محمد سعد "لف وارجع تاني"، لم يستغل نجاح "الدشاش" وأزمة الاقتباس يكشفها "فاميلي بيزنس"
بعد النجاح الذي حققه فيلم الدشاش العام الماضي، والذي أعاد الفنان محمد سعد إلى دائرة الاهتمام وحقق تفاعلًا جماهيريًا ملحوظًا، تصاعدت توقعات الجمهور بشأن خطواته السينمائية التالية، خاصة مع عودته بفيلم فاميلي بيزنس ضمن موسم أفلام عيد الفطر.
Parasite 2019
غير أن هذه التوقعات لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما دخل العمل في دائرة الجدل، بعدما وجهت إليه عدد من الاتهامات بالتشابه مع الفيلم الكوري الجنوبي الشهير Parasite إنتاج عام ٢٠١٩، والحائز على عدة جوائز أوسكار.
قصة فيلم فاميلي بيزنس
يعتمد فيلم فاميلي بيزنس على خط درامي يدور حول عائلة فقيرة تنجح في التسلل للعمل داخل منزل أسرة ثرية، مع إخفاء صلة القرابة بينهم، في إطار كوميدي اجتماعي، وهو ما دفع كثيرين إلى عقد مقارنات مباشرة مع Parasite، الذي تناول فكرة شبيهة لكن عبر معالجة أكثر تعقيدًا وعمقًا.
وقد أعادت هذه الاتهامات إلى الواجهة نقاشا قديما متجددا حول الاقتباس وحدوده، والخط الفاصل بينه وبين السرقة، ومدى قدرة صناع السينما على إعادة تقديم الأفكار بشكل جديد.
الاقتباس في عيون النقاد
وفي تعليق لها على المقارنة بين العملين، أكدت الناقدة ماجدة خير الله أنها لم تستكمل مشاهدة فيلم فاميلي بيزنس، لأنها علمت المسار الذي يتحرك فيه العمل، مشيرة إلى أنها لم تزعج نفسها بمشاهدته فتفسد قيمة الفيلم الأصلي، قائلة: "لا يمكن إن "فاميلي بيزنس" يكون له علاقة بفيلم Parasite لأنهم مش ممكن يفهموا معناه وقيمته".
“خير الله” قالت: إن ما تم اقتباسه لا يتجاوز الخط الدرامي السطحي، وتابعت " إنما هل حد فيهم فهم فحوى الموضوع أو إيه الهدف أو إيه القيمة؟ لا طبعا دول ناس جاية تهرج"، وتابعت ماجدة خير الله: "ياريتهم كانوا اقتبسوه بالفهم كان هيطلع حاجة معقولة تخدمهم لكن للأسف هما ما عرفوش يعملوا كده"، مشيرة إلى أنه من العبث محاولة القول إن هناك تشابها بين العملين، باستثناء "الحتة الخايبة" على حد وصفها، وهي فكرة وجود عائلة تعمل لدى أخرى، قائلة: "زي مثلًا فيلم في ناس بتتجوز وفيلم تاني في ناس بتتجوز.. كل التفاصيل مختلفة".
وفي سياق متصل وصفت ماجدة خير الله العمل بالسطحية وكذلك الأفلام التي تعتمد على الاقتباس السطحي، مستشهدة بفيلم محمد حسين لـ محمد سعد أيضًا والذي اقتبس فكرة رسم اللوحات على الظهر من عمل لـ"كوثر بن هنية"، مؤكدة أن محمد سعد بحاجة إلى أن ينقذ نفسه وأن "يتعب شوية" ويقدم أعمالا جيدة.
وفي المقابل، أوضحت ماجدة خير الله أن السينما الأمريكية تقتبس من السينما الإيطالية وكذلك الكورية، مشيرة إلى أن هذا أمر معروف وأن هذا لا يمثل "قلة إبداع" خاصة أن صناع هذه الأعمال تحرص على الإشارة إلى المصدر الأصلي للاقتباس، ولا يرون في ذلك أي مشكلة، إلى جانب بذل جهد كبير في الإضافة، وتقديم وجهة نظر مختلفة، وقالت: " الأحداث قد تكون متشابهة بس في وجهة نظر عايزين يأكدوا عليها.. إنما بالنسبة لفيلم Parasite فعلا في أبعاد لا يمكن تكون خطرت في بال الجماعة بتوع الفيلم.. يعني محمد سعد والمجموعة".
