فوضى البحث العلمي، إحصائية "المليون رسالة" تثير أزمة جودة في الدراسات العليا.. حسن علي: “صفر تأثير” 99.9% من الرسائل “امتياز”.. محمد شعيب: غياب الخطة الوطنية أساس الأزمة
في الوقت الذي تتزايد فيه أعداد الحاصلين على الدرجات العلمية العليا في مصر، تطرح الأرقام الرسمية تساؤلات جادة حول جدوى هذا التوسع، وحدوده، ومدى ارتباطه الحقيقي باحتياجات سوق العمل.
وكشفت "النشرة السنوية لخريجي التعليم العالي والدرجات العلمية العليا" الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في ديسمبر 2025، عن مشهد متناقض، فبينما يقترب عدد المقيدين بالدراسات العليا من 232 ألف طالب، تراجعت أعداد الحاصلين على درجة الماجستير تدريجيًا خلال خمس سنوات، من نحو 21.6 ألف في عام 2020 إلى أقل من 18 ألفًا في 2024، في مؤشر يثير الشكوك حول كفاءة المنظومة وقدرتها على الاستمرار بنفس الوتيرة.
وفي المقابل، ظل عدد الحاصلين على الدكتوراه شبه مستقر، متذبذبًا حول حاجز العشرة آلاف سنويًا، ما يعكس بطئًا واضحًا في إنتاج أعلى الدرجات العلمية مقارنة بالزيادة الكبيرة في أعداد الدارسين.
لكن المفارقة الأكبر لا تكمن فقط في الأعداد، بل في طبيعة التخصصات؛ إذ تهيمن المجالات النظرية، وعلى رأسها الأعمال والإدارة والقانون، على النصيب الأكبر من الدرجات العليا بنسبة تتجاوز ثلث الإجمالي، بينما تتراجع مساهمة التخصصات العلمية والتطبيقية، مثل الهندسة والعلوم، إلى نسب أقل بكثير، رغم احتياج سوق العمل المتزايد لها.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع تمركز منح الدرجات العلمية في عدد محدود من الجامعات الكبرى، حيث تستحوذ جامعات مثل عين شمس والقاهرة والمنصورة والزقازيق على نسب ملحوظة من إجمالي الدرجات، ما يطرح تساؤلات حول عدالة التوزيع وكفاءة بقية المؤسسات التعليمية.
تدقيق علمي
عميد كلية الاعلام جامعة السويس الأسبق الدكتور حسن علي يرى أن الجدل المثار حول أعداد الحاصلين على درجات الماجستير والدكتوراه في مصر يحتاج إلى تدقيق علمي، موضحا أن بعض الإحصاءات المتداولة تشير إلى وصول نحو 360 ألفًا للماجيستير والدكتوراه خلال آخر 10 سنوات، وذلك يستدعي مراجعة سياسات التعليم العالي في مصر لفهم أسباب هذا الرقم الضخم.
وأشار إلى أن القضية الأساسية لا تتعلق بحجم الأعداد بقدر ما ترتبط بتأثير هذه الرسائل العلمية على الواقع، متسائلًا عن مدى إسهام عشرات الآلاف من رسائل الدكتوراه في تحقيق إضافة حقيقية للدولة، خاصة أن قانون تنظيم الجامعات يشترط أن تقدم رسالة الدكتوراه جديدًا علميًا.
وقال الدكتور حسن علي إنه إذا افترضنا أن نحو ثلث هذه الرسائل عبارة عن دكتوراه، فإن ذلك يعني وجود عشرات الآلاف من الأفكار الجديدة المفترضة خلال عقد واحد، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى انعكاس هذه الأفكار على التنمية في مصر، سواء من خلال تطوير قطاعات الدولة أو تقديم حلول عملية، مؤكدًا أن غياب هذا التأثير يشير إلى خلل في منظومة البحث العلمي.
وأوضح أن الأزمة تمتد إلى جودة الإشراف العلمي ولجان المناقشة، لافتًا إلى وجود مشكلات تتعلق بتأهيل بعض المشرفين وأعضاء اللجان، حيث يتم منح درجات علمية بواسطة عناصر قد لا تكون مؤهلة علميًا بالشكل الكافي، رغم استيفاء الإجراءات الشكلية على الورق من حيث وجود مشرفين ولجان ومناقشات.
