رئيس التحرير
عصام كامل

السفير المصري الأسبق لدى تل أبيب عاطف سالم لـ"فيتو": نتنياهو يعتبر مصر عدوًا.. الصواريخ الإيرانية كشفت ثغرات الدفاع الإسرائيلي.. المعادلة الإقليمية تتغير مع ضعف إيران وتوسع الصراع متعدد الجهات

السفير عاطف سالم،
السفير عاطف سالم، فيتو
18 حجم الخط

في لحظة إقليمية فارقة تتقاطع فيها نيران المواجهة مع حسابات السياسة، تقف مصر في صدارة المشهد، تمسك بخيوط التوازن الدقيق بين التصعيد والتهدئة، بينما تتصاعد الحرب بين طهران وتل أبيب، وتتشابك خطط بنيامين نتنياهو مع دعم أمريكي واسع، وأهداف استراتيجية تتجاوز حدود الميدان إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، وسط خريطة معقدة من الأعداء والتحالفات، وتحديات تهدد استقرار المنطقة بأكملها.

في هذا السياق، أجرت "فيتو" حوارًا خاصًا مع السفير عاطف سالم، السفير المصري الأسبق لدى إسرائيل، كشف خلاله عن قراءة موسعة للمشهد الإقليمي، شملت المنظومة الدفاعية الإسرائيلية، طبيعة الدعم الأمريكي، أهداف حكومة بنيامين نتنياهو، خريطة الأعداء، واحتمالات تحول الصراع إلى حرب إقليمية مفتوحة، إضافة إلى الدور المصري المحوري في ضبط الإيقاع الإقليمي.. فإلى نص الحوار


إلى أي مدى كشفت الضربات الإيرانية الأخيرة عن ثغرات حقيقية في المنظومة الدفاعية الإسرائيلية؟

إسرائيل تمتلك منظومة دفاع جوي، كالتالي: درع الضوء إنتاج محلي تنتجه شركتا رافائيل وألبيت سيستمز، ومداه حوالي 7 كيلومتر، وتمتلك القبة الحديدية ومداها حوالي 70 كيلومترا، وتكلفة الصاروخ فيها حوالي 50 ألف دولار، والقبة الحديدية تحتاج إلى تحديث من آن إلى آخر، في درع الضوء تستخدم تقنية الليزر، ولديها مقلاع داوود ويصل مداه من 40 إلى 300 كيلومتر، ودخل الخدمة سنة 2016، وتكلفته حوالي مليون دولار، ولديها سهم 2 وتكلفته حوالي 3 ملايين دولار، وتم تطويره في إسرائيل بالتعاون مع شركة بوينج الأمريكية، ولديها صاروخ اسمه سهم عابر للقارات قيد التطوير، كما لديها القبة الواقية التي تطلق صواريخ من السفن الحربية، تم استهلاك هذه المنظومات بشكل كبير جدًا في حروب سابقة وليست الحرب الإيرانية الحالية، لا سيما حرب غزة وحرب الـ12 يومًا مع طهران، بكل تأكيد هناك عجز في منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلي، ولكن الولايات المتحدة تعوض هذا العجز، حيث أرسلت واشنطن منذ أسبوعين لتل أبيب صواريخ وذخائر بقيمة 2.6 مليار دولار، أي نعم هناك استنزاف للمنظومة الدفاعية الإسرائيلية وهناك تناقص في المخزون ولكن أمريكا تغطي أي نقص، في نفس الوقت إيران أطلقت أكثر من 450 صاروخًا باليستيًا منذ بداية الحرب الجارية، وأطلقت المئات من المسيرات، طبعًا إلى جانب حزب الله اللبناني الذي يطلق صواريخ من كل اتجاه. مشكلة إسرائيل في أمرين: قلة الصواريخ الدفاعية أو الاعتراضية التي تحاول الولايات المتحدة تعويضها، والأمر الثاني يتمثل في أن بعض المناطق في الأراضي المحتلة غير مجهزة بشكل كافٍ.

