انتهى الدرس يا ترامب.. الجارديان: حرب إيران تكشف فشل سياسة "أمريكا أولًا" وتفضح ثغرات القدرات الدفاعية لبلاد العم السام.. والصين المستفيد الأكبر
في العام الماضي جاء رد الصين على الرسوم الجمركية، واليوم يأتي رد إيران على الضربات الجوية الأمريكية، فيما يواصل شعار "أمريكا أولا"، الذي يرفعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التعثر أمام حقائق الاقتصاد العالمي.
بهذه العبارة الافتتاحية، نشرت جريدة "ذا جارديان" البريطانية مقال رأي كتبه الكاتب البريطاني رافائيل بير، مؤكدا أن "الهجوم الأمريكي على إيران كان من المفترض أن يكون استعراضا مبهرا للتفوق العسكري، لكنه بدلا من ذلك كشف ثغرات في الدرع الأمريكي، فيما بدا ترامب بطيئا في استيعاب الدرس".
يقول بير: ترسانة الرئيس الأمريكي الضخمة لا تستطيع إشعال انتفاضة من معارضة إيرانية مقموعة ومفتقدة للقيادة، كما لا يمكنها إجبار السفن التجارية على عبور وابل من الصواريخ والطائرات المسيرة في مضيق هرمز. فالحكومة في طهران، والحقائق الجغرافية التي تمنحها نفوذا على التجارة العالمية، لم تتغير.
ويضيف: يبدو إحباط ترامب واضحا؛ إذ يدعو أطقم ناقلات النفط إلى "إظهار بعض الشجاعة" و"الإبحار في مناطق الخطر"، ويطالب أعضاء حلف شمال الأطلسي بتوفير مرافقة بحرية، ويتهمهم بالجبن ونكران الجميل عندما يرفضون. ويظهر بمظهر المتذمر والمضطرب، والعجز لا يليق بصاحب السلطة.
الحرب الإيرانية كشفت قصر النظر الاستراتيجي الأمريكي
وبحسب الكاتب البريطاني الذي اشتهر بكتابة افتتاحيات "ذا جارديان" منذ عام 2014، كانت الحرب الأمريكية على إيران "درسا قاسيا في قصر النظر الاستراتيجي في واشنطن. أما بالنسبة للقيادة الإيرانية، فقد أصبح البقاء بحد ذاته نوعا من النصر؛ أما بنيامين نتنياهو فكان يأمل في نظام إيرانيا أكثر ودا؛ لكن نظاما معاديا جرى تدمير قدرته على تهديد إسرائيل يعد نتيجة مقبولة كخيار ثان من وجهة نظره".
ويتابع: كل يوم تستمر فيه إيران في تقييد تدفق النفط والغاز إلى الاقتصاد العالمي يجبر ترامب على إهدار الأموال واستنزاف الهيبة الأمريكية؛ ولن يكون المستهلك الأمريكي محميا بكون بلاده مصدرا للطاقة. فالأسعار التي يدفعها عند محطات الوقود – وكذلك معظم السلع الأخرى بسبب انتشار مشتقات النفط في الصناعة والزراعة- ترتبط بالسوق العالمية. وقد تبدو مزاعم ترامب بشأن القضاء على التضخم، التي لم تكن مقنعة أصلا لكثير من الناخبين، مهينة بشكل واضح قريبا.
ترامب يعاني من سوء التقدير العسكري
"هذا ليس مجرد درس في سوء التقدير العسكري؛ ولم يكن سرا أن إيران قادرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وكانت أجهزة الاستخبارات تفترض أن ذلك ضمن أولى خطوات الرد الإيراني. ولهذا السبب قاومت الإدارات السابقة النزعة المتشددة التي انجرف إليها الرئيس الحالي بسهولة"، يقول بير.
ويتابع: الفرق الجوهري هو أن ترامب لا يبدو مؤمنا بالترابط الاقتصادي العالمي؛ ربما سمع ترامب عن سلاسل الإمداد، وواجه تكاليف الإنتاج خلال عمله كمطور عقاري، لكن هذا كله يبدو ضئيلا مقارنة بصواريخ "توماهوك" والغواصات النووية. فهو معتاد على العمل في بيئات يمكن لإرادته، المدعومة بتهديد القوة الساحقة، أن تزيل أي عقبة. كما يتبنى رؤية "صفرية" للعلاقات، تمنعه من إدراك المصالح المشتركة، ويقيس النجاح بمدى الإذلال الذي يلحقه بالطرف الآخر.