وأضاف أن هناك ظاهرة مجاملات داخل بعض لجان المناقشة، فضلًا عن اختيار الأعضاء بناءً على العلاقات الشخصية، وهو ما يؤثر على نزاهة التقييم العلمي، مشيرًا إلى أن الرسائل في كثير من الأحيان تُمنح درجات مرتفعة بشكل مبالغ فيه، حيث إن الغالبية العظمى من الرسائل بنسبة 99.9% تحصل على تقدير “امتياز”، وهو ما يُعد إخلالًا بمعايير التقييم ويظلم الباحثين المتميزين.
وأكد "علي" أن رفض رسائل الماجستير أو الدكتوراه يُعد أمرًا نادر الحدوث، بل يكاد يكون مستحيلًا في بعض الحالات، باستثناء بعض التخصصات مثل القطاع الطبي والهندسي، التي تتسم بقدر أكبر من الصرامة، حيث قد يتعرض الباحث للرسوب أكثر من مرة قبل الحصول على الدرجة العلمية.
وفيما يتعلق بالإشراف العلمي، أشار إلى أنه تم وضع ضوابط داخل المجلس الأعلى للجامعات تحدد عدد الرسائل التي يمكن للأستاذ الإشراف عليها بما يتراوح بين 8 و12 رسالة، مع اشتراط وجود أكثر من مشرف لتجنب تحكم فرد واحد في الباحث، إلا أن هذا العدد يظل مرتفعًا وقد يؤثر على جودة الإشراف، خاصة في ظل نقص الأساتذة في بعض التخصصات.
ولفت عميد كلية الإعلام الأسبق بجامعة السويس إلى أن المشكلة لا تقتصر على أعضاء هيئة التدريس، بل تمتد إلى بعض الباحثين أنفسهم، حيث يفتقر عدد كبير منهم إلى المهارات البحثية الأساسية، مثل التفكير النقدي والقدرة على التحليل وإجادة اللغات الأجنبية، وهو ما يؤدي إلى تخريج باحثين يحملون درجات علمية دون امتلاك أدوات البحث الحقيقي.
وأوضح أن ضعف المهارات البحثية يُعد أحد الأسباب الرئيسية لعدم تأثير الرسائل العلمية في تطوير الدولة، حيث يتم الحصول على الدرجات وفقًا للمعايير الإدارية، دون الاهتمام الكافي بتنمية قدرات الباحثين.

وفيما يتعلق بعلاقة الدراسات العليا بسوق العمل، أكد أن الهدف الأساسي من الدراسات العليا هو إنتاج المعرفة وليس تلبية احتياجات سوق العمل بشكل مباشر، موضحًا أن هناك تخصصات عديدة لا ترتبط بسوق العمل التقليدي، مثل الفلسفة والفيزياء النظرية والفنون، وهو ما يجعل ربط الدراسات العليا بسوق العمل فقط أمرًا غير دقيق.
وأشار الدكتور حسن علي إلى أن تحسين منظومة الدراسات العليا يتطلب وضع معايير أكثر صرامة في مراحل التسجيل والإشراف والمناقشة، مؤكدًا أن الوصول إلى المعدلات العالمية في أعداد الحاصلين على الدرجات العلمية لن يتحقق بطريقة سليمة دون إصلاح شامل لمنظومة التعليم، مع التركيز على جودة البحث العلمي وليس مجرد الأرقام.
وشدد في ختام تصريحاته لفيتو على أن الأزمة الحالية تمثل تحديًا حقيقيًا يتطلب مواجهة صريحة، من خلال إعادة النظر في فلسفة التعليم الجامعي وسياسات الدراسات العليا، لضمان إنتاج بحوث علمية ذات قيمة حقيقية تسهم في تنمية المجتمع.
تساؤل جوهري
من جانبه أوضح الدكتور محمد شعيب أستاذ مساعد بجامعة بني سويف أن متوسط عدد الحاصلين على درجة الماجستير سنويًا منذ عام 2015 يتراوح بين 17 و20 ألفًا، بينما بلغ متوسط الدكتوراه نحو 13 ألفًا قبل أن ينخفض إلى قرابة 10 آلاف سنويًا منذ عام 2019، وذلك بعد استبعاد دبلومات الحقوق التي تُعادل الماجستير.
