رئيس التحرير
عصام كامل

من نيشان الكمال إلى مقاعد القيادة، كيف تغيّر حضور المرأة المصرية عبر قرن كامل (صور)

نيشان الكمال
نيشان الكمال
18 حجم الخط

خلف الزجاج في إحدى قاعات الأوسمة الملكية، يقف نيشان الكمال بشريطه الحريري الفاتح ونجومه الذهبية المرصّعة بالأزرق، كقطعة صغيرة تختزن دلالات تحولٍ كبير،لا يبدو للوهلة الأولى سوى وسامٍ فاخرٍ من زمن الملوك، لكنه في جوهره وثيقة اجتماعية شاهدة على بداية مسار طويل ومتشعّب.

فبين لحظة منح هذا الوسام لأول مرة، ووصول المرأة اليوم إلى مواقع القيادة وصناعة القرار، تمتد رحلة قرنٍ كامل من الكفاح والتغيير، لم تكن هذه المسيرة يومًا سهلة أو مستقيمة، ولا كانت نتائجها مضمونة، بل جاءت حصيلة تراكمات بطيئة وصراعات اجتماعية وثقافية أعادت رسم موقع المرأة ودورها عبر الزمن.

نيشان الكمال أول اعتراف رسمي

في عام 1923، دخل نيشان الكمال قائمة الأوسمة المصرية الرسمية وسامًا مخصصًا للسيدات فقط  الأول من نوعه بهذا الوضوح والرسمية. كان يُمنح بدرجات أربع لسيدات الأسرة الملكية، وزوجات الأمراء، والنساء اللواتي قدّمن خدمات إنسانية أو اجتماعية بارزة، فضلًا عن بعض الشخصيات النسائية الأجنبية المرتبطة بعلاقات دبلوماسية مع مصر.

في زمن كانت فيه الأوسمة حكرًا على الرجال في السياسة والحرب والإدارة، حمل هذا الوسام رسالة مبكرة المرأة تستحق التكريم أيضًا. وكان ذلك في حد ذاته موقفًا له دلالته، في مجتمع لم يكن قد تعوّد بعد على رؤية المرأة في المشهد العام.

غير أن حدود هذا الاعتراف كانت واضحة. فالوسام ظلّ تكريمًا للنخبة فحسب، يُمنح لمن ينتمين إلى دوائر القصر والطبقة الأرستقراطية، بينما كانت الغالبية العظمى من النساء المصريات لا تزال تبحث عن أبسط حقوقها في التعليم والمشاركة العامة، بعيدًا عن أي نياشين أو احتفاليات رسمية.

الحركة التي جاءت من الأسفل

بينما كان الوسام يُمنح للقليلات من أعلى، كانت الحركة النسوية الحقيقية تُبنى بهدوء من الأسفل. هدى شعراوي، وصفية زغلول، وملك حفني ناصف  رائدات فتحن أبوابًا لم تكن مرسومة في أي بروتوكول رسمي، ولم تنتظرن إذنًا من أحد لكي يُعلنّ أن للمرأة صوتًا ودورًا لا يمكن تجاهله.

هدى شعراوي، تحديدًا، تجاوزت حدود التكريم الاجتماعي حين خلعت نقابها علنًا عام 1923 في محطة القاهرة لحظة عودتها من مؤتمر نسائي دولي  لحظة رمزية بامتياز، أعلنت فيها أن زمن الحضور الصامت قد ولّى. وكان لصالونها الثقافي دور بارز في جمع المثقفات والمفكرات، وتحويل النقاش النسائي من الغرف المغلقة إلى الفضاء العام.

وفي ثورة 1919، خرجت المرأة المصرية إلى الشارع بحضور جماعي لم يُشهد من قبل، تهتف وتقود المظاهرات جنبًا إلى جنب مع الرجل. لم تعد "مكرّمة" من الدولة فقط، بل أصبحت فاعلًا سياسيًا يفرض وجوده على المشهد الوطني.

التعليم السلاح الأهم

لم تكن المعارك السياسية وحدها هي التي غيّرت موازين الحضور النسائي. فالتعليم كان السلاح الأكثر أثرًا وأبعدها تأثيرًا. في مطلع القرن العشرين، كانت نسبة تعليم المرأة شبه معدومة في أغلب المحافظات، ولم يكن الحضور النسائي في المدارس الحكومية سوى استثناء نادر.

