أحمد بهاء الدين شعبان يكتب: سنوات الفرص الضائعة.. من انهيار الداخل إلى تهميش الدور ورهن المستقبل بالديون.. مصر تستحق أفضل مما هي فيه
عندما تسلم الدكتور مصطفى مدبولي رئاسة مجلس الوزراء في يونيو 2018، كان الحديث يدور عن مرحلة جديدة" و"إصلاح شامل".
بعد مرور ما يقرب من خمس سنوات على حكومته، وعقد كامل على المتغيرات الكبرى التي شهدتها مصر منذ 2013، يبدو المشهد المصري وكأنه يعيش في دائرة مغلقة.
فبدلًا من أن تكون هذه السنوات محطة للانطلاق نحو التحديث السياسي والاقتصادي الحقيقي واستعادة الريادة الإقليمية، تحولت إلى ما يمكن وصفها بـ"سنوات الفرص الضائعة".
تراجعت المؤشرات الديمقراطية، واتسعت فجوة الفقر، وانهار التعليم، بينما تراكمت الديون الخارجية لتصل إلى مستويات قياسية (161.2 مليار دولار) تهدد بتوريط الأجيال القادمة.
هذا المقال لا يسعى إلى التثبيط، بل إلى قراءة للواقع الذي تعيشه مصر على كل الأصعدة، راجيًا أن يكون التشخيص الصحيح هو الخطوة الأولى نحو الخروج من هذا النفق.
سنوات الفرص الضائعة: قراءة في تراجع المجال العام المصري (2014 – 2026)
أولًا: الحياة السياسية والتمثيل النيابي.. وهم المشاركة
بين طموحات عريضة رسمتها تحولات كبرى، وواقع معقد تفرض فيه الأرقام والسياسات كلمتها، تبرز قصة الفرص الضائعة في مصر. التي تتعلق بمسارات كان يمكن أن تؤدي إلى نهضة شاملة لو استثمرت الزخم الشعبي والإمكانات المتاحة بشكل مختلف، وخاصة خلال العقد الأخير الذي شهد استقرارًا أمنيًا سمح بتركيز السلطة التنفيذية تحت قيادة حكومات متعاقبة، كان نصيب الأسد منها لحكومة الدكتور مصطفى مدبولي.، خلال العقد الأخير بالذات، وتحديدًا في ظل حكومة مدبولي، شهدت الحياة السياسية تراجعًا غير مسبوق في فكرة التمثيل الحقيقي.
لقد تحول البرلمان في دورتيه (2015 و2020) إلى ما يشبه "شركة للتصديق على القرارات" تابعة للسلطة التنفيذية، أكثر من كونه سلطة تشريعية رقابية. نسبة كبيرة من النواب وصلت على أساس الارتباط بما أطلق عليها أحزاب الموالاة، الانتماءات الفردية،اعتمادًا على المال السياسي، وليس على أساس البرامج الحزبية، حيث اشتري كرسي البرلمان بعشرات الملايين من الجنيهات، واختفى تقريبًا مفهوم المعارضة البرلمانية المؤثرة، وأصبح المشهد النيابي عبارة عن كتلة واحدة تصفق لكل قرارات الحكومة، حتى عندما كانت تلك القرارات تثقل كاهل المواطنين.
أما الأحزاب المصرية فقد تحولت إلى حالة الموت السريري. فمعظم الأحزاب الموجودة على الساحة إما أنها "أحزاب كرتونية"، أو أنها أحزاب معارضة، مُحاصرة، ممنوعة عن التواصل مع الجماهير. أضف إلى ذلك قانون مجلس النواب الذي وضع عتبة انتخابية معقدة، وفرض "القائمة المطلقة المغلقة" كأساس للعملية الانتخابية، جعلت من المستحيل على الأحزاب الصغيرة والمتوسطة تمثيل قواعدها الشعبية، مما دفعها إما للاندماج في قوائم "الكيانات الكبرى" أو للاختفاء تمامًا.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جاءت "الطامة الكبري"، بتعطيل أحد أهم أدوات الإصلاح والإنجاز، الغائب الأكبر في هذا المشهد: مجالس المحليات الشعبية التي تم حلها عام 2011، ولم تُجرَ انتخابات لإعادتها حتى كتابة هذه السطور. وهو ما عني استمرار سيطرة الموظفين البيروقراطيين المعينين من الأجهزة الرسمية، مما زاد من بيروقراطية القرار وعمق شعور المواطن بأن لا قيمة لرأيه أو مصالحه، وأن أحدًا لا يسأل عنه!
ثانيًا: الفقر والغلاء.. المواطن يدفع الثمن
إذا كانت هناك جبهة أساسية فشلت فيها الحكومة بشكل واضح وصريح، فهي الجبهة الاقتصادية الاجتماعية. في ظل حكومة الدكتور "مدبولي"، تحول الحديث عن "الإصلاح الاقتصادي" إلى كابوس يومي للمصريين.