وانتقد الدكتور محمد شعيب نظام منح درجة الماجستير عبر دبلومات كليات الحقوق، معتبرًا أنه لا يتجاوز كونه امتدادًا لمرحلة الليسانس بنفس أساليب التدريس والامتحانات، مؤكدًا أن مساواة هذه الشهادات بالماجستير البحثي تمثل ظلمًا لمن أعدوا رسائل علمية حقيقية.
وكشف عن تقديمه مقترحًا سابقًا لتطوير آلية تحكيم الرسائل العلمية بهدف الارتقاء بجودة البحث العلمي والقضاء على المجاملات، تضمن إنشاء قوائم محدثة سنويًا للمحكمين في كل تخصص، على أن يتم توزيع مهام التحكيم إلكترونيًا بشكل آلي دون تدخل بشري، موضحا أن المقترح يشمل تقسيم عملية التقييم إلى مرحلتين، الأولى لفحص الرسالة قبل المناقشة بشكل سري عبر نظام إلكتروني، والثانية لتقييم أداء الباحث أثناء المناقشة، على أن يتم رفع النتائج خلال مدة محددة لا تتجاوز أسبوعًا.
كما تضمن المقترح تنظيم الجوانب اللوجستية المتعلقة بنقل وإقامة المحكمين من خلال إدارات مختصة داخل الجامعات، مع مراعاة التوزيع الجغرافي في اختيارهم، إلى جانب تسليم الرسائل للمحكمين عبر جهات رسمية وليس من خلال الباحث، لضمان الشفافية.
وفيما يتعلق بواقع الإشراف العلمي، أشار الدكتور محمد شعيب في تصريحات خاصة لفيتو إلى أن الأمر يختلف من حالة لأخرى وفقًا لضمير الأستاذ وطبيعة التخصص، إلا أن بعض التخصصات النظرية والإنسانية تشهد ممارسات غير منضبطة، حيث يعتمد بعض الباحثين على تجميع مواد علمية قائمة مع إجراء تعديلات محدودة.
وأضاف أن التشكيل الرسمي للجان المناقشة يتم عبر الأقسام العلمية، إلا أن الواقع العملي يشير إلى دور كبير للمشرف في اختيار المحكمين، مؤكدًا أن تقرير صلاحية الرسالة الذي يقدمه المشرف يلعب دورًا حاسمًا في منح الدرجة، حيث يتم في الغالب اعتماد الرسالة بنسبة كبيرة بعد هذا التقرير.
وأشار الأستاذ المساعد بجامعة بني سويف إلى أن تقارير المحكمين في كثير من الأحيان تكون شكلية، وقد يتم إعدادها مسبقًا، وهو ما ينعكس على جودة التقييم النهائي للرسائل العلمية.
وطرح الدكتور محمد شعيب تساؤلًا جوهريًا حول مدى ارتباط الرسائل العلمية بخطط الدولة، متسائلًا عما إذا كانت موضوعات الأبحاث يتم اختيارها وفق استراتيجية وطنية تخدم التنمية وسوق العمل، أم أنها تخضع لاجتهادات فردية بين المشرف والباحث، مؤكدا أن الواقع يشير إلى أن نسبة كبيرة من الأبحاث في الكليات النظرية والعلوم الإنسانية غير مرتبطة بخطط الدولة، وتعاني من التكرار، حيث يتم إعادة طرح نفس الموضوعات بصياغات مختلفة دون تقديم إضافة حقيقية.
واختتم شعيب تصريحاته بالتأكيد على ضرورة إعادة النظر في منظومة الدراسات العليا في مصر، من خلال ضبط آليات التسجيل والإشراف والتحكيم، وربط البحث العلمي بخطط الدولة، بما يضمن تحسين جودة المخرجات البحثية وتعظيم الاستفادة منها في دعم جهود التنمية.
وفي سياق آخر أكد الدكتور أحمد بلبولة، عميد كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، أن الطريق إلى الحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه لا يزال يمر عبر منظومة معقدة من الضوابط العلمية والرقابية، وهذا يتم تطبيقه بشدة داخل كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، لكن الأزمة الكبرى أن لا أحد يستطيع أن يجزم أن تلك الضوابط يتم تطبيقها في بقية الكليات والجامعات.
خطط بحثية واضحة
ويقول عميد كلية دار العلوم بجامعة القاهرة إن تسجيل رسالة الماجستير، على سبيل المثال، لا يتم بشكل عشوائي، بل يسبقه مسار طويل يبدأ بدراسة تمهيدية قد تمتد لعامين، يعقبها إعداد خطة بحث تخضع لمناقشات علمية متكررة داخل الأقسام، وقد تُرفض أكثر من مرة قبل اعتمادها.
