رئيس التحرير
عصام كامل

ذكاء عابر للحدود، كيف نجحت إيران في هزيمة أمريكا وإسرائيل إعلاميا؟

المتحدث باسم مقر
المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء
18 حجم الخط

>> حضور قوي وسريع على مختلف منصات التواصل.. واستغلال مبهر لأدوات الذكاء الاصطناعي في الترويج للرواية الإيرانية

>> هجوم عكسي على ترامب في الدوائر المؤيدة له.. واستغلال “هجوم المدرسة” لكشف جرائم الأمريكان ضد المدنيين

 

منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضدها، أدركت  إيران أن المعركة لن تحسم فقط بالسلاح، ولن تنهيها الصواريخ الباليستية، ولن تنجح طائرات إف 35 ولا قاذافات الصورايخ ولا حتى القنابل المدمرة للتحصينات في وقفها، لأن للمعركة ساحة أخرى أهم وأخطر وأكثر تأثيرا، وهي الساحة الإعلامية، ويبدو أن إيران كان مستعدة لبسط نفوذها وسيطرتها في تلك الساحة، ونجحت في فرض سرديتها عن الحرب ليس في الغرب فقط ولكن حتى داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.

تبنى النظام الإيراني ما يمكن وصفه بـ  "الاستراتيجية الهجينة" في إدارة المعركة الإعلامية، خاصة في ظل التصعيد العسكري والسياسي من  واشنطن وتل أبيب، فبينما تُصنف إيران عسكريًا كقوة إقليمية، إلا أنها استطاعت في "معركة العقول" أن تمارس دور القوة العظمى.

لم يعد الأمر يقتصر على خطابات تقليدية، بل تحول إلى منظومة رقمية وسيكولوجية متكاملة تهدف إلى تفكيك الرواية الأمريكية والإسرائيلية برواية أخرى، صحيح أنها تتبنى الرواية الإيرانية لكنها، على الأقل، لا تترك الساحة فارغة أمام أكاذيب ترامب ونتنياهو.

نجحت طهران في فهم الخارطة السياسية الأمريكية المأزومة، واستغلت نقاط الضعف المجتمعية للوصول إلى الجمهور الأمريكي، مستغلة في ذلك حضورا قويا رسميا وغير رسمي للشبكات والمنظمات الإيرانية على صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي على منصات مثل إكس وبلوسكاي وفيسبوك وتيك توك، عبر عشرات الآلاف من الحسابات والقنوات، وملايين المنشورات، مع استغلال واضح لأدوات الميديا الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، الذي استخدمته طهران في صناعة فيديوهات محترفة لشرح حقيقة ما يجري على الأرض للمشاهد في أمريكا وأوروبا.

ولأن ــ كما يقولون في عالم كرة القدم ــ  خير وسيلة للدفاع هي الهجوم،  تبنت إيران خطة هجوم متقدم ونجحت في تضخيم المحتوى المرتبط بالاحتجاجات الداخلية الأمريكية، ولم يكن الهدف إقناع الأمريكيين بعدالة القضية الإيرانية، بل إقناعهم بـ "عدم عدالة" نظام الرئيس ترامب وانحيازه الواضح إلى إسرائيل، وخوضه حربا لا تعني الأمريكيين في شيء.

إيران في خطتها وحربها الإعلامية تخاطب "اليسار التقدمي" بلغة حقوق الإنسان والتحرر من الإمبريالية، بينما تخاطب "اليمين المحافظ" المؤيد لترامب من زاوية "الحروب الأبدية المكلفة" وعدم جدوى التضحية بالجنود الأمريكيين من أجل مصالح خارجية.

وحتى الإعلام والقنوات الرسمية الإيرانية لم تعد مجرد بوق للنظام، بل أعادت إيران هيكلتها، وغيرت من طبيعة المحتوى الذي تقدمه، واستخدمتها كرأس حربة في ضرباتها الناعمة ضد الصهاينة والأمريكان، فعندما أرادت طهران إرسال ردها على المقترحات الأمريكية لإنهاء الحرب، اختارت قناة Press TV الناطقة بالإنجليزية لنشر الشروط الخمسة (بما في ذلك دفع تعويضات ووقف الاغتيالات)، الرسالة هنا لم تكن موجهة لأحد سوى للشعب الأمريكي والكونغرس للضغط على البيت الأبيض، وهي الخطوة التي آتت أُكُلَها، وساهمت في ارتفاع أصوات تطالب بإنهاء الحرب ووقف التصعيد.  

في حربها داخل ساحات الإعلام الرقمي، استخدمت طهران حسابات آلية (Bots) تضخ عناوين متطابقة في فترات زمنية قصيرة لخلق حالة من "الارتباك المعلوماتي" لدى المشاهد الغربي، مستخدمة القدرات التي أتاحها الذكاء الاصطناعي في صناعة مواد تحقق انتشارا كبيرا في أوساط الأمريكيين، واعترف ترامب نفسه بأن إيران أصبحت "بارعة بشكل مذهل" في استخدام الذكاء الاصطناعي كسلاح لنشر معلومات تؤثر على الرأي العام الأمريكي.

 

تبنت إيران ما يمكن وصفه بـ"المظلومية المحترفة"، وأتقنت فن تحويل الهجمات العسكرية ضدها إلى مكاسب إعلامية، فبمجرد بدء الضربات الجوية في نهاية فبراير الماضي، ركزت الماكينة الإعلامية الإيرانية على "الأثر الإنساني" واستهداف المنشآت المدنية، مما أحدث شرخًا في الرواية الرسمية للبنتاجون التي كانت تركز فقط على تدمير الأصول العسكرية.

ظهر هذا بوضوح في استغلال استهداف إحدى مدارس البنات في طهران وسقوط مئات الضحايا من الطلاب، وتصدرت صور الضحايا مواقع التواصل الاجتماعي العالمية، ونجحت إيران في لفت أنظار المواطن العادي في أمريكا إلى جرائم الحرب التي ترتكبها حكومته في حق أبرياء عزل، واضطر ترامب ووزير حربه أكثر من مرة لمحاولة نفي الواقعة في البداية، لكن الأمر انتهى بتشكيل لجنة للتحقيق في الواقعة.

تستخدم إيران "فجوة التوثيق"؛ فبينما يفرض النظام تعتيمًا كاملًا على الإنترنت داخليًا لإخفاء أي تجاوزات، يقوم بتسريب فيديوهات مختارة بعناية تعزز رواية "العدوان الخارجي" وتجعل المواطن الأمريكي والغربي أمام روايتين وليس رواية واحدة مصنوعة بعناية من أجهزة استخباراته.  

إيران لم تنجح لأنها تمتلك إعلامًا "أقوى"، بل لأنها تمتلك إعلامًا "أكثر مكرًا"، فهي لا تحاول بناء صورة مثالية لنفسها، بل تعمل كـ "مكبر صوت" للعيوب الموجودة بالفعل في النظام السياسي الأمريكي، والسر يكمن في أن طهران لا تخوض المعركة كـ "دولة ضد دولة"، بل كـ "رواية ضد رواية"، وهي تدرك أن المشاهد الأمريكي في 2026 أصبح أكثر تشككًا في مؤسساته، وهو ما استغلته بذكاء عابر للحدود.

الجريدة الرسمية
عاجل