رئيس التحرير
عصام كامل

رفعت فياض يكتب: ربط التعليم الجامعي بسوق العمل ضرورة وطنية، تحرك سريع من الأعلى للجامعات ووزير التعليم العالي بعد التوجيهات الرئاسية، غياب قاعدة بيانات دقيقة للتخصصات تمثل التحدي الأكبر

رفعت فياض
رفعت فياض
18 حجم الخط

سعدتُ كثيرًا بسرعة التحرك من جانب المجلس الأعلى للجامعات ووزير التعليم العالي والبحث العلمي للاستجابة للتوجيهات الرئاسية بشأن ربط البرامج الدراسية في الجامعات باحتياجات سوق العمل.

فهذه الخطوة تمثل بداية مهمة لمعالجة واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في منظومة التعليم العالي، وهي الفجوة المتزايدة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل على المستويات المحلي والإقليمي والدولي.

وقد قرر المجلس الأعلى للجامعات البدء فورًا في مناقشة آليات تنفيذ هذه التوجيهات، من خلال إعداد دراسة شاملة لخريطة سوق العمل بالتعاون مع مختلف الجهات المعنية، مع وضع آليات تنفيذية تضمن الانتهاء من كافة الدراسات المطلوبة خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر.

وفي إطار هذا التحرك، وافق المجلس على تشكيل لجنة عليا برئاسة الدكتور السيد عبد الخالق وزير التعليم العالي والبحث العلمي الأسبق، وعضوية عدد من القيادات الجامعية البارزة، من بينهم الدكتور رشدي زهران رئيس جامعة الإسكندرية الأسبق كمقرر للجنة، والدكتور عادل زايد نائب رئيس جامعة القاهرة لشئون الطلاب ومحافظ القليوبية الأسبق، والدكتور ماجد نجم رئيس جامعة حلوان الأسبق، والدكتور السيد دعدور رئيس جامعة دمياط السابق، إضافة إلى الأمناء العامين للمجالس العليا للجامعات الحكومية والأهلية والخاصة.

غير أن المفارقة اللافتة أنني فوجئت – خلال الساعات القليلة الماضية – ببعض أعضاء هذه اللجنة، الذين تربطني بهم علاقات قديمة وقوية، يؤكدون أنهم لم يتلقوا حتى الآن إخطارًا رسميًا بقرار تشكيل اللجنة، وهو أمر يثير التساؤل حول آليات التواصل والتنظيم في مثل هذه الملفات المهمة.

وبعيدًا عن الانتقادات التي وجهها البعض لتشكيل اللجنة من شخصيات سبق أن تولت مسؤوليات قيادية في الجامعات أو وزارة التعليم العالي، ويرى بعض المنتقدين أنها لم تحقق التطوير المنشود في فترات عملها، فإن الواقع يفرض علينا أن ننظر إلى حجم المهمة المطروحة أمام هذه اللجنة. فهي مطالبة بمراجعة البرامج والتخصصات الدراسية في مختلف الجامعات، وتقييم مدى توافقها مع احتياجات سوق العمل، وتحليل مؤشرات توظيف الخريجين، وتحديد الفجوات بين مخرجات التعليم ومتطلبات الاقتصاد الحديث.

كما تتولى اللجنة اقتراح تطوير البرامج الدراسية وتحديث اللوائح بما يتواكب مع التطورات التكنولوجية والاقتصادية، ودراسة استحداث تخصصات جديدة خاصة في المجالات البينية والتكنولوجية المتقدمة، إضافة إلى اقتراح إعادة هيكلة أو دمج البرامج التي لم تعد تلبي احتياجات سوق العمل، وتعزيز الشراكات بين الجامعات وقطاعات الأعمال المختلفة.

ورغم أهمية هذه الأهداف، فإن الواقع يشير إلى تحدٍ أساسي يتمثل في غياب قاعدة بيانات دقيقة وموثوقة توضح التخصصات التي تعاني فائضًا في سوق العمل، وتلك التي تشهد عجزًا حقيقيًا، فضلًا عن التخصصات الجديدة التي يجب استحداثها في الجامعات المصرية. ومن دون هذه البيانات، قد نجد أنفسنا مرة أخرى أمام خطط واستراتيجيات نظرية لا تجد طريقها إلى التنفيذ، مثلما حدث مع ما سُمّي سابقًا "إستراتيجية التعليم العالي 2030"، التي جرى الإعلان عنها قبل سنوات دون أن نلمس نتائج حقيقية لها على أرض الواقع.