ويضيف أن بعض الطلاب قد يستغرقون فترات طويلة – تصل إلى عام أو أكثر – فقط للحصول على موافقة مبدئية على موضوع البحث، موضحا أن هذه الخطط لا تُعتمد إلا بعد مراجعتها عبر لجان متخصصة، من بينها لجان الأمانة العلمية التي تستخدم برامج كشف الاقتباس، لضمان خلو الأعمال من النقل أو الاعتماد غير الموثق على مصادر أخرى، بما في ذلك أدوات الذكاء الاصطناعي.
أما في مرحلة الدكتوراه، فتزداد الإجراءات تعقيدًا، حيث يُلزم الباحث بنشر أبحاث علمية محكمة قبل المناقشة، إلى جانب خضوع الرسالة لمراجعات رقمية دقيقة تقيس نسب الاقتباس، والتي لا يُسمح بتجاوزها للحدود المقررة، كما تتضمن عملية التقييم إشرافًا جماعيًا من أكثر من أستاذ، بالإضافة إلى مناقشة علنية أمام لجنة تضم محكمين من داخل وخارج الجامعة.

ورغم هذا الإطار المنظم، أكد الدكتور أحمد بلبولة بأن تطبيق هذه المعايير لا يبدو موحدًا في جميع المؤسسات، مشيرًا إلى أن تعميم نظم المراجعة الرقمية ولجان الأمانة العلمية لا يزال محل شك في بعض الكليات والجامعات.
وأكد بلبولة أن المشكلة لا تتعلق فقط بإجراءات التسجيل أو المناقشة، بل تمتد إلى غياب التخطيط البحثي في بعض الحالات، مشددًا على ضرورة ربط موضوعات الرسائل بخطط بحثية واضحة منبثقة عن الاستراتيجية الوطنية ورؤية مصر 2030، بما يضمن توجيه الدراسات العليا نحو قضايا المجتمع الفعلية.
ولفت عميد دار العلوم بالقاهرة إلى إشكالية أخرى تتعلق بالإشراف العلمي، إذ يفترض أن يكون هناك حد أقصى لعدد الرسائل التي يشرف عليها الأستاذ، إلا أن نقص أعضاء هيئة التدريس في بعض التخصصات يدفع الجامعات أحيانًا إلى تجاوز هذه الحدود أو اللجوء إلى الانتداب، وهو ما قد يؤثر على جودة المتابعة الأكاديمية.
============================================
تطور أعداد الدرجات العلمية (خلال 5 سنوات) من عام 2020 إلى 2024:
عام 2024: بلغ إجمالي الحاصلين على الماجستير 17,998 شخصًا، بينما حصل 10,031 شخصًا على الدكتوراه من الجامعات المصرية.
عام 2023: كان عدد الحاصلين على الماجستير 18,506، والدكتوراه 10,612.
عام 2022: الماجستير 19,258، والدكتوراه 10,248.
عام 2021: الماجستير 19,833، والدكتوراه 9,969.
عام 2020: الماجستير 21,684، والدكتوراه 11,105.
تقسيم الدرجات العلمية حسب المجالات (لعام 2024)
المجالات الأدبية والنظرية (الأعلى نسبة):
الأعمال والإدارة والقانون: تستحوذ على الحصة الأكبر بنسبة 32.5%.
الفنون والعلوم الإنسانية: تأتي بنسبة 13.1%.
المجالات العلمية والطبية:
(الطب والتمريض): تبلغ نسبتها 12.6%.
الهندسة والتصنيع والبناء: تبلغ نسبتها 9.5%.
مجالات أخرى (تشمل العلوم والزراعة وغيرها): تشكل مجتمعة حوالي 32.3%
أبرز الجامعات المانحة للدرجات (2024)
تصدرت بعض الجامعات الكبرى إجمالي عدد الدرجات العلمية (دبلوم، ماجستير، دكتوراه) الممنوحة للمصريين:
جامعة عين شمس: بنسبة 8.2%
جامعة القاهرة: بنسبة 7.6%.
جامعة المنصورة: بنسبة 7.1%.
جامعة الزقازيق: بنسبة 6.8%.
