، معتبرًا أن هذه الفكرة تمثل استباقًا للخلافات بين الزوجين قبل وقوعها، وتتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية القائمة على المودة والستر وحسن العشرة والتسامح، وأضاف أن تحويل عقد الزواج إلى مجموعة من البنود الاحترازية والتفصيلات المسبقة قد يؤدي إلى زيادة النزاعات مستقبلًا، خاصة في ظل التغيرات الاجتماعية والأخلاقية التي يشهدها المجتمع، مؤكدًا أن الزواج في الإسلام يتميز عن غيره من العقود بأنه قائم على المسامحة والتيسير لا المغالبة والمشاحنة، وفي السياق نفسه، شدد على أن مسألة توثيق الطلاق الشفهي يجب التعامل معها بحذر شديد، لأن كلمة الطلاق ترتبط في الشريعة بنية الزوج والظروف النفسية والاجتماعية المحيطة بصدورها، موضحًا أن إلزام الزوج بمدة محددة للتوثيق قد يؤدي أحيانًا إلى تعقيد فرص الإصلاح وإغلاق أبواب التسوية بين الزوجين، فضلًا عن تقليص الدور المجتمعي والعلمي لعلماء الشريعة في احتواء الأزمات الأسرية وتقدير ملابسات كل حالة على حدة، وفيما يتعلق باشتراط موافقة الزوجة الأولى كتابيًا عند الزواج بأخرى، أكد عثمان أن هذا الأمر – من وجهة نظره الفقهية – يمثل تقييدًا لما أباحته الشريعة الإسلامية بنصوص قطعية، موضحًا أن الأحكام التي ثبتت بدليل شرعي صريح لا يجوز تقييدها أو تعطيلها إلا بدليل مماثل من القرآن الكريم أو السنة النبوية.
أستاذ بالأزهر يحذر: شرط الطلاق في عقد الزواج يهدد استقرار الأسرة من البداية
بدوره أكد الدكتور محمد إبراهيم العشماوي، أستاذ الحديث في جامعة الأزهر الشريف أن أي تنظيم قانوني أو اجتماعي يجب أن يراعي طبيعة عقد الزواج وأهدافه في الاستقرار والديمومة، موضحًا أنه لا يجوز شرعًا عقد الزواج على شرط مسبق بالطلاق، كأن تشترط للمرأة إمكانية طلب الطلاق بعد مدة زمنية محددة، مثل ستة أشهر، في حال عدم تحقق ما تم الاتفاق عليه من صفات أو وعود في الزوج، معتبرًا أن مثل هذا الشرط يتعارض مع طبيعة عقد الزواج الذي يقوم على الدوام والاستمرار، وليس التوقيت أو التعليق على شروط مستقبلية.
وأشار إلى أن هذا النوع من الشروط يعد باطلًا شرعًا، استنادًا إلى القاعدة الفقهية "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل"، موضحًا في الوقت نفسه أن الشريعة لم تغلق باب حقوق المرأة، حيث منحها الإسلام حق طلب الطلاق للضرر أو الخلع في أي وقت دون الحاجة إلى اشتراط مدة زمنية مسبقة، بما يحقق التوازن ويحفظ الحقوق، وتساءل العشماوي عن جدوى إدخال مثل هذه الشروط إلى عقد الزواج، معتبرًا أنها قد تؤدي إلى زعزعة استقرار الأسرة منذ بدايتها، وتدفع إلى حالة من التربص بين الزوجين، بما يحول العلاقة الزوجية من ميثاق غليظ قائم على المودة والرحمة إلى علاقة مؤقتة أقرب إلى المساكنة غير المستقرة، مشددَا على أننا بحاجة ماسة إلى منظومة تشريعية واجتماعية تعزز تماسك الأسرة ولا تفتح الباب لتفكيكها.
عالمة أزهرية تهاجم بند فسخ الزواج: هل أصبحت المرأة “سلعة” تُجرَّب لعدة أشهر؟
بدورها علقت الدكتورة فتحية الحنفي، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر الشريف، على منح الزوجة حق طلب فسخ عقد الزواج قضائيًا خلال مدة لا تتجاوز 6 أشهر من تاريخ إبرام العقد، حال ثبوت أن الزوج ادعى صفات غير حقيقية وتزوجته على هذا الأساس، أن هذا الطرح لا يجوز، لأنه يفتح الباب أمام صورة من الزواج المؤقت، ويشبه زواج المساكنة، بما يهدد استقرار الأسرة، وأكدت أن تحديد مدة للزواج يخالف العقد الشرعي الصحيح، لأن الأصل في عقد الزواج أنه عقد تأبيد وليس مؤقتًا.
