يا معافر كمل للآخر، قصة ثمانينية في قنا محت أميتها وتعلمت القرآن وعلمته (صور)
منذ أن كان عمرها ستين عامًا وهي تعافر وتجري بين أروقة الكتاتيب لتحفظ القرآن الكريم، في رحلة استمرت عشرين عامًا حتى ناهزت الثمانين، رغم الصعوبات والانتقادات التي وُجهت لها لكنها لم تبال ولم ترضخ لأي ضغوط رافضة أي عائق يقف في طريق تحقيق أمنيتها، من خلال حفظ القرآن الكريم وتحفيظه للصغار عملًا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه".
حلم يتحقق في أروقة الكتاتيب بقنا
هذه المقدمة ليست ضربًا من خيال، بل واقع تجسد في محافظة قنا في شخص الحاجة فاطمة عطيتو، التي لقبت بسيدة الصبر.
عن هذه الرحلة قالت “الحاجة فاطمة” لـ"فيتو"، إنها تزوجت في سن صغير وأنجبت أولادها وتزوجوا، وذهب كل منهم إلى حياته الجديدة، ليترك غيابهم فراغًا دفعها إلى الكُتّاب لمشاهدة الأطفال وهم يحفظون القرآن. وتابعت: "لقيت نفسي وأنا في عمر ستين سنة عاوزة اتعلم أقرا وأكتب وأحفظ القرآن وأحفّظه للصغار ووجدت ضالتي في الحياة في هذا الأمر".
سيدة الصبر تروي معاناة 20 عاما في البحث عن المستحيل
وأضافت الحاجة فاطمة أنها وجدت الأمر في بدايته مليئًا بالعثرات، لكنها أصرت عليه لتحقيق حلمها دون كلل أو ملل، حتى جاءتها فكرة الذهاب الي كتاب جمعية أهلية بمنطقة المعنا، وساعدها القائمون في المكان على هذا الأمر، وظلت طيلة 20 عامًا وهي تحفظ القرآن بين محفظات مختلفات.
واستطردت: "العمر ليس مجرد رقم وليس مقياسًا لقتل الأحلام التي لم نستطع تحقيقها وقت الشباب، وربنا خلق الكثير من المتع التي تستحق منا أن نسعى إليها ما دام في العمر بقية".
وأردفت: "بشوف شباب قلوبهم شاخت من كتر الهموم والحياة أبسط من كل ده.. والسعي مطلوب عشان تعرف تحقق اللي أنت عاوزه".
حلم المستحيل مع عزيمة لا تلين
وأضافت الحاجة فاطمة: "أول مرة حضرت فيها لتعلم القراءة والكتابة كنت في الستين، وذهبت إلى معلمة من سن أبنائي، وكان هدفي في ذلك الوقت أن أتعلم، وبعدها بدأت في حفظ القرآن الكريم على مدار 20 عامًا لم أكلّ أو أملّ من هذا الأمر، وكان كُتّاب إحدى مؤسسات المجتمع المدني يستقبلني ويوفر لي كل شيء حتى حصولي على شهادة محو الأمية".
وواصلت حديثها قائلة: "الأمر هنا لم يكن متعلقًا بشهادة بل بحياة جديدة أجد نفسي فيها، وهي حياة حفظ القرآن الكريم، وأن أقوم بتحفيظه للصغار. وهنا الحياة منحتني دورًا جديدًا فيها وصنعت لنفسي مجدًا جديدًا، ويكفي أني أعود إلى منزلي وأنا في قمة السعادة".
وعن تكريم الدكتور خالد عبد الحليم، محافظ قنا، لها قالت: "منحني هذا التكريم قلبًا جديدًا، ففي هذا اليوم كان هناك احتفال بعيد ميلادي الثمانين في وسط أهلي في الكتّاب والجمعية، وجاء إلينا الخبر، وكنت سعيدة جدًا، ووقت الذهاب إليه كنت طايرة من الفرحة زي ما بيقولوا".
وأشارت الحاجة فاطمة إلى أن المحافظ أشاد بصبرها وطموحها الذي لا يتوقف عند سن معينة، وقال لها خلال اللقاء: "حضرتك مثال حي للصبر والمعافرة ولطموح المرأة الصعيدية الذي لا يتوقف مهما كانت الصعوبات، ويجب أن تكوني حاضرة في كل الندوات والمؤتمرات حتى نعطي للناس مثالًا حيًا وتجربة حقيقية".
واختتمت الحاجة فاطمة حديثها قائلة: "الكل يجب أن يعي أن الحياة لاتتوقف، والعطاء مستمر، والكل يجب أن ينسى فكرة السن. حتى اليوم أذهب في رحلات وأستمتع بها، وأجد يومي في وسط الصغار الذين أكون بينهم. تجارب الحياة لا تتوقف عند سن بعينها كما يظن البعض. تجربتي علمتني الكثير الذي سوف أعطيه، ولا بد أن يكون لدينا طاقة إيجابية نُسعد بها من حولنا".



