قانون الأسرة الجديد تحت المجهر.. خبراء قانون يحذرون من "مطاطية" النفقات.. وأمهات تعترضن على ترتيب الحضانة.. وحملات ترفض "فسخ العقد"
أثار مشروع قانون الأسرة الجديد حالة من الجدل بين الممثلين الرجال في الحوار الوطني والممثلين النساء “أمهات مصر المعيلات”، وأيضا بين المستشارين في قضايا الأسرة، والمحامين المتخصصين في هذا المجال، وقد استطلعت فيتو آراء عدد كبير منهم.
"الأحوال الشخصية" مخيب للآمال ويكرس السلطة التقديرية في النفقة
في إطار استطلاع آراء خبراء القانون ومحاميي محاكم الأسرة، عقّب خالد رجب، المحامي المتخصص في قانون الأسرة، علي تعديلات قانون الأحوال الشخصية للمسلمين في مصر، والتي أرسلها مجلس الوزراء لمجلس النواب، قائلا: إنها جاءت مخيبة للآمال، فقد كنا نامل أن نجد حلولا به للقضاء علي المشاكل والسلبيات التي توارثناها من القوانين السابقة.
وكشف أن أبرز تلك المواد تلك الخاصة بتقدير النفقات للزوجة، فقد قررت المادة ٥٤ من مشروع القانون أن تكون حسب حال الزوج عسرا أو يسرا، وهو ما يجعل تحديد النفقة تدخل في السلطة التقديرية المطلقة للقاضي الذي ينظر الدعوي، وهي من ضمن سلبيات القانون الحالي، حيث نجد تفاوتا في الأحكام الصادرة النفقات، وكأن الأولي أن يكون هناك نسبة محددة من الدخل يحكم بها القضاء علي الزوج.
وأوضح أن تلك المادة مطاطية غير محددة، وكان يمكن أن تكون واضحة أكثر من ذلك، مشيرا إلي أنه فيما يخص قانون الخلع فقد جاءت المادة ٨٤ من مشروع تعديلات القانون، وقررت أن تتنازل الزوجة عن جميع حقوقها المالية والشرعية عند إقامتها للخلع بما في ذلك نفقتها عن مدة سابقة، موضحا في القانون الحالي لا تسقط نفقة الزوجة إلا بعد تاريخ إقامتها للخلع.
الرؤية الإلكترونية والاستزارة بنود جديدة في القانون
وتناول خالد رجب المحامي المتخصص بقضايا الأسرة عدة بنود في قانون الأسرة، وأكد أنها في مجملها جيدة ولكنها تفتقد لضوابط تنفيذها وتنظيمها.
وأفاد خالد رجب المحامي أن استحدث القانون نظام الرؤية الإلكترونية هو شيء عظيم ومعمول به في البلاد العربية، لكن لم يوضح المشرع كيفية تنفيذه، وإثبات أن الأب والأم بالفعل نفذا حكم الرؤية الإلكترونية.
وأضاف رجب المحامي: أن استحدث التعديلات المقترحة للقانون نظام الاستزارة لغير الحاضن والاجداد هو شيء جيد ويوطد العلاقات بين الصغار وذويهم، لكن لم يوضح القانون كيف يمكن أن يحمي الصغير ويضمن عودته مرة آخري للحاضن، وما الذي يضمن ألا يسافر به الطرف الآخر للخارج ويحرم الحاضن أو الحاضنة منه.
نص غريب ويفتح المجال للتلاعب
وعلق المحامي المتخصص في قضايا الأحوال الشخصية خالد رجب، على بنود الخلع في مشروع قانون الأسرة الجديد، مؤكدا أن مشروع قانون الأسرة الجديد نص على أن حكم الخلع غير قابل للطعن عليه بأي طريق من طرق الطعن أو البطلان.
ووصف المحامي المتخصص هذا البند المقترح بأنه نص غريب، ويفتح المجال للتلاعب، وربما إقامة دعاوى الخلع ضد الزوج وإعلانه على عنوان لا يخصه أو لا يقيم فيه، واستصدار حكم بالخلع دون علم الزوج، ولا يستطيع أن يطعن بالبطلان في الإعلان وإجراءات الدعوى.
استحدث القانون في المادة ١٢٥ سببًا غريبًا لإسقاط الحضانة
وأبدى المحامي خالد رجب عددًا من الملاحظات حول بعض مواد مشروع قانون الأسرة، متناولًا ما وصفه بإشكاليات في تطبيق بعض البنود المستحدثة.