لكن مع توسّع شبكة المدارس والمطالبات المتزايدة بحق التعليم، بدأت الصورة تتغير ببطء. المرأة التي تعلّمت كسبت أكثر من معلومة  كسبت القدرة على التعبير عن نفسها، والمطالبة بحقوقها، والمشاركة في النقاشات التي كانت حكرًا على الرجال. وكلما اتسعت دوائر التعليم النسائي، اتسعت معها آفاق ما يمكن للمرأة أن تطمح إليه وتحققه.

1952 نهاية الوسام وبداية مرحلة مختلفة

مع ثورة يوليو 1952 وسقوط النظام الملكي، اختفى نيشان الكمال من الحياة الرسمية وتحوّل إلى قطعة متحفية. لكن المفارقة اللافتة أن اختفاءه تزامن مع اتساع ملحوظ في حضور المرأة داخل الدولة الجديدة.

بدلًا من تكريم رمزي لعدد محدود من النخبة، بدأت الدولة تتبنى خطابًا مختلفًا يتحدث عن التعليم والعمل والمساواة باعتبارها حقوقًا لا امتيازات. دخلت المرأة الجامعات بأعداد متصاعدة، واقتحمت مجالات كانت حكرًا على الرجال  من الصحافة إلى القضاء، ومن الطب إلى العمل البرلماني. وفي عام 1956، نالت المرأة المصرية حق التصويت والترشح في الانتخابات، في خطوة كانت تمثّل قفزة نوعية في مسيرة الحضور السياسي النسائي.

الاعتراف الحقيقي لم يكن بعد ذلك في النياشين، بل في الفرص التي باتت متاحة لمن لم يكنّ يحلمن بها قبل جيل واحد فقط.

من التكريم إلى صناعة القرار

في العقود التالية، تغيّر المشهد بالكامل، وبصورة لم تكن متوقعة في عشرينيات القرن الماضي. ظهرت وزيرات وسفيرات وقاضيات ورئيسات جامعات ونائبات في البرلمان. وفي المؤسسات الإعلامية، تحوّلت المرأة من موضوع للتغطية إلى صانعة للرواية ذاتها تحرّر وتقرر وتؤثر في الرأي العام.

في ساحات القضاء، أصبحت منصة العدالة مفتوحة للقاضيات بعد أن ظلّت حكرًا على الرجال لعقود طويلة. وفي عالم الاقتصاد والأعمال، برزت سيدات يُدرن مؤسسات كبرى ويتخذن قرارات تؤثر في آلاف الموظفين وملايين العملاء. حتى في المجالات الأكثر تقليدية والأعلى حساسية، بدأت المرأة تحجز حضورًا لم يكن متصورًا في زمن الأوسمة الملكية.

لم تعد المرأة تُمنح وسامًا  أصبحت هي من يصنع القرار الذي يمنحه.

 

ماذا يقول لنا نيشان الكمال اليوم؟

حين ننظر إليه اليوم خلف زجاج المتحف، لا نراه فقط قطعة ذهبية من زمن قديم. نراه نقطة البداية في خط بياني طويل ومتصاعد  أول اعتراف رسمي وإن جاء محدودًا ومقيدًا، وأول سؤال طُرح بصوت خافت: لماذا تُكرَّم المرأة ولا تُمنح المساحة الكاملة؟

ذلك السؤال الخافت هو ما تحوّل عبر العقود إلى مطالبات ثم إلى حقوق ثم إلى واقع يعيشه المجتمع المصري اليوم، بكل ما يحمله من إنجازات وما لا يزال ينتظره من استحقاقات.

بين نيشان الكمال ومقاعد القيادة في مصر الحديثة، مئة سنة من التحولات المتراكمة. قرن كامل انتقلت فيه المرأة من "السيدة المكرّمة" داخل القصر، إلى الشريكة الفاعلة داخل البرلمان والمحكمة والجامعة والمؤسسة. رحلة لم تكن هبةً من أحد، بل كانت في كل مرحلة منها نتاج إصرار ونضال وإثبات متجدد للحضور والقدرة.

بعد أن كان "الكمال" يُختصر في وسام على الصدر، أصبح اليوم يُقاس بالقدرة على الإنجاز والتأثير وصناعة المستقبل. وهذا التحول في المعنى، ربما، هو الإنجاز الأعمق على الإطلاق.

الجريدة الرسمية