العولمة الاقتصادية مؤامرة ضد المصالح الأمريكية
يقول بير: تجد هذه النزعات صدى لها في عقيدة حركة "ماجا" اليمينة الأمريكية، والتي اتخذت اسمها من الأحرف الأولى لشعار حملة ترامب الانتخابية "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا"؛ حيث تنظر حركة ماجا إلى العولمة الاقتصادية باعتبارها مؤامرة ضد المصالح الأمريكية. ووفق هذا التصور، فإن فترة الازدهار الأمريكي والهيمنة العالمية بعد الحرب الباردة لم تكن سوى خدعة؛ إذ قوض الأجانب الصناعة المحلية بصادراتهم الرخيصة، وسمح سياسيون "خونة" بتسرب وظائف الطبقة العاملة إلى الخارج.

ويضيف: لقيت رسالة "ماجا" صدى أوسع، مدفوعة بحنين إلى "عصر ذهبي" أمريكي يجري تخيله. وهذا المزيج من التذمر الاقتصادي والثقافي يشكل أساس قاعدة ترامب الانتخابية. وأداته المفضلة لاستعادة "المجد الوطني" هي الرسوم الجمركية، التي وصفها بأنها "أجمل كلمة في القاموس".
خدعة الرسوم الجمركية
تقوم فكرة الرسوم الجمركية على أنها تجلب الإيرادات من الأجانب، مما يسمح بخفض الضرائب على الأمريكيين، وفي الوقت نفسه تقيد الواردات وتنعش التصنيع المحلي. لكن الواقع مختلف؛ فهي تفرض كضريبة على المستوردين، وفي النهاية يتحمل المستهلك الأمريكي التكلفة عبر ارتفاع الأسعار. كما أن هدف جمع الإيرادات يتناقض مع هدف تقليص التجارة؛ إذ لا يمكن تحصيل الأموال من سلع لم تعد تستورد، وفق بير.
ويستطرد: كانت هذه مجرد عيوب نظرية قبل التطبيق الفوضوي فيما وصفه ترامب بـ"يوم التحرير"، حيث استهدفت كل دول العالم تقريبا بخوارزمية بدائية لا تميز بين الحلفاء والخصوم. فاهتزت الأسواق، واضطر ترامب إلى التراجع جزئيا.ولاحقا، قضت المحكمة العليا الأمريكية بعدم دستورية الأساس القانوني لهذه الرسوم، فيما تحاول إدارة ترامب إعادة بناء سياستها التجارية.
الصين المستفيد الأكبر من سياسات ترامب
يقول بير: المستفيد الأكبر من هذه الفوضى هو الصين. فقد دخل الرئيس الصيني شي جين بينج المواجهة مدركا نقاط ضعف الولايات المتحدة، وكيفية استغلالها ضمن سياق الترابط الاقتصادي. وردت بكين، إلى جانب الرسوم المضادة، بتقييد صادرات المعادن النادرة التي تهيمن عليها، وهي ضرورية للصناعات الأمريكية المدنية والعسكرية. فتراجع ترامب، وأُعلنت هدنة تجارية.
ويتابع: كان من المقرر أن يزور ترامب بكين، لكن تم تأجيل الزيارة بسبب انشغاله بالشرق الأوسط. ولم يكن الجانب الصيني مستاء؛ حيث فضل جين بينج تجنب مخاطر استضافة رئيس غير مستعد ومضطرب؛ ويشير تأجيل الزيارة إلى رئيس أمريكي تائه وسط تحولات عالمية ظن أنه قادر على التحكم بها. فقد توقع ترامب أن ترسل الصين سفنا حربية لمرافقة السفن في مضيق هرمز، وهو أمر غير واقعي ويعكس انفصالا عن الواقع الجيوسياسي.
ترامب يقود العالم لحرب أكثر تدميرا
كما أن رفض قادة حلف شمال الأطلسي وضع قواتهم البحرية تحت تصرف ترامب يعكس عزوفا عن التورط العسكري، واستعدادا متزايدا لقول "لا" لرئيس يرى الموافقة ضعفا، بحسب بير.
ويختتم الكاتب البريطاني مقاله قائلا: كان الرئسي الصيني أسرع في استيعاب هذا الدرس، بل وقدم درسا مضادا لنظيره الأمريكي؛ حيث أدرك مبكرا أهمية فهم حقائق العولمة، وقوة السيطرة على الموارد، وأن أقوى الدول ليست بمنأى عن منطق الترابط الاقتصادي. لكن ترامب بطيء التعلم، ولم يدرك بعد أن "أمريكا أولا" فشلت كسياسة تجارية، وها هو يختبرها في الحرب بنتائج أكثر تدميرا.




