رئيس التحرير
عصام كامل

أزمة رواتب أعضاء هيئة التدريس بالجامعات.. مستندات تكشف الأجور ونسبة المستقطعات.. علاوات تزيد بقيمة من جنيه لـ 3 جنيهات سنويا.. تفاوت بين مرتبات الأساتذة والقيادات.. ومطالب بإعادة هيكلة المنظومة

د. عبد العزيز قنصوة
د. عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي
18 حجم الخط

كشفت مستندات رسمية، حصلت «فيتو» على نسخة منها، النقاب عن أزمة هيكلية ممتدة في منظومة أجور أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية، مؤكدة وجود فجوة واضحة بين النصوص القانونية المنظمة للرواتب، والواقع الفعلي للدخل الذي يتقاضاه الأستاذ الجامعي.

وتستند منظومة الأجور الحالية إلى قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972، والمعدل عام 1983، حيث لا تزال جداول الرواتب المعتمدة حتى اليوم قائمة على قيم مالية تاريخية تعود إلى أكثر من أربعة عقود، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الأجر الأساسي الذي تُحتسب عليه باقي مكونات الدخل.

أساسي رواتب أعضاء هيئة التدريس بالجامعات وفقا للقانون

ووفقًا للجدول رقم (4) الصادر بالجريدة الرسمية عام 1983، يتراوح مربوط درجة الأستاذ بين 1620 و2433 جنيهًا سنويًا، بينما يتراوح مربوط الأستاذ المساعد بين 1308 و2064 جنيهًا سنويًا، والمدرس بين 960 و1788 جنيهًا سنويًا. 

أما في الوظائف المعاونة، فيتراوح مربوط المدرس المساعد بين 696 و1440 جنيهًا سنويًا، والمعيد بين 516 و1176 جنيهًا سنويًا.

وتشمل هذه الجداول بدلات محدودة، من بينها بدل الجامعة الذي يصل إلى نحو 450 جنيهًا، وهو الوحيد الذي تم تعديله بقانون 2012، بحيث يتقاضى الأستاذ 3500 جنيه، والأستاذ المساعد 3000 جنيه، والمدرس 2500 جنيه، والمدرس المساعد 1500 جنيه، والمعيد 1000 جنيه.

إلى جانب بدلات أخرى تتراوح بين 120 و300 جنيه، فضلًا عن بدل تمثيل لبعض القيادات الجامعية. 

زيادات سنوية في العلاوات تتراوح بين جنيه وثلاثة جنيهات

وكشفت جداول العلاوات عن أرقام غريبة، فعند تعيين المعيد يتقاضى علاوة دورية قدرها 72 جنيها في السنة تقسم على 12 شهرا، وفي السنة الثانية للتعيين تزيد بما قيمته 24 جنيه سنويا أي ما يعادل 2 جنيه شهريا، وعند الترقي لمدرس مساعد تصبح الـ 24 جنيه سنويا 36 جنيها،  وعند الترقي لمدرس تزيد العلاوة لـ 60 جنيها سنويا بدلا من 36.

مفارقات أخرى كشفتها جداول العلاوات، فعند الترقية لأستاذ مساعد تزيد العلاوة بقيمة جنيه واحد فقط لأن العلاوة بدلا من 60 جنيها يحصل الأستاذ المساعد على 72 جنيها في السنة بقيمة جنيه واحد شهريا. 

وعند الترقي لأستاذ تزيد قيمة العلاوة شهريا ربع جنيه، حيث ترتفع قيمتها من 72 إلى 75 جنيها سنويا، أي بزيادة قيمتها 3 جنيهات في السنة.

تدنٍّ كبير في الأجر الأساسي لأعضاء هيئة التدريس

وتعكس هذه الأرقام، عند تحويلها إلى قيم شهرية، تدنيًا كبيرًا في الأجر الأساسي، وهو ما دفع المنظومة للاعتماد على بدلات وحوافز ومكافآت لتعويض هذا الضعف، بحيث تمثل هذه المكونات المتغيرة أكثر من 80% من إجمالي الدخل، بينما لا يتجاوز الأساسي 20%.

وفي هذا السياق، أوضحت مصادر جامعية أن هذا الهيكل لا يوفر استقرارًا ماليًا حقيقيًا، إذ يعتمد على عناصر متغيرة قابلة للتأثر بطبيعة العمل أو القرارات الإدارية، ما يجعل الدخل الفعلي غير ثابت.

مفردات مرتب احد أعضاء هيئة التدريس 
مفردات مرتب أحد أعضاء هيئة التدريس 

وكشفت مفردات مرتب حديثة لأحد أعضاء هيئة التدريس أن صافي الدخل الشهري الفعلي يدور في حدود 10 آلاف جنيه، وذلك بعد خصم مجموعة من الاستقطاعات تشمل التأمينات الاجتماعية والصحية، والضرائب، والدمغات، واشتراكات النقابات والصناديق، فضلًا عن التزامات مالية أخرى.