وأضافت «الحنفي» لـ “فيتو” أنه لا يجوز اشتراط شروط تتنافى مع طبيعة عقد الزواج، الذي وصفه الله عز وجل بالميثاق الغليظ في قوله تعالى: «وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا»، موضحة أن هذا العقد تترتب عليه آثار مهمة مثل النفقة، والنسب، والميراث، ولا يستقيم منطقيًا أو شرعًا تقييده بمدة زمنية قصيرة، وتعجبت العالمة الأزهرية، متساءلة: فكيف يكون ذلك ويحدد الزواج بستة شهور؟ هل المرأة سلعة كي يوضع هذا الشرط: «هو لم يعجبني نفسخ العقد»!؟
وعن بند توثيق الطلاق الشفوي، أوضحت “الحنفي” أن الطلاق الشفوي فإنه يقع لأنه يصدر من الزوج البالغ العاقل مختارا، ويقع بصريح اللفظ وأن الغرض من توثيقه هو حماية حقوق المطلقة من النفقة والمؤخر وحق الأولاد وهذا حق شرعي لها، ولذا إذا أراد أن يراجعها وجب التوثيق أيضا خاصة وإذا كان في طلاق رجعي، مشيرة أن السبب في ذلك أن البعض يراجع دون علم الزوجة وقد تكون انتهت عدتها، فلا تحل له إلا بعقد جديد ومهر جديد، فالغرض من التوثيق هو حفظ حقوق الزوجة، خاصة في هذه الأيام التي خربت فيها الذمم بحسب تصريحها، وأقترحت أستاذ الفقه بجامعة الأزهر أنه قبل توثيق الطلاق يكون هناك مجلس صلح لعله يكون سببا في الرجوع قبل التوثيق، وإن كان تنظيما إداريا فهو الغرض منه مصلحة المطلقة وهذا لا يتعارض مع الشرع.
موقف الشرع من اشتراط موافقة الزوجة الأولى كتابيًا عند زواج الزوج بأخرى
وعلّقت الدكتورة فتحية الحنفي، على مقترحات اشتراط موافقة الزوجة الأولى كتابيًا عند زواج الزوج بأخرى، مؤكدة في أن هذا الطرح يمثل – من وجهة نظرها الفقهية – تقييدًا لما أباحته الشريعة الإسلامية بنصوص واضحة، موضحة أن مسألة تعدد الزوجات في الإسلام لم تُترك دون ضوابط، وإنما قُيدت بحالات وظروف تقتضيها الحاجة والمصلحة، وليس باعتبارها أمرًا مفتوحًا بلا قيود أو مسؤوليات، لافتا إلى أن من بين الحالات التي قد تدفع الرجل للزواج بأخرى أن تكون الزوجة الأولى غير قادرة على الإنجاب بينما يتطلع الزوج إلى الذرية، أو أن تكون مريضة بصورة تحول دون قدرتها على تلبية احتياجات الحياة الزوجية، مشيرة إلى أنه رغم الأعباء الاقتصادية وارتفاع تكاليف الزواج، قد يجد بعض الأزواج أنفسهم مضطرين إلى اللجوء للتعدد في مثل هذه الظروف، وأكدت أن اشتراط موافقة الزوجة الأولى يتعارض – بحسب رأيها – مع طبيعة هذه الحالات، خاصة وأن الغالبية من النساء بطبيعتهن لا يقبلن مشاركة أخرى لهن في الزوج.
وأوضحت أستاذ الفقه بجامعة الأزهر أن العقد في هذه الحالة يظل صحيحًا شرعًا بينما يبطل الشرط نفسه، لافتة إلى أن الزوجة تكون مخيرة بين الاستمرار في الحياة الزوجية أو طلب الانفصال، مؤكدة أن الزواج بأخرى قد يحقق في بعض الأحيان مصلحة للزوجة الأولى نفسها، خاصة إذا كانت لا تنجب وتفضل البقاء في عصمة زوجها بدلًا من التعرض لمصير مجهول بعد الانفصال.
تحذير أزهري: ملحقات الزواج تفكك المودة وتحول الأسرة إلى “عقد تجاري”
وعن فكرة وجود “ملحق عقد الزواج” لتوثيق الاتفاقات المالية والسكنية، أكدت الدكتورة فتحية الحنفي أن عقد النكاح في الشريعة الإسلامية يختلف جذريًا عن سائر العقود، لما يترتب عليه من آثار خطيرة وممتدة مثل النسب والميراث والنفقة وتكوين الأسرة، وهي آثار لا توجد في العقود المالية القائمة على المعاوضة، وأوضحت أن القرآن الكريم أضفى على عقد الزواج قدسية خاصة حين وصفه بالميثاق الغليظ في قوله تعالى: «وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا»، كما ربطه بالسكن والمودة والرحمة في قوله تعالى: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة»، معتبرة أن هذه النصوص تؤكد أن الزواج علاقة إنسانية ونفسية قبل أن يكون عقدًا ماديًا، وشددت الحنفي على أن قياس عقد الزواج على العقود المالية يُعد خلطًا غير صحيح، لأن العقود المالية تقوم على الفسخ عند وجود عيب أو إخلال، بينما الزواج قائم على الاستقرار والاستمرار وتحمل المسؤولية المشتركة. وحذرت من أن إدخال “ملحقات تعاقدية” تفصيلية قد يحول الزواج إلى علاقة مشروطة بالحسابات المادية ويضعف البعد النفسي والمعنوي الذي يقوم عليه، مؤكدة أن هذا التوجه يبتعد عن روح الشريعة التي جعلت الزواج ميثاقًا غليظًا قائمًا على المودة والرحمة.