كما أشارت إلى أن بعض الأفلام الأمريكية تعيد إنتاج نفسها أكثر من مرة، كما هو الحال في فيلم You've Got a Mail الذي تم تقديمه ثلاث مرات في سنوات مختلفة، وأشارت إلى أن السينما المصرية بها كم ضخم جدا من الأفلام المقتبسة سواء من السينما الأمريكية أو الإيطالية أو الفرنسية، وصفتها بالأفلام العظيمة، وذلك لأن من كان يقتبس كان، وفقًا لها: " فاهم هو ياخد إيه.. أو إيه اللي عجبه.. وبيضيف كم من الأحداث تخصنا إحنا لدرجة صعب التخيل إن ده فيلم مقتبس أو ليه أصل أجنبي"، وضربت مثالًا بفيلم يوم من عمري لعبد الحليم حافظ المقتبس من فيلم إجازة في روما، مؤكدة أن العملين مختلفين وأن فيلم عبد الحليم حافظ شخصياته مصرية وكذلك أحداثه، واختتمت حديثها مؤكدة أن الأزمة ليست في الاقتباس بل من الذي يقتبس، وماذا يقتبس.
وفي قراءة أوسع لظاهرة الاقتباس في السينما، وبعيدًا عن التشابه بين فيلمي فاميلي بيزنس وParasite، أوضح الناقد محمود قاسم، في تصريحات خاصة، أن الاقتباس ليس ظاهرة حديثة، بل موضوع قديم وسبق أن تناوله في أحد كتبه الذي أعيدت طباعته سبع مرات.
وأشار إلى أن الاقتباس يقوم في الأساس على وجود فكرة رئيسية في عمل أجنبي، يلتقطها المؤلف، ثم يعيد كتابتها مع إضافة تفاصيل جديدة، ويعمل على “تمصيرها” بما يتناسب مع البيئة المحلية، قبل تقديمها للجمهور، الذي قد يتقبلها أو لا، مؤكدًا أن "كل فيلم بحالته ووضعه"، فهناك أعمال نجحت رغم اقتباسها، مثل شمس الزناتي، في مقابل أعمال أخرى كانت ضعيفة.
ونفى قاسم ما يتردد حول محدودية الأفكار الدرامية، مشيرًا إلى أن بعض المؤلفين يحصرونها في عدد معين، وهو ما لا يتفق مع واقع التجارب الفنية، خاصة في المسرح التجريبي والمسرح الفرنسي ومسرح العبث، التي قدمت رؤى وأفكار متعددة ومتجددة، جعلت الموضوعات لا نهائية، مؤكدًا أن "كل موضوع له طعمه الخاص".
وفيما يتعلق بالحد الفاصل بين الاقتباس والسرقة، شدد على أن الشفافية هي العنصر الحاسم، قائلًا: "من حقك تقتبس.. بس قول إن ده متاخد من العمل الفلاني"، وعن تأثير الاقتباس على صناعة السينما المصرية، أوضح أنه قد يسهم في تنشيطها، حيث يلجأ بعض المؤلفين إلى أعمال ناجحة ومجربة بدلًا من المخاطرة بأفكار جديدة قد تشوبها الأخطاء أو التناقضات، خاصة أن الأعمال الأجنبية غالبًا ما تكون نتاج شركات إنتاج كبرى، وتخضع لمراجعات وتكون حاصلة على جوائز فضلًا عن ارتباطها بأسماء مؤلفين بارزين، ما يجعلها "مضمونة"، ورغم ذلك، اختتم قاسم حديثه بالتأكيد على أنه من الأفضل أن "يتعب" المؤلفين أنفسهم وأن يقدموا أفكارا أصلية حتى يكون هناك فن خالص وحقيقي.
وفي النهاية، يبقى الجدل حول فيلم فاميلي بيزنس جزءًا من نقاش مستمر وواسع حول فكرة الاقتباس في السينما وحدودها وكيفية التعامل معها.
