صمود إيران يفجر خلافا كبيرا.. باسم يوسف يحذر من “أوهام النصر”: الحرب رايحة في سكة وحشة.. ومي عزام ترد: إيران ليست غزة وما يحدث ثمن لابد منه لكسر الهيمنة والغطرسة الأمريكية والإسرائيلية
بينما تعلو أصوات القنابل على جبهة القتال في إيران، وتتزايد حدة الحرب وسط تصعيد خطير من الولايات المتحدة وإسرائيل، اندلعت على الفضاء الإلكتروني معركة أخرى بين فريقين، فريق يرى أن سقوط إيران وهزيمتها أو حتى استسلامها مسألة وقت مثلما حدث في غزة ولبنان، وفريق آخر يراهن على أن إيران ـ بالجغرافيا والتاريخ ــ ربما تكون نموذجا مختلفا، وربما أيضا تحقق المفاجأة وتكسر صورة الجبروت الأمريكي، والصورة التي يرسمها قادة واشنطن عن الجيش الذي لا يقهر.
الصراع بين وجهتي النظر هاتين بدا واضحا في مواجهة إليكترونية بين المذيع الساخر باسم يوسف، والكاتبة الصحفية مي عزام.
باسم الذي انتقل من مشرط الجراحة إلى مشرط النقد السياسي، خرج بنص يحمل رائحة "اليأس الواقعي"، محذرًا من تكرار "الخوازيق التاريخية"، وفي المقابل، جاء رد الكاتبة مي عزام كقراءة إستراتيجية ترفض القياس على الهزائم السابقة.
ينطلق باسم يوسف في رؤيته من "صدمات" الهزائم المتكررة، ويرى أن مشهد تدمير غزة رغم بطولات المقاومة، ومشهد سقوط بغداد رغم عنتريات "الصحاف"، هما السيناريو الأقرب للتكرار في طهران، ويحذر من أن نستيقظ “واكلين على قفانا” للمرة المليون، معتبرًا أن تعظيم الانتصارات العسكرية الصغيرة للإيرانيين هو مخدر موضعي ينتهي بانهيار شامل.
بينما ترفض مي تمامًا رؤية باسم وترى أن غزة كانت "حجرة من غير صالة" محاصرة جغرافيًا وتسليحيًا، وأن العراق في 2003 كان منهكًا بالعقوبات وخائرًا أمام لجان التفتيش، أما إيران اليوم، فهي "دولة كبرى" بوعورة جغرافية، وتصنيع عسكري ذاتي، ونظام عالمي جديد يتشكل في القلب منه (روسيا والصين) لم يكن موجودًا وقت سقوط بغداد.

بمشرط جراح قديم يضع باسم يده على جرح "الفجوة في القيمة"، ويتساءل بمرارة عن جدوى الاحتفال بقتل 10 جنود أمريكيين مقابل آلاف القتلى، ويرى أننا في مواجهة "شركات حرب" لا تبالي حتى بأرواح جنودها، فكيف ستبالي بأرواحنا؟ ويقول إن: الحرب بالنسبة لخصومنا هي "مضاربة بورصة" ومكاسب مليارات، بينما نحن ندفع الثمن جثثًا.
في الوقت نفسه لا تنكر مي عزام فداحة الثمن، لكنها تراه ثمنًا لا بد منه لكسر الهيمنة والغطرسة الأمريكية والإسرائيلية، وتشير إلى أن إيران هي الدولة الوحيدة التي "ضربت العمق الإسرائيلي" فعليًا، مما أحدث شرخًا في الثقة بين المستوطن وحكومته، وهو إنجاز يتجاوز الحسابات العددية الضيقة للقتلى، ليصل إلى هزيمة "فكرة الأمن الإسرائيلي" ذاتها.
يصف باسم الأعداء بأنهم "همج" لا رادع لهم، ويمتلكون الجرأة على استخدام السلاح النووي دون محاسبة، وهو يرى أن القوة الغاشمة لأمريكا لا تعترف بقواعد الأخلاق أو المنطق، وأن الصمود الملهم أمام "أقوى إمبراطورية في التاريخ" لا يمنع الحقيقة المرة وهي “الإبادة الشاملة”، بيتما ترى مي عزام أن "أمريكا اليوم" ليست "أمريكا مطلع الألفية"، هي دولة مثقلة بالديون، منقسمة داخليًا، وبقيادة (ترامب) الذي يفتقر للحلفاء الموثوقين ترى مي أن الرئيس المريكي الآن "عالق في المستنقع الإيراني"، يبحث عن مخرج يحفظ ماء وجهه بعد أن اكتشف أن الحرب مع إيران ليست "نزهة" كما تخيل.

يحذر باسم يوسف من "أوهام النصر"، ويعترف أن الصمود ملهم، لكنه يرفض أن نغدر بأنفسنا بالعشم الزائد، هو لا يدعو للاستسلام، بل يطالب بوعي "حجم الكارثة" القادمة، لكي لا تكون الصدمة مميتة حين تقع الواقعة، في حين تراهن مي على "شخصية الدولة"، وتفرق بين صدام حسين الذي غزا الكويت ليعوض خسائره، وبين القيادة الإيرانية التي "تتجرع السم" إن لزم الأمر (كما فعل الخميني) لكنها تبني قوتها لسنوات، وتعتقد أن الرهان هنا على "النفس الطويل" والقدرة على إعادة الإعمار دون انكسار الإرادة.
يقف باسم يوسف في خندق "الوعي بالهزيمة" خوفًا من الانكسار النفسي، بينما تقف مي عزام في خندق "التحليل الإستراتيجي" الذي يرى في المواجهة الحالية فرصة تاريخية لتغيير موازين القوى العالمية.
باسم يكتب بقلب "الموجوع" من تكرار المشهد، ومي تكتب بعقل "المحلل" الذي يرى أن التاريخ لا يعيد نفسه بنفس الأدوات.
وبين "عشم" مي و"يأس" باسم، تظل الحقيقة معلقة على فوهة المدافع في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة.