ما دلالة استهداف مواقع حساسة في ديمونة وعراد؟

لا نستطيع القول بأن هذا يمثل ضعف الردع الإسرائيلي، ولكن بعض الصواريخ الإيرانية قدراتها الفرط صوتية، واستخدامها القنابل العنقودية في الداخل وتفرعها ما بين 10 قنابل أو شظايا إلى 15 شظية، كان له تأثير أعلى في استهداف إسرائيل، لأن الاستجابة لم تكن عالية بالنسبة للدفاع الجوي الإسرائيلي الذي يتبع القوات الجوية الإسرائيلية منذ 2016 وليس سلاحًا منفصلًا.

هل تآكلت صورة الردع الإسرائيلي بعد الضربات الإيرانية؟

هذا موضوع مفتوح لأن إسرائيل لا تحارب بمفردها، فهي لا تستطيع الدخول في حرب ضد إيران أو ضد أي دولة وحدها، وما حدث هذه المرة إنه لأول مرة في تاريخ إدارة الأزمات في الشرق الأوسط أن يجتمع الجانب الإسرائيلي مع الولايات المتحدة في حرب مشتركة، كانت في السابق في عملية إدارة الحرب إسرائيل تخوض الحرب بمفردها وتزود بصواريخ وأسلحة ومستشارين ضد الدولة المعادية لها، ولكن لأول مرة الولايات المتحدة تدخل على خط الهجوم إلى جانب تل أبيب، وإنشاء غرفة عمليات مشتركة ما بينهم لمحاربة إيران، وبالتالي عملية قوة الردع ليس من جانب إسرائيل وحدها، ولكنه أيضًا من خلال الولايات المتحدة، وإلى جانب المساعدات الأخرى التي تصل من دول أخرى.

هل يتخوف صناع القرار في إسرائيل من توجه الإعلام الأمريكي للحديث عن وقف إطلاق النار؟

عملية تخوف الإسرائيليين مما ينشر في الإعلام الأمريكي من احتمال التوصل إلى اتفاق مع إيران ووقف إطلاق النار، هذا كلام جاهز للإعلام، فيه ضغوط تتم على الجانب الأمريكي، وهناك اتصالات مستمرة وتنسيق، كل ما ينشر أن هناك خلافات أو ضغوط، كلا غير صحيح، الحقيقي أن هناك تنسيقًا ما بين الجانبين الأمريكي والإسرائيلي، والولايات المتحدة كانت تدرك أن إسرائيل لا تستطيع وحدها الدخول في حرب مع إيران، حاول نتنياهو أكثر من مرة، وأعتقد فترة 2009 حينما كان يهود باراك وزيرًا للدفاع، وجمعوا مجموعة كبيرة من المؤسسات الأمنية والجيش لدراسة الحرب على إيران، وتوصلوا لنتيجة بأن تل أبيب لا تستطيع الحرب بمفردها، وبعدها بفترة حاول نتنياهو مرة أخرى بعد عدة أعوام مع تغيير الطاقم الأمني، وكانت التوصية بعدم دخول إسرائيل بمفردها أي حرب.

الظروف الحالية متاحة بالنسبة لإسرائيل، أولًا بسبب ضعف إيران، كما أن وكلاءها أصبحوا أكثر ضعفًا، وحزب الله اللبناني فقد قدرًا كبيرًا من عملية الردع باغتيال قياداته، وقلة حصوله على الأسلحة، وخروج إيران من سوريا، عملية ضعف إيران كانت فرصة مواتية لتل أبيب للدخول في الحرب بمساندة أمريكية.

هل نحن أمام حرب تكتيكية طويلة بين إيران والكيان الصهيوني وأمريكا؟

هذا يتوقف على إمكانيات كل طرف ومدى قدرته على الاستمرار في الحرب لفترة طويلة، والأسلحة المتوفرة لدى كل طرف، الحرب بالنسبة للطرفين حرب وجودية، ولكن سيترتب عليها أمور كثيرة جدًا في المستقبل، سواء كانت حربًا طويلة أو قصيرة، النتائج ستكون صعبة للغاية.

