رئيس التحرير
عصام كامل

ما الذي يدفع باكستان لاحتواء الحرب على إيران؟.. حدود ملتهبة بطول 900 كيلومتر.. الطاقة والحياد المدروس مفاتيح التحرك مع طهران.. وثقة ترامب بوابة العبور إلى البيت الأبيض

شهباز شريف يستقبل
شهباز شريف يستقبل رئيس البرلمان الإيراني
18 حجم الخط

تشهد الساحة الدولية تحركات دبلوماسية متسارعة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث برزت باكستان كلاعب فاعل يسعى إلى الوساطة بين الأطراف المتنازعة. 

وفي هذا السياق، تأتي جولة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا ضمن جهود إسلام آباد لتعزيز دورها السياسي وإيجاد مخرج تفاوضي للأزمة، بما يعكس توازناتها المعقدة بين مصالحها الإقليمية وعلاقاتها الدولية.

وبحسب تقرير نشره موقع "ناشيونال إنترست"، فإن "السياسة الخارجية الباكستانية تجاه إيران طوعية بالكامل قط، حيث يتشارك البلدان حدودا تمتد على مسافة 900 كيلومتر؛ وتعد إيران –بالنسبة لباكستان- ممرا للعبور، وموردا للطاقة، ومصدرا محتملا لعدم الاستقرار، لا سيما في بلوشستان، حيث اختبرت النزعة المسلحة العابرة للحدود العلاقات الثنائية بين البلدين أكثر من مرة؛ وقد فرض هذا الواقع الجغرافي على إسلام آباد مبدأ الحياد المدروس تجاه طهران، وهو مبدأ يعود إلى ما قبل الحكومة الحالية، وسيستمر بالتأكيد بعدها".

وقد ازدادت هذه الحسابات إلحاحا منذ شهدت باكستان تعزيز الهند لعلاقاتها مع إيران من خلال مشروع ميناء تشابهار، وهو جهد متعمد لبناء ممر تجاري بديل إلى آسيا الوسطى يتجاوز باكستان. كما شهدت باكستان تحول طهران إلى عامل مؤثر في السياسة الأفغانية، والنشاط المسلح البلوشي، والتوترات الطائفية داخل باكستان نفسها، بحسب التقرير.

غارات محدودة عبر الحدود على مواقع مسلحة

في عام 2024، شن البلدان غارات محدودة عبر الحدود على مواقع مسلحة، مما أدى إلى توتر دبلوماسي قصير لم يستطع أي من الطرفين تحمل تبعاته. وسرعان ما تصالحا. وعندما اغتيل المرشد الإيراني الأعلى السابق علي خامنئي في غارات أمريكية إسرائيلية في 28 فبراير 2026، كان رد الفعل في باكستان عاصفا؛ حيث اندلعت احتجاجات في كراتشي ولاهور وإسلام آباد وبيشاور، قادها في الغالب أفراد من الطائفة الشيعية في باكستان، التي تشكل ما بين 15 إلى 20% من السكان.

معبر تفتان الحدودي بين باكستان وإيران
معبر تفتان الحدودي بين باكستان وإيران

وفي كراتشي، اقتحم مئات المتظاهرين القنصلية الأمريكية، واخترقوا البوابة الخارجية قبل أن تتدخل قوات الأمن. وقتل ما لا يقل عن 20 شخصا في أنحاء البلاد.

وأدانت الحكومة الضربات، وفي الوقت نفسه دعت إلى الهدوء. ولم يكن من الممكن النظر إلى إسلام آباد كأداة في يد واشنطن في حرب أودت بحياة شخصية نعاها مواطنوها كزعيم روحي. ومع ذلك، لم يكن بوسعها تحمل قطع علاقتها مع واشنطن، وفق "ناشيونال إنترست".

وأضاف التقرير: في ذلك تلك التداعيات كانت باكستان الخيار المفضل لإيران، فقد رأت طهران أن موقع إسلام آباد الجغرافي وقيودها الداخلية تجعلها غير قادرة هيكليا على أن تكون أداة في يد واشنطن. وكان هذا الحساب أحد جوانب المعادلة، أما الجانب الآخر فكان واشنطن نفسها.

باكستان نجحت في استمالة دونالد ترامب

إذا كان الموقع الجغرافي يفسر قبول إيران لباكستان كوسيط، فإن علاقة باكستان باالرئيس الأمريكي دونالد ترامب تفسر قبول الولايات المتحدة لها، وهذه العلاقة حديثة العهد. فعندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، كان رئيس الوزراء شريف من أوائل من لبوا دعوة ترامب للانضمام إلى مجلس السلام في غزة.

