رئيس التحرير
عصام كامل

محمد الجندي الأمين العام لـ"البحوث الإسلامية" لـ "فيتو": التجديد هو استعادة التوازن وتحرير النص من إساءة الاستخدام وتقديمه بلغة معاصرة.. والأزهر ملتزم بالمنهج الوسطي المعتدل

محرر فيتو في ضيافة
محرر فيتو في ضيافة د. محمد الجندي، فيتو
18 حجم الخط

اختزال التدين في المظهر من أخطر المفاهيم الدينية المغلوطة 

رسالة الأزهر تقوم على نشر منهج الوسطية والاعتدال وتعزيز ثقافة التعايش

المنهج الأزهري يقوم على قاعدة التمييز بين القطعي والمتغير

نتناول قضايا الأسرة والطلاق والعنف الأسري من منظور إصلاحي مقاصدي

ندعو لتدريب الإعلاميين على التعامل مع المصطلحات الدينية بدقة

"معركة الوعي" لم تعد محصورة في المسجد أو قاعة الدرس بل انتقلت إلى الفضاء الإلكتروني

أقول للمصريين: بقدر ما نُحسن فهم ديننا ونلتزم بقيمه نكون أقدر على مواجهة التحديات

نشاط مجمع البحوث الإسلامية في رمضان: 16 قافلة دعوية.. 4800 ملتقى فكري.. 10500 لقاء مباشر مع الجماهير

وسط أمواج متلاطمة من التحديات الفكرية، وفي ظل فضاء مفتوح تتنازعه تيارات الغلو من جهة والتفريط من جهة أخرى، يبقى العقل المصري باحثًا عن مرجعيته الآمنة وبوصلته التي لا تخطئ، ولأن الأزهر الشريف كان ولا يزال حارس الوعي وحصن الوسطية، كان لزامًا علينا أن نقترب من إحدى أهم مؤسساته الفاعلة؛ لنقرأ معًا المشهد ونفكك تعقيداته، وفي هذا الحوار العميق مع الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، نضع أيدينا على أبرز القضايا التي تؤرق الشارع المصري، ونستعرض أبعاد المنهج الأزهري الأصيل الذي اتخذ من التسامح والاعتدال وقبول الآخر درعًا لحماية النسيج الوطني، كما نتطرق إلى التحدي الأبرز في عصرنا: كيف ننقل معركة الوعي وتجديد الخطاب الديني من أروقة المؤسسات إلى منصات السوشيال ميديا المفتوحة، لنكون أقرب إلى الشباب، نستمع إليهم ونحصن عقولهم.. وإلى نص الحوار

في البداية.. شهر رمضان له مكانة خاصة في الوعي الديني للمصريين، كيف ينظر مجمع البحوث الإسلامية لدوره في تصحيح المفاهيم الدينية خلال هذا الشهر تحديدًا؟

ينظر مجمع البحوث الإسلامية، بوصفه أحد القطاعات العلمية الرئيسة في الأزهر الشريف، إلى شهر رمضان باعتباره موسمًا استثنائيًا في صناعة الوعي الديني الرشيد، فالمجتمع المصري بطبيعته يتفاعل مع الشهر الكريم بوصفه زمنًا للتوبة والمراجعة والالتزام، وهو ما يضاعف من مسؤولية المؤسسات العلمية في توجيه هذا التفاعل نحو الفهم الصحيح، لا مجرد الممارسات الشكلية، ومن هنا يتعامل المجمع مع رمضان باعتباره "نافذة إصلاح معرفي" تتقاطع فيها العبادة مع السلوك، والنص مع الواقع، والروح مع المجتمع.

فالصيام في الرؤية القرآنية ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل مدرسة أخلاقية كبرى، كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، أي بلوغ حالة من الرقابة الذاتية والوعي الأخلاقي، ومن هذا المنطلق يحرص المجمع على تصحيح التصورات التي تختزل رمضان في طقوس فردية، دون استحضار أبعاده الاجتماعية من تكافل ورحمة وضبط للنفس، كما يعمل على مواجهة بعض الممارسات التي تتنافى مع مقاصد الشهر، مثل الإسراف أو التوتر السلوكي، مؤكدًا أن العبادة الحقّة تنعكس سكينةً في السلوك وعدلًا في المعاملة.