وقال: استحدث القانون في المادة ١٢٥ سببًا غريبًا لإسقاط الحضانة، وذلك في حالة انتقال الحاضنة بابنها المحضون إلى محافظة أخرى داخل الدولة لا يقيم بها من له حق الرؤية.
وأضاف أن هذا البند تعسفي فلنفترض ان زوجة من محافظة القاهرة وتزوجت في سوهاج، فإن القانون يفرض عليها بعد طلاقها أن تظل في محافظة زوجها وهي ليس لديها أهل أو مكان تقيم فيه أو عمل تؤديه.
وتنص مادة (125): لا يجوز للحاضنة أو الحاضن الانتقال بالمحضون إلى محافظة داخل الدولة لا يقيم بها من له الحق في رؤيته، إلا إذا لم يكن في ذلك مصلحة تقدرها المحكمة، وإلا سقط حقه في الحضانة.
فسخ عقد الزواج بعد 6 شهور
علّقت المستشارة هايدي فضالي، رئيسة محكمة الأسرة سابقا، على نص المادة التي تتيح للزوجة طلب فسخ عقد الزواج خلال مدة لا تتجاوز 6 أشهر من تاريخ العقد، إذا ثبت أن الزوج ادعى صفة غير حقيقية، بشرط عدم وجود حمل أو إنجاب.
وأكدت فضالي أن المادة لا تثير فقط إشكالية قصر الحق على الزوجة دون الزوج، بل تفتح الباب لخطورة قانونية أخرى تتعلق بطبيعة “الفسخ” ذاته، موضحة أن الفسخ يعني اعتبار الزواج كأن لم يكن من الأساس.
وأضافت: “هذا يترتب عليه أثر بالغ الخطورة، حيث تتحول الحالة الاجتماعية للزوجة من مطلقة إلى كأنها لم يسبق لها الزواج، رغم أنها “مدام”، وهو ما يفتح الباب لإشكاليات مجتمعية وقانونية معقدة”.
وأشارت إلى أن هذا الوضع يختلف جذريا عن الطلاق، الذي يثبت قيام العلاقة الزوجية وما يترتب عليها من آثار، مؤكدة أن الفارق بين المفهومين ليس شكليا بل يمتد إلى الحقوق والالتزامات والآثار المستقبلية.
وشددت على أن منح الزوجة أكثر من مسار قانوني، مثل الفسخ أو الطلاق أو الخلع، مقابل تقييد خيارات الزوج، يخلق حالة من عدم التوازن، وقد يؤدي إلى زيادة النزاعات بدلا من الحد منها.
وأضافت: “نحن أمام مادة مرفوضة بصيغتها الحالية، وتحتاج إلى إعادة نظر شاملة، سواء من حيث إتاحة الحق للطرفين أو ضبط آثار الفسخ بما لا يهدر استقرار العلاقات أو يفتح الباب للتحايل”.
وأضافت "فضالي" بالتأكيد على ضرورة مراجعة النص تشريعيا بشكل دقيق، قائلة: التشريع لا بد أن يحقق العدالة ويحمي المجتمع، لا أن يخلق ثغرات جديدة”.
فسخ الخطوبة ورد الشبكة
كما نص مشروع القانون على أن «الشبكة تعد من قبيل الهدايا، ما لم يوجد اتفاق أو عرف يقضي باعتبارها جزءا من المهر».
وقالت هايدي فضالي رئيسة محكمة الأسرة سابقا: إن المادة المتعلقة بفسخ الخطبة في مشروع قانون الأسرة تحتاج إلى إعادة نظر، خاصة فيما يتعلق بمسألة رد "الشبكة" عند إنهاء الخطبة.
وأوضحت أن جعل الشبكة من الهدايا التي لا ترد أو ربطها بتحديد الطرف المخطئ في فسخ العلاقة يعد أمرا غير موفق، لأنه قد يفتح الباب أمام نزاعات ودعاوى قضائية متبادلة، يحاول فيها كل طرف إثبات أن الآخر هو المتسبب في إنهاء الخطبة.
وأكدت أن الخطبة في الأساس هي مرحلة تعارف وتقييم قبل الزواج، هدفها التأكد من التوافق الفكري والنفسي والاجتماعي بين الطرفين، وبالتالي لا ينبغي تحميلها طابع الخصومة أو البحث عن المخطئ.