وأكدت المصادر أن ما يقرب من 35% من إجمالي الدخل يتم استقطاعه قبل أن يصل إلى عضو هيئة التدريس، وهو ما يقلل بشكل كبير من قيمة أي زيادات اسمية يتم الإعلان عنها.

وأشارت إلى أن الأستاذ الجامعي لا يستفيد فعليًا من زيادات الحد الأدنى للأجور التي تقرها الدولة، نظرًا لارتفاع نسب الاستقطاعات، إضافة إلى أن احتساب العديد من مكونات الدخل يتم وفق أساس مالي قديم، ما يحد من تأثير تلك الزيادات.

لازيادة في حافز الجودة منذ العام الماضي

كما لفتت إلى أن الدولة كانت تعتمد خلال السنوات الماضية على زيادة "حافز الجودة" كآلية لتحسين دخول أعضاء هيئة التدريس، إلا أن هذا الحافز لم يشهد أي زيادات منذ العام الماضي، ولم يتم تضمينه ضمن حزم تحسين الأجور الأخيرة، رغم الإعلان عن حوافز إضافية لفئات أخرى مثل المعلمين والأطباء.

مفردات مرتب احد اعضاء هيئة التدريس 
مفردات مرتب أحد أعضاء هيئة التدريس 


وأدى ذلك إلى تجميد أحد أهم مكونات دخل الأستاذ الجامعي، وتآكل قيمته الفعلية في ظل ارتفاع معدلات التضخم، في وقت يُطلب فيه من عضو هيئة التدريس المنافسة على المستوى الدولي في مجالات البحث العلمي.

ضوابط صارمة لمنع عمل عضو هيئة التدريس خارج الجامعة 

وفي المقابل، يفرض قانون تنظيم الجامعات ضوابط صارمة على عمل أعضاء هيئة التدريس خارج الجامعة، حيث لا يُسمح بممارسة المهنة خارج الإطار الأكاديمي إلا بشروط محددة، من بينها مرور 10 سنوات على التخرج و3 سنوات في التدريس، والحصول على موافقات رسمية، مع حظر العمل في قضايا ضد الجامعة.

كما يمنع القانون إعطاء الدروس الخصوصية بشكل قاطع، سواء بمقابل أو بدونه، ويحظر الاشتغال بالتجارة أو إدارة الأنشطة الصناعية والمالية، أو الجمع بين الوظيفة وأي عمل يتنافى مع طبيعتها.

وترجع جذور الأزمة، بحسب مصادر أكاديمية، إلى استمرار العمل بإطار تشريعي قديم، حيث تُحتسب الزيادات على أساس مالي يرجع إلى عام 2015، بعد تثبيت المتغيرات كنسب مقطوعة، وهو ما أفقد الزيادات تأثيرها الحقيقي.

وأوضحت المصادر أن هذا الوضع دفع بعض أعضاء هيئة التدريس إلى اللجوء للقضاء للمطالبة بتعديل تاريخ احتساب المتغيرات من 30 يونيو 2015 إلى 14 مايو 2017، بما يضيف ثلاث علاوات بقيمة إجمالية لا تتجاوز 200 جنيه، ومع ذلك تواجه هذه المطالب تأخيرات في التنفيذ داخل بعض الجامعات.

تفاوت في الدخول داخل الجامعات بين القيادات وهيئة التدريس

وفي سياق متصل، تكشف المنظومة عن تفاوت داخلي في فرص الدخل، حيث تتيح اللوائح للقيادات الجامعية تعدد مصادر الدخل عبر مسارات قانونية، تشمل رئاسة مجالس إدارات الوحدات ذات الطابع الخاص، والإشراف على البرامج المميزة وبرامج الساعات المعتمدة والطلاب الوافدين، إلى جانب عضوية وإدارة اللجان المختلفة، والإشراف على مراكز استشارية وخدمية ذات إيرادات.

وتُنشأ هذه الوحدات بقرارات من مجالس الجامعات، مع وضع لوائح مالية تحدد توزيع الإيرادات، حيث يُخصص جزء منها لمجالس الإدارة، وجزء آخر للقائمين على الإشراف والإدارة.

وفي ضوء ذلك، يصبح من الممكن أن يتجاوز إجمالي ما يحصل عليه بعض القيادات الجامعية شهريًا نطاق الخمسة أصفار، بل ويقترب في بعض الحالات من ستة أرقام، نتيجة الجمع بين أكثر من مصدر دخل.

وتثير هذه الفجوة تساؤلات واسعة داخل المجتمع الأكاديمي حول مدى تحقيق العدالة في توزيع الموارد داخل الجامعات، خاصة في ظل اعتماد غالبية أعضاء هيئة التدريس على رواتب محدودة نسبيًا، وحوافز غير مستقرة، وهو ما يضع ملف الأجور في صدارة القضايا التي تتطلب مراجعة شاملة لضمان استقرار منظومة التعليم العالي.

الجريدة الرسمية