هل يختلف خطاب المجمع في رمضان عنه في باقي شهور العام، من حيث الأولويات واللغة والرسائل الموجهة للناس؟

الخطاب الأزهري في جوهره ثابت في أصوله، لأنه قائم على الكتاب والسنة ومنهج الاعتدال الذي تميز به الأزهر عبر تاريخه الممتد لأكثر من ألف عام. غير أن اختلاف المواسم يفرض ترتيبًا مختلفًا للأولويات، ففي رمضان تتقدم موضوعات فقه الصيام، وأحكام الزكاة، وقيم التراحم، ومعاني الإخلاص ومحاسبة النفس، ويكون الخطاب أقرب إلى الوجدان، دون التفريط في العمق العلمي.

كما يحرص المجمع على توظيف الوسائل المعاصرة في إيصال الرسالة، سواء عبر الخطب، أو القوافل الدعوية، أو البرامج الإعلامية، أو المنصات الرقمية، بحيث يصل الخطاب إلى مختلف الفئات بلغة مناسبة، تجمع بين البساطة والانضباط، وتبتعد عن التعقيد الفقهي غير اللازم لعامة الناس.

ماهي أبرز الملامح التي التي اعتمد عليها خطة مجمع البحوث خلال شهر رمضان؟

كما يحرص مجمع البحوث الإسلاميَّة في خطته الدعوية لشهر رمضان المبارك هذا العام على تقديم نموذج متكامل للعمل الدعوي يجمع بين الأصالة والتجديد، ويواكب احتياجات المجتمع وتحدياته الراهنة، والجديد في هذه الخطة أنها تنطلق من رؤية شمولية تمزج بين النشاط الإلكتروني المكثف والوجود الميداني الفعَّال؛ بما يضمن وصول الرسالة الدينية إلى مختلِف فئات المجتمع، داخل المساجد وخارجها، وبأساليب متنوعة تراعي اختلاف الأعمار والثقافات.

وقد شملت الخطة برامج نوعية موجهة للأطفال، والنساء، وفئة الصم وضعاف السمع، إلى جانب الشباب والطلاب، فضلًا عن تقديم محتوًى دعوي بعدة لغات لغير الناطقين بالعربية، كما سيطلق المجمع حملة دعوية كبرى تحت عنوان: (لعلكم تتقون)؛ لتعزيز القيم الروحية والاجتماعية لشهر رمضان، وإبراز مقاصده التربوية والأخلاقية، في إطارٍ مِنَ الالتزام بالمنهج الأزهري الوسطي القائم على الفهم الصحيح للدين ومخاطبة الواقع بوعي وحكمة.

وقد أعدّ مجمع البحوث الإسلاميَّة برنامجًا واسع النطاق للقوافل الدعوية؛ بهدف الوصول المباشر إلى المواطنين في مختلِف أنحاء الجمهوريَّة، وتشمل الخطة إطلاق 14 قافلة دعوية متحركة تتجه إلى المحافظات النائية والساحلية والحدودية، إلى جانب مناطق صعيد مصر، بما يضمن وصول الخطاب الدعوي إلى المجتمعات الأكثر احتياجًا للتواصل المباشر والدعم التوعوي.

كما تتضمن الخطة 16 قافلة دعوية ثابتة بعدد من المحافظات، من بينها: القليوبية، والمنوفية، والإسكندرية، فضلًا عن 15 قافلة مشتركة بالتعاون مع وزارة الأوقاف لأداء خطبة الجمعة بعدد من المحافظات، وتأتي هذه القوافل في سياق منظومة دعوية أشمل، تشمل عقد أكثر من 4800 ملتقًى فكري، و10500 لقاء مباشر خلال الشهر الكريم؛ بما يعكس حرص المجمع على ترسيخ الحضور الميداني، وتعزيز التواصل الإنساني المباشر مع المجتمع، وتقديم رسالة دينية واعية تعالج القضايا الواقعية بروح علمية ومسئولية مجتمعية.