وأضافت أن الأنسب هو أن يتم رد الشبكة بشكل تلقائي عند فسخ الخطبة، دون الدخول في تفاصيل المسؤولية، وذلك بهدف إغلاق باب الخلافات وتقليل النزاعات القانونية، مع الاعتراف بأن عدم الاستمرار في الخطبة لا يعني بالضرورة وجود خطأ من أي طرف، بل قد يكون نتيجة طبيعية لعدم التوافق.
تمرد ضد قانون الأسرة: غياب تعريف دقيق لمفهوم "التدليس الجوهري"
وفي تصريحات خاصة، قال إيهاب صلاح، منسق “تمرد ضد قانون الأسرة”: إن هذه المادة تفتح بابا واسعا لإعادة النظر في طبيعة عقد الزواج، وتحوله من كونه عقدا مستقرا وميثاقا غليظا إلى عقد قابل للفسخ خلال فترة قصيرة.
وأوضح صلاح أن النص المطروح يشترط لرفع دعوى الفسخ ألا يكون قد حدث حمل، وأن يتم تقديم الدعوى خلال 6 أشهر من تاريخ الزواج، وهو ما اعتبره البعض محاولة لحماية الطرف المتضرر من الغش والتدليس.
كما أشار إلى أنه في المقابل ذلك، يعاني مشروع القانون من غياب تعريف دقيق لمفهوم "التدليس الجوهري"، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى إشكاليات قانونية، وقد يضع بعض العلاقات الزوجية تحت ضغط النزاع القضائي في وقت مبكر من الزواج، مشيرا إلى أنه حتى وإن تم إقراره لابد أن يكون حقا للطرفين وليس للزوجة فقط، تحقيقا لمبدأ العدالة والمساواة، متسائلا: كيف يكون للزوجة حق الفسخ وفي المقابل الرجل أن يطلق ويجبر على دفع المهر وقائمة المنقولات والعدة والمتعة والنفقة وغيره؟!.
وأضاف أن الإشكالية لا تتعلق فقط بحماية الحقوق، وإنما أيضا بمدى تأثير هذه النصوص على استقرار الأسرة في مراحلها الأولى، وخاصة أن تلك الفترة في بداية الحياة الزوجية طبيعية ومليئة بالتحديات.
واختتم صلاح تصريحاته بالتأكيد على أن أي تعديل في قوانين الأحوال الشخصية يجب أن يوازن بين حماية الطرف المتضرر وبين الحفاظ على استقرار الأسرة، وعدم فتح الباب أمام النزاعات المبكرة أمام المحاكم القاضية، كما دعا إلى مزيد من النقاش المجتمعي حول المواد محل الجدل قبل إقرارها بشكل نهائي من قبل البرلمان.
“أمهات تصنع المستحيل” تعترض على بنود الاستضافة وترتيب الحضانة بمشروع قانون الأسرة
أعربت لمياء بسيوني، مؤسس حملة “أمهات تصنع المستحيل”، عن استيائها من بعض بنود مشروع قانون الأسرة، مؤكدة أنه لا يراعي بشكل كافٍ مصلحة المرأة في عدد من الجوانب، مشيرة إلى رغبتها في إعادة النظر في تلك المواد؛ بما يحقق قدرا أكبر من التوازن والعدالة بين طرفي العلاقة الأسرية.
وأضافت لمياء بسيوني أن من أبرز النقاط محل الاعتراض ما يتعلق ببنود الاستضافة أو الاستزارة، وكذلك ترتيب الحضانة بعد الأم، مؤكدة أن هذه التعديلات أثارت تحفظات واسعة بين عدد من الأمهات.
وأوضحت أن الرؤية الشرعية المتعارف عليها في مسألة الحضانة تقوم على أولوية الأم، ثم أم الأم وإن علت، باعتبارها الأصلح لرعاية الطفل في المراحل الأولى، مشيرة إلى أن إدخال تعديلات على هذا الترتيب يفتح بابًا للنقاش حول مدى توافقه مع مصلحة الطفل الفضلى واستقرار الأسرة.
ولفتت إلى أن هذه البنود تعد من أكثر المواد التي أثارت جدلا بين المهتمين بملف الأحوال الشخصية، خاصة ما يتعلق بتنظيم حق الاستضافة وترتيب الأطراف الأحق بالحضانة بعد الأم.