الأرقام لا تكذب، فوفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، قفزت نسبة الفقر في مصر إلى مستويات قياسية (اقتربت من 30% قبل جائحة كورونا، وتفاقمت بعدها). لكن الأهم من الرقم هو "الإحساس بالفقر". المواطن العادي يشعر يوميًا بأن قوت يومه أصبح بعيد المنال!
الحكومة تعلن أرقام تضخم، لكن المواطن في الأسواق يرى أسعار السلع الأساسية وقد تضاعفت أربعة أو خمسة أضعاف خلال السنوات الخمس الماضية. قرارات تحرير سعر الصرف، ورفع الدعم تدريجيًا عن المحروقات والكهرباء والسلع التموينية والأدوية، والخدمات الضرورية، أدت إلى موجة غلاء طالت كل شيء: من سعر رغيف العيش إلى تكلفة المواصلات، إلى إيجارات الشق، والأزمة المُستحكمة ضربت حياة عشرات الملايين من المواطنين في الصميم.
ثالثًا: انهيار التعليم.. قنبلة موقوتة
ربما يكون ملف التعليم هو أخطر الملفات على الإطلاق، لأنه يتعلق بمستقبل مصر ذاتها. في عهد حكومة "مدبولي"، شهدنا حالة من "التخبط" المزمن في تطوير التعليم.
ورغم أن الوزارة أطلقت نظامًا تعليميًا جديدًا يعتمد على التكنولوجيا والكتب الإلكترونية وأجهزة التابلت. لكن الواقع على الأرض كان مختلفًا تمامًا. مدارس بلا بنية تحتية، وفصول تعاني من كثافة طلابية، ومعلمون يعملون بأجور لا تكفيهم حتى شراء "شريحة الإنترنت" التي يحتاجونها لشرح المناهج الجديدة لأبنائهم، وبدلًا من التعليم المجاني المعقول الذي كان مكفولًا لكل المواطنين، تحولت الدروس الخصوصية إلى "اقتصاد مواز" يدير ميزانية الأسر المصري، التي أصبحت تنفق آلاف الجنيهات شهريًا على الدروس، لأن المدرسة الحكومية لم تعد تقدم تعليمًا حقيقيًا. هذا يعني أن فرصة التعليم الجيد أصبحت حكرًا على أبناء القادرين، في المدارس، والجامعات الأجنبية: الأمريكية، والبريطانية، والكندية، والفرنسية، والروسية، والروسية، والألمانية، واليابانية.
بينما أبناء الفقراء محكوم عليهم بالخروج من المدرسة دون مهارات حقيقية تؤهلهم لسوق العمل، الأمر الذي أصبحت معه الجامعات المصرية تُخَرِّجُ سنويًا مئات الآلاف من الشباب الحاصلين على شهادات لا تتوافق مع احتياجات سوق العمل. وبالتالي، تُنتج جيلًا من الشباب (المتعلم) العاطل، وهو أخطر أنواع البطالة لأنه يخلق إحباطًا مجتمعيًا هائلًا.
رابعًا: تراجع المكانة وتهميش الدور المصري في المنطقة
لكن الضياع لم يقتصر على الداخل فقط، بل امتد ليطال المكانة التاريخية لمصر في محيطها الإقليمي. فمصر التي كانت لسنوات طويلة "قلب العروبة النابض" وصاحبة الثقل الأكبر في القرارين العربي والأفريقي، وجدت نفسها خلال العقد الأخير، وتحديدًا في عهد حكومة "مدبولي"، تتراجع تدريجيًا عن أدوارها المحورية.
خامسًا: وطأة الدين الخارجي.. رهن المستقبل
وفوق كل ما تقدّم، يبقى أن الملف الأكثر إثارة للقلق هو التفاقم الهائل للدين الخارجي المصري، الذي وصل إلى 161.2 مليار دولار (حسب تقديرات البنك المركزي وآخر التقارير الدولية)، وللدين الداخلي البالغ أكثر من 11 تريليون جنيه. هذا الرقم ليس مجرد خانة في ميزانية الدولة، بل هو حبل خانق يُلف حول عنق الأجيال القادمة.
مما يتكون الدين؟ تراكم هذا الدين نتيجة سياسة الاقتراض الخارجي لتمويل العجز في الميزانية ودعم الاحتياطي النقدي وتنفيذ المشروعات العملاقة. جزء كبير من هذه الديون مقوم بالدولار أو العملات الصعبة الأخرى، مما يجعل سدادها مرهونًا بتوفر النقد الأجنبي الذي يعاني الاقتصاد المصري من شح فيه أساسًا، وانعكس هذا الوضع بالسالب على الإنفاق الموجّه لتغطية الاستثمار في الصحة أو التعليم أو رفع كفاءة البنية التحتية، ومع كل زيادة في الدين، تزداد وصاية المؤسسات المالية الدولية (مثل صندوق النقد الدولي) على القرار الاقتصادي المصري، وتفرض شروطًا لـ "الإصلاح" (كتحرير سعر الصرف ورفع الدعم) تُضاعف من معاناة المواطن البسيط، وتجعل الحكومة المصرية في موقف "منفذ" لسياسات لا تضعها هي بالكامل، بل تفرض عليها. إنها حلقة مفرغة: نقترض لنسد العجز، ثم نزيد الفقر لنقترض من جديد.