هل نحن أمام مواجهة مفتوحة بين إيران وإسرائيل أم أن هناك خطوطًا حمراء لم يتم تجاوزها بعد؟

الحرب قد تتوسع، ولاحظنا عدم تدخل حزب الله إلا بعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، باعتباره الزعيم الروحي للشيعة، وهذه حرب عقائدية تدخل فيها العقيدة، ودخلوا بشدة مع اعتراض الحكومة اللبنانية، إيران جمدت دخول الحوثيين الحرب لفترة، لاستخدامهم في مرحلة لاحقة تشمل إطلاق صواريخ، واختراق أراضٍ، وإغلاق باب المندب، واستهداف السفن في البحر الأحمر، وحاليًا وكلاء إيران في العراق واليمن ولبنان انطلقوا الآن دعمًا ومساندة لإيران ضد إسرائيل وأمريكا، بتحريك من طهران، وهذا يشكل قوة لصالح طهران.

ما هي الأهداف الحقيقية لإسرائيل في حربها على إيران؟

منع التطور النووي الإيراني وعدم امتلاكها سلاحًا نوويًا، وإزالة برنامج الصواريخ الباليستية أو تخفيض مداها بمدى لا يزيد عن 300 كم حتى لا تهدد إسرائيل، الطلب الإسرائيلي فرض معادلة صفرية للمشروع النووي الإيراني على غرار ما تم في ليبيا عهد معمر القذافي بأن تكون المعادلة صفرية، لا تخصيب لليورانيوم في إيران، وما تم تخصيبه بنسبة 60% يتم تسليمه، إما للوكالة الدولية للطاقة الذرية أو لروسيا، بحيث لا تستخدمه إيران في مرحلة لاحقة.

وماذا عن سيطرة إيران على مضيق هرمز واستخدامه ضد أمريكا؟

هذا تطور نوعي بالنسبة لإيران، إشكالية كبيرة لواشنطن لن تُحل سريعًا وستأخذ عدة أشهر.

ما الذي يمثله انتصار إسرائيل على إيران حال تحقق وفقًا للخطة الصهيونية؟

إسرائيل تعتقد أن الخطر الإيراني عندما يتراجع يؤهلها أن تكون القوة المهيمنة في منطقة الشرق الأوسط، وتفرض نفسها كلاعب هام واستراتيجي في مجال التكنولوجيا والاقتصاد والعسكري، وبناءً عليه تستطيع تهميش القضية الفلسطينية.

لكن الواقع الحالي يشير إلى أن هناك تطورات مفاجئة كثيرًا ما تخرج عن نطاق التقديرات المسبقة، فحزب الله اللبناني رغم أزماته العميقة وعدم تعافيه من المواجهات العسكرية السابقة، وما يواجهه داخليًا من انقسام سياسي مرتبط بملف السلاح وضغوط النزوح، إلا أنه أظهر جاهزية لخوض مواجهة واسعة مع إسرائيل، مع التركيز على هدف استراتيجي يتمثل في دفع إسرائيل إلى إخلاء مناطق الشمال، وهو ما يُنظر إليه كنوع من تحقيق مكسب ميداني عبر خلق واقع يشبه المنطقة العازلة داخل العمق الإسرائيلي. وقد انعكس ذلك بشكل واضح خلال حرب "طوفان الأقصى"، سواء في جبهة غزة أو في الجبهة الشمالية نتيجة التصعيد مع حزب الله في عهد حسن نصر الله، ما أدى إلى أزمة كبيرة في الاستقرار الأمني داخل تلك المناطق. ولا تزال تداعيات ذلك قائمة حتى الآن، فلم يعد الإسرائيليون إلى مناطق غلاف غزة، بما يعكس أن مسار الصراع في المنطقة لا يسير وفق معادلات ثابتة، بل يتغير باستمرار تحت تأثير تطورات ميدانية مفاجئة.

برأيك متى يأتي الوقت لنشهد زوال إسرائيل؟

السياسات الإسرائيلية الحالية، خاصة مع التوسع العسكري والاستيطاني، قد تؤدي في المستقبل إلى زوالها، وتقويض استقرارها، دون أن يعني ذلك تحقق هذا السيناريو قريبًا. فإسرائيل تواجه قيودًا واضحة تتعلق بمحدودية الأرض والسكان، إلى جانب اعتماد كبير على الدعم الخارجي في الاقتصاد والتكنولوجيا والتصنيع، خصوصًا من الولايات المتحدة والشركاء الغربيين. كما أن استمرار التوسع يبدو غير مستدام في بيئة إقليمية متوترة تزداد فيها حالة العداء وعدم الاستقرار، خصوصًا بعد تطورات غزة الأخيرة. ورغم محاولات بناء تحالفات إقليمية ممتدة تاريخيًا وحديثًا، فإن التحديات البنيوية والسياسية تظل قائمة، ما يجعل مستقبل إسرائيل عرضة لضغوط كبيرة على المدى الطويل دون توقع زوالها في الأجل القريب.