كيف يحدد مجمع البحوث الإسلامية أولوياته الفكرية والدعوية في ظل التحديات الدينية والفكرية الراهنة؟

تحديد الأولويات يتم عبر قراءة دقيقة للواقع، وتحليل علمي للقضايا المثارة في المجال العام، فالمجمع لا يعمل في فراغ، بل يتابع ما يطرحه الشباب على منصات التواصل، وما يُثار في وسائل الإعلام، وما يرد من تساؤلات واستفسارات، ثم تُحال هذه القضايا إلى لجان علمية متخصصة لدراستها دراسة منهجية، تنطلق من أصول الفقه ومقاصد الشريعة، وتستحضر السياق الاجتماعي والسياسي والثقافي، كما أن المجمع يدرك أن التحديات لم تعد تقليدية، بل تتداخل فيها أبعاد فكرية وإعلامية ونفسية، ومن ثمّ فإن المواجهة لا تكون بالخطاب الوعظي وحده، وإنما ببناء خطاب علمي رصين، يراعي طبيعة المتلقي، ويقدم الإجابة في سياقها الكامل، لا في عبارات مجتزأة.

ما الفارق الجوهري بين دور مجمع البحوث الإسلامية وبقية المؤسسات الدعوية، خاصة فيما يتعلق بالبحث العلمي وتجديد الخطاب الديني؟

الفارق الأساسي يكمن في الطبيعة المؤسسية البحثية للمجمع، فهو ليس مجرد جهة وعظية، بل مؤسسة علمية تجمع بين التحقيق العلمي للتراث، ودراسة النوازل، والاجتهاد الجماعي، والقرارات التي تصدر عنه لا تعبر عن رأي فرد، بل عن رؤية علمية مؤسسية قائمة على التشاور والتخصص، كما أن المجمع يضطلع بدور في مراجعة الكتب والمناهج، ومتابعة ما يُنشر في المجال الديني، وتصحيح الانحرافات المفاهيمية، وهذا البعد البحثي يمنحه قدرة على الإسهام في تجديد الخطاب الديني تجديدًا حقيقيًا، قائمًا على التأصيل لا على ردود الفعل أو الضغوط الإعلامية.

إلى أي مدى ينجح المجمع في الجمع بين الثوابت الشرعية ومتغيرات العصر دون الإخلال بأي منهما؟

المنهج الأزهري يقوم على قاعدة التمييز بين القطعي والمتغير، وبين النصوص المحكمة ومجالات الاجتهاد، فالثوابت الشرعية – كأصول العقيدة والعبادات القطعية والقيم الأخلاقية الكبرى – لا تقبل التبديل، أما ما يتعلق بتنزيل الأحكام على الوقائع المتغيرة، فهو مجال للاجتهاد المنضبط، ومن خلال هذا التوازن يستطيع المجمع أن يتعامل مع قضايا معاصرة، مثل قضايا الأسرة أو المعاملات الحديثة أو التحديات الرقمية، دون أن يخرج عن إطار الشريعة، فالمقاصد الكلية للشريعة – حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال – تظل هي المعيار الحاكم في كل اجتهاد.

كثيرًا ما يُثار مصطلح “تجديد الخطاب الديني”، كيف يفهمه مجمع البحوث الإسلامية بعيدًا عن الشعارات؟

التجديد في فهم المجمع ليس تغييرًا للدين وإنما إعادة تقديمه في صورته الصحيحة، وإحياء روحه المقاصدية، وتنقية الفهم من القراءات المتشددة أو المتسيبة، وقد أشار العلماء إلى هذا المعنى استنادًا إلى الحديث النبوي الشريف: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، فالتجديد هو استعادة التوازن، وتحرير النص من إساءة الاستخدام، وتقديمه بلغة تستوعب إشكالات العصر، أما تحويل المصطلح إلى أداة للضغط أو التشكيك في الثوابت، فذلك انحراف عن معناه العلمي.