وفي هذا السياق، يطرح الدكتور أحمد فرحات، رئيس قطاع التعليم الأسبق بوزارة التعليم العالي وأستاذ كلية الهندسة بجامعة القاهرة، رؤية عملية لتسريع تنفيذ توجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن تطوير منظومة التعليم العالي. ويؤكد أن ضيق الوقت قبل بدء تنسيق الجامعات المتوقع في يوليو 2026 – أي بعد نحو ثلاثة أشهر – يفرض ضرورة التحرك السريع، خاصة أن الطالب الذي يلتحق بتخصص معين سيظل فيه حتى التخرج.

ويقترح الدكتور فرحات مجموعة من الخطوات العاجلة، في مقدمتها الاستعانة بلجان القطاعات المختلفة بالمجلس الأعلى للجامعات، باعتبارها الأكثر خبرة وتخصصًا في تقييم البرامج الأكاديمية. كما يقترح صدور قرار وزاري بتكليف هذه اللجان بالانعقاد المستمر لمدة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، مع الاستعانة بمتخصصين من النقابات المهنية وممثلي قطاعات سوق العمل المحلي والدولي، لما لديهم من رؤية واضحة حول احتياجات السوق.

كما يدعو إلى أن تقوم هذه اللجان بوضع تصور شامل للتطوير قصير الأجل وطويل الأجل، مع برنامج زمني واضح للتخصصات التي ينبغي إلغاؤها أو دمجها، والتخصصات الجديدة التي يجب استحداثها، على أن تكون القرارات مصحوبة بمؤشرات رقمية ودراسات دقيقة تبرر هذه الخطوات.

ويقترح كذلك تشكيل لجنة عامة تضم رؤساء القطاعات المختلفة لدراسة المقترحات المقدمة من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات، ودمجها ضمن مخرجات اللجان المتخصصة. وفي حال استحداث تخصصات جديدة تحتاجها الدولة، يمكن تشكيل لجان علمية داخلية لوضع مقرراتها الدراسية والانتهاء منها قبل بداية العام الدراسي، تمهيدًا لإدراجها في تنسيق الجامعات إذا لزم الأمر.

ومن الضروري أيضًا – بحسب هذه الرؤية – إعادة تقييم التخصصات الجامعية بشكل دوري كل خمس سنوات على الأقل، للتأكد من مدى احتياج سوق العمل لها، واقتراح تخصصات جديدة أو إلغاء أخرى وفقًا للتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية.

وأخيرًا، لا يمكن الحديث عن تطوير التعليم وربطه بسوق العمل دون التوقف عند قضية التعليم الفني، الذي يمثل قاطرة التنمية في الدول الصناعية المتقدمة. فإصلاح هذا القطاع يحتاج إلى ما يمكن وصفه بتدخل جراحي شامل، لأن تطوير التعليم الفني يمكن أن ينقل الاقتصاد المصري إلى مرحلة جديدة، خاصة إذا تم الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في هذا المجال مثل ألمانيا وفنلندا واليابان وإيطاليا.

فمستقبل التنمية في مصر لن يتحقق فقط بتطوير الجامعات، بل أيضًا بإنشاء منظومة تعليم فني حديثة قادرة على تخريج كوادر مؤهلة للعمل في مجالات الصناعة المتقدمة، مثل صناعة السيارات والسفن، وتحلية المياه، ومكونات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والطاقة النووية، وغيرها من المجالات الحيوية التي تحتاجها الدولة في مسيرتها نحو التنمية الشاملة.

إن الخطوة التي بدأها المجلس الأعلى للجامعات تستحق التقدير، لكنها في الوقت نفسه تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرتنا على الانتقال من مرحلة الشعارات والخطط النظرية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي الذي ينعكس على مستقبل الطلاب والاقتصاد الوطني.

الجريدة الرسمية