وفي مايو 2025، وبعد تبادل عسكري قصير بين الهند وباكستان انتهى بوقف إطلاق النار، أعلن ترامب علنا فضله في التوسط لوقف إطلاق النار، ورشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام. وقد أثارت هذه الخطوة سخرية في العواصم الغربية. ومع ذلك، فقد أرسل الترشيح إشارة إلى واشنطن مفادها أن إسلام آباد مستعدة لفعل أي شيء لكسب ود الإدارة الأمريكية.

رئيس الوزراء الباكستاني شهبار شريف وإلى جواره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
رئيس الوزراء الباكستاني شهبار شريف وإلى جواره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

لكن العلاقة الأكثر أهمية كانت تلك التي جمعت الرئيس ترامب بقائد الجيش الباكستاني عاصم منير. فخلال اجتماعات عقدت طوال عام 2025، أشاد ترامب بمنير بحماس بالغ، واصفا إياه بـ"المقاتل العظيم" و"الشخصية المهمة جدا" و"الإنسان الاستثنائي"؛ وصرح ترامب علنا بأن باكستان "تعرف إيران جيدا، أفضل من معظم الدول". ونتيجة لذلك، عندما عرضت إسلام آباد خدمات الوساطة لإنهاء الحرب مع إيران، قوبل هذا العرض بترحاب أمريكي من منطلق الثقة في مقدم هذه الوساطة.

ما تريده الولايات المتحدة وإيران وما تحتاجه باكستان

الفجوة شاسعة بين أهداف واشنطن المعلنة ومطالب طهران الرسمية. فقد أصر ترامب على أن "يتم التعامل مع المخزون النووي الإيراني" في أي اتفاق نهائي، بينما يدعو إطار طهران المكون من عشر نقاط صراحة إلى الاعتراف ببرنامجها لتخصيب اليورانيوم. 

وتطالب إيران بسحب القوات الأمريكية من القواعد الإقليمية، ورفع جميع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والتعويض عن أضرار الحرب. ولم تقر واشنطن علنا بمعظم هذه المطالب،

ويتطلب سد هذه الفجوة وسيطا مستعدا لتحمل التكاليف السياسية لإخبار كل طرف بما لا يفصح عنه الطرف الآخر علنا. 

وهنا تبرز أهمية انكشاف موقف باكستان؛ إذ إن لها مصلحة مباشرة في هذه النتيجة. فقد تسبب إغلاق مضيق هرمز في صدمة لأسعار النفط. وتستورد باكستان الغالبية العظمى من احتياجاتها من الطاقة، واستمرار تعطل حركة الملاحة عبر هرمز يعني نقصا في الإمدادات وارتفاعا هائلا في فواتير الاستيراد، وهو ما لا تستطيع دولة تعاني من هشاشة اقتصادية كلية مستمرة تحمله، وفق "ناشيونال إنترست".

لماذا لا تخسر باكستان الكثير من المفاوضات الأمريكية الإيرانية؟

بحسب تقارير إعلامية، فإن دخول باكستان على خط التفاوض بين واشنطن وطهران يعد مكسبا لها بغض النظر عن النتائج المستقبلية، من منطلق أن "إسلام آباد لن تخسر شيئا".

فعلى مدى عقود طويلة، انتهجت الهند استراتيجية دبلوماسية لتهميش باكستان تقوم على عزلها دوليا من خلال الترويج لملف رعايتها لـ"الإرهاب العابر للحدود"، وإبعاد باكستان عن المحافل الدولية، وتصويرها كجهة مزعزعة للاستقرار بدلا من دولة مسؤولة؛ وقد حققت هذه الاستراتيجية نجاحا جزئيا، حيث وضعت باكستان في موقف دفاعي في المحافل الدولية، في محاولة لتصحيح تلك التصورات بدلا من صياغة الأجندات.

لكن الوساطة الباكستانية في الملف الإيراني غيرت هذا الوضع بشكل كبير؛ حيث ينظر إلى باكستان الآن باعتبارها القوة المحركة في مفاوضات بين أكبر اقتصاد في العالم وإحدى أهم دول الشرق الأوسط. واستضافة هذه المحادثات، بغض النظر عن نتائجها، تضع باكستان على خريطة الفاعلين الدبلوماسيين الجادين، بشكل لم يكن ليتحقق من خلال أي بيان أو قمة ثنائية.

  • الفيديو المرفق يوضح تدفق مئات الباكستانيين من إيران نحو معبر تفتان الحدودي جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران
الجريدة الرسمية