ما أبرز المعارك الفكرية التي يخوضها المجمع حاليًا في مواجهة الغلو والتطرف وسوء الفهم للدين؟
من أبرز هذه المعارك، هي تفكيك خطاب التكفير، وبيان خطورة استباحة الدماء باسم الدين، وتصحيح مفهوم الجهاد بعيدًا عن التأويلات العنيفة، وإبراز أن الإسلام دين عمران وبناء لا هدم وفوضى، كما يعمل المجمع على مواجهة خطاب الإلحاد المتطرف أو العدمية الأخلاقية، من خلال طرح علمي رصين يربط بين العقل والنقل، ويؤكد أن الإيمان لا يتعارض مع التفكير النقدي، بل يؤسسه ويوجهه.

كيف يتعامل المجمع مع الأفكار المتشددة التي تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بين الشباب؟
يدرك المجمع أن الفضاء الرقمي أصبح ساحة مركزية في تشكيل الوعي، ولذلك يعمل على تعزيز حضوره الرقمي بمحتوى موثوق وسريع التفاعل، كما ينظم لقاءات مباشرة وورش عمل تستهدف الشباب، تتيح لهم مساحة للحوار وطرح الأسئلة دون خوف أو وصم، فالاستراتيجية تقوم على الإقناع لا المصادمة، وعلى بناء الثقة قبل تصحيح الفكرة، لأن الشباب إذا شعر بأن المؤسسة تستمع إليه وتحترم عقله، كان أكثر استعدادًا لتلقي التصحيح.

كيف يتعامل مجمع البحوث الإسلامية مع القضايا المجتمعية الشائكة؟
يتناول المجمع قضايا الأسرة والطلاق والعنف الأسري والتفكك الاجتماعي من منظور إصلاحي مقاصدي، يوازن بين النصوص الشرعية وواقع الناس، ويتم التركيز على قيم المودة والرحمة كما وردت في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]، باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه الأسرة المسلمة، كما يحرص على بيان أن الرحمة والتسامح قيمتان أصيلتان في الشريعة، وليستا استجابة ظرفية لخطاب معاصر.

في رأيكم، ما أخطر المفاهيم الدينية المغلوطة المنتشرة حاليًا؟

من أخطر المفاهيم هي اختزال التدين في المظهر، وسوء فهم القضاء والقدر بما يبرر السلبية، والتشدد في غير موضعه، أو التساهل غير المنضبط باسم التيسير، ويعمل المجمع على تصحيح هذه المفاهيم عبر برامج علمية وتثقيفية، تؤكد أن التدين الحق هو التزام أخلاقي شامل، يجمع بين العبادة والعمل والإيجابية.

هل هناك خطة واضحة للتواصل مع الفئات الأكثر تأثرًا بالأفكار المتطرفة؟
نعم، هناك خطة متكاملة تنطلق من إدراك أن مواجهة التطرف لا تكون بخطاب عام ومجرد، وإنما ببرامج موجهة، تقوم على التشخيص الدقيق لطبيعة الفئة المستهدفة، وبيئتها الاجتماعية، ومستواها المعرفي، والوسائط التي تتلقى من خلالها الأفكار. ومن هذا المنطلق يعمل مجمع البحوث الإسلامية – باعتباره أحد الأذرع العلمية في الأزهر الشريف – على مسارات متوازية.

المسار الأول ميداني، ويتمثل في القوافل الدعوية التي تنتقل إلى المحافظات والقرى والمناطق الأكثر احتياجًا، حيث لا يقتصر دورها على إلقاء المحاضرات، بل يتضمن فتح مساحات للحوار المباشر، والاستماع إلى الأسئلة والإشكالات، وتصحيح المفاهيم في سياق تفاعلي. وهذه اللقاءات تُبنى على مبدأ الاحتواء لا الاتهام، وعلى التفكيك الهادئ للأفكار لا الصدام معها.

المسار الثاني تعليمي وثقافي، عبر التعاون مع الجامعات ومراكز الشباب والمدارس، من خلال ندوات وورش عمل ودورات تثقيفية تُعنى ببناء التفكير النقدي، وتوضيح الفارق بين النص الشرعي وفهم البشر له، وبين الثوابت والاجتهادات. فالرهان الحقيقي ليس فقط في إبطال الفكرة المتطرفة، بل في بناء عقلية قادرة على التمييز والتحليل.

أما المسار الثالث فهو رقمي وإعلامي، حيث يتم إنتاج محتوى موجه بلغة عصرية، يعالج القضايا المثارة على منصات التواصل، ويرد على الشبهات بطريقة علمية مختصرة وجذابة. ويُراعى في هذا المحتوى عنصر السرعة، لأن الأفكار المتطرفة تنتشر في لحظات، ومن ثمّ فإن التأخر في الرد يترك فراغًا معرفيًّا قد يُملأ بخطاب غير منضبط.

ما الدور الذي يقوم به المجمع في دعم رسالة الأزهر عالميًا؟
يقوم المجمع بدور علمي داعم للرسالة العالمية التي يحملها الأزهر الشريف، والتي تقوم على نشر منهج الوسطية والاعتدال، وتعزيز ثقافة التعايش واحترام التنوع، ويتمثل هذا الدور في المشاركة الفاعلة في المؤتمرات والمنتديات الدولية، وإعداد أوراق علمية تعكس الرؤية الأزهرية في القضايا المعاصرة، مثل الحوار بين الأديان، ومكافحة التطرف، وترسيخ السلم المجتمعي.

كما يسهم المجمع في مراجعة بعض الإصدارات التي تُترجم إلى لغات أجنبية، لضمان دقة المصطلحات، ونقل المفاهيم الإسلامية في سياقها الصحيح، بعيدًا عن سوء الفهم أو الاجتزاء، ويأتي هذا في ظل ما يتعرض له الإسلام أحيانًا من اختزال في صور نمطية إعلامية، مما يستدعي خطابًا علميًّا هادئًا يوضح أن الإسلام في جوهره دين عدل ورحمة، وأن التيارات المتشددة لا تمثل التيار العام للأمة، كذلك يتعاون المجمع مع مؤسسات علمية خارج مصر، في إطار تبادل الخبرات وإقامة جسور معرفية، بما يعزز الحضور العلمي للأزهر في الساحة الدولية، ويؤكد دوره كمرجعية دينية وسطية معترف بها عالميًا.

كيف يقيّم المجمع دور الإعلام في تناول القضايا الدينية؟
ينظر المجمع إلى الإعلام بوصفه شريكًا أساسيًا في تشكيل الوعي الجمعي، خاصة في زمن تتداخل فيه الحدود بين الخبر والرأي، وبين المعلومة والتحليل، ولا شك أن الإعلام يمكن أن يكون أداة دعم للخطاب الديني الرشيد إذا التزم المهنية، واستند إلى مصادر علمية موثوقة، وأحسن عرض القضايا الخلافية دون إثارة أو تهويل، غير أن بعض المعالجات الإعلامية تميل أحيانًا إلى التركيز على المسائل الجدلية، أو استضافة غير المتخصصين في قضايا دقيقة، مما يؤدي إلى إرباك الجمهور وإظهار الخلاف الفقهي وكأنه صراع، ومن هنا يؤكد المجمع أهمية وجود خطاب إعلامي متخصص في الشأن الديني، يراعي طبيعة الفتوى، ويفرق بين الرأي الشخصي والحكم الشرعي، ويقدم القضايا في سياقها التاريخي والعلمي، كما يدعو المجمع إلى تدريب الإعلاميين على التعامل مع المصطلحات الدينية بدقة، لأن الخطأ في استخدام المصطلح قد يغيّر المعنى كلية، ويؤدي إلى سوء فهم واسع الانتشار.

إلى أي مدى يستفيد المجمع من المنصات الرقمية؟
أصبحت المنصات الرقمية اليوم مجالًا رئيسًا لتشكيل الوعي، ولم يعد من الممكن الاكتفاء بالوسائل التقليدية في العمل الدعوي، ومن