"سنوات الفرص الضائعة" هي سنوات لن تعود. ما فات من عمر الوطن لن يعوض. لقد ضاعت فرصة بناء نظام سياسي حقيقي يشرك المواطن، وضاعت فرصة تحقيق عدالة اجتماعية توزع ثمار المشروعات العملاقة على الجميع، وضاعت فرصة استثمار الطاقات الهائلة للشباب في تعليم حقيقي، وضاع جزء كبير من النفوذ الإقليمي لمصر، وتراكمت ديون تثقل كاهل المستقبل.
لكن المأساة الحقيقية هي أننا مازلنا نسير في الاتجاه نفسه. ما لم يحدث تغيير جذري في فلسفة الحكم، بحيث تصبح "كرامة المواطن" و"مشاركته" و"عدالة التوزيع" واستعادة "الاستقلالية في القرار" هي أولويات الحكم، فإن العقد القادم سيكون أكثر قسوة.
الحياة السياسية ليست ترفًا، بل هي ضرورة لحل مُشكلات المواطنين، ورسم خريطة التقدم والازدهار للمجتمع. التعليم ليس كمالًا، بل هو حق دستوري وأساس نهضة الأمم. العدالة الاجتماعية ليست شعارًا، بل هي الضمان الوحيد لاستقرار البلاد. والمكانة الإقليمية ليست مكسبًا إضافيًا، بل هي ضرورة أمن قومي في عالم لا يرحم.
مصر تستحق أفضل مما هي فيه. ولن يأتي الأفضل إلا بمراجعة نقدية شجاعة لهذه السنوات العجاف، والاعتراف بأن هناك فرصًا ثمينة ضاعت، وأن المستقبل لا يزال بخير إن أدركناه قبل فوات الأوان.
الخلاصة التي يمكن الوصول إليها هي أن هذه السنوات العشر الأخيرة، وتحديدًا فترة حكومة "مدبولي"، كانت سنوات "إدارة أزمة" وليس "بناء مستقبل".
افتقرت الحكومة إلى رؤية واضحة للإصلاح السياسي. كان التركيز دائمًا على "الاستقرار" بمعناه الأمني الضيق، على حساب الاستقرار السياسي الحقيقي الذي يقوم على مشاركة المواطن ورضاه. تم تأجيل الإصلاحات السياسية إلى "وقت لاحق" لم يأت أبدًا.
وإذا كان واقعًا أن مصر شهدت طفرة في المشاريع القومية العملاقة (كالعاصمة الإدارية، والطرق، والمدن الجديدة). لكن المشكلة أن هذه المشاريع تمت على حساب الخدمات الأساسية للمواطن. لا معنى لمدينة ذكية إذا كان المواطن البسيط لا يجد لقمة العيش، وأبناؤه يتعلمون في مدارس مهترئة.
والأخطر أن هذا المسار تكبدت تكاليفه الباهظة ملايين المصريين الكادحين، والطبقة الوسطى المصرية، وبيعت لإنجازه، بأثمان بخسة، مصانع ومؤسسات ومرافق استراتيجية كبيرة، وقلاع استثمارية وإنتاجية ضخمة، ورثناها عن الأجداد والآباء، وكان حقًا علينا تركها للأجيال القادمة، ثابتة وعفية، وتحولنا من اقتصاد منتج إلى اقتصاد استهلاكي يعتمد في تغطية أغلب حاجاته الأساسية على الاستيراد من الخارج!
إلى أين؟
"سنوات الفرص الضائعة" هي سنوات لن تعود. ما فات من عمر الوطن لن يعوض. لكن المأساة الحقيقية هي أننا مازلنا نسير في الاتجاه نفسه. ما لم يحدث تغيير جذري في فلسفة الحكم، وتبديل حقيقي لانحيازاته السياسية والاجتماعية، بحيث تصبح "كرامة المواطن" و"مشاركته" و"عدالة التوزيع" هي أولويات الحكم، فإن العقد القادم سيكون أكثر قسوة.
الحياة السياسية ليست ترفًا، بل هي ضرورة لتصريف غضب الجموع وتفريغ طاقاتهم بشكل حضاري. التعليم ليس كمالًا، بل هو حق دستوري وأساس نهضة الأمم. العدالة الاجتماعية ليست شعارًا، بل هي الضمان الوحيد لاستقرار البلاد.
مصر تستحق أفضل مما هي فيه. ولن يأتي الأفضل إلا بمراجعة نقدية شجاعة لهذه السنوات العجاف، والاعتراف بأن هناك فرصًا ثمينة ضاعت، وأن المستقبل لا يزال بخير إن أدركناه قبل فوات الأوان