وفقًا للرؤية الصهيونية.. ما هو ترتيب الأعداء بالنسبة لإسرائيل بالمنطقة؟

إيران تمثل التهديد الأول لإسرائيل، تليها مصر ثم تركيا، وتل أبيب تستعد لمواجهة إيران منذ أكثر من 20 عامًا مع وجود تباينات داخل مؤسساتها حول توقيت أي مواجهة مباشرة، ونجد أن الدعم الأمريكي، خصوصًا في عهد الرئيس دونالد ترامب، ساعد إسرائيل على تجنب مواجهة منفردة مع إيران. المرحلة التالية في التصور الإسرائيلي قد تتجه نحو التعامل مع مصر كقوة إقليمية مؤثرة، مع التأكيد على أن معاهدة السلام لعام 1979 لا تزال قائمة، لكنها تشهد توترات واختراقات سياسية وأمنية تنعكس على العلاقات بين الجانبين، في ظل اتهامات متبادلة بشأن التأثير على المصالح الاستراتيجية، خاصة في ملفات التسليح والمشروعات الإقليمية، وهو ما ينعكس على نظرة سلبية متصاعدة في بعض الدوائر تجاه السياسات الإسرائيلية في المنطقة.

كيف ينظر نتنياهو لـ مصر؟

يرى بنيامين نتنياهو أن مصر تُعامل كدولة عدوة، بينما تعتبر المعارضة الإسرائيلية، مثل يائير لابيد، أن الحفاظ على علاقة متوازنة مع مصر ضروري لاستقرار إسرائيل ومصالحها الإقليمية، فيما تحذر بعض الدراسات الإسرائيلية من تقليل أهمية الدور المصري لما لذلك من مخاطر استراتيجية طويلة المدى.
العلاقات بين مصر وإسرائيل تمر بحالة توتر غير مسبوقة، ووصلت إلى أدنى مستوياتها، مع غياب تبادل السفراء وإدارتها عبر قائم بالأعمال فقط، في ظل تراجع واضح في مستوى التعاون السياسي.
السياسات الإسرائيلية في الفترات الأخيرة "غير مقبولة"، أدت إلى خلق مشاعر عداء قوية تجاه إسرائيل في المجتمعات العربية، بما في ذلك المجتمع المصري.

كيف توازن مصر بين حماية أمنها القومي ومنع امتداد الحرب، دون الانخراط المباشر في الصراع؟

مصر ليست بمعزل عن التطورات بالمنطقة، وتحركها الدبلوماسي لم ينقطع في محاولة للتهدئة ووقف الحرب الإيرانية، وهناك اتصالات وتحركات هامة لوزير الخارجية، وزيارات للرئيس عبد الفتاح السيسي لمنطقة الخليج، ومصر مدركة للتداعيات الاقتصادية والأمنية الوخيمة على المنطقة والعالم كله، وبالتالي مصر وتركيا وباكستان قاموا ببعض الأنشطة والإجراءات والاتصالات ما بين ترامب وطهران مهدت لهدنة الـ5 أيام، وحاولت القاهرة في إطار جهود إقليمية ودولية خفض التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة أو حرب طاقة شاملة.

من جانبه، الرئيس السيسي قام بجولات لدول خليجية في رسائل تضامن مع الدول المتضررة، وأنشأ قنوات مفتوحة مع الجميع، مصر تدير العملية بشكل حرفي باعتبار إن الفكر المصري هو السلام كخيار استراتيجي في السياسة الخارجية المصرية، بالنظر إلى ما تم في شرم الشيخ وما يتم حاليًا في إسلام آباد، مصر مدركة للمخاطر وتحاول بشكل قوي الانخراط في منع التصعيد.

الجريدة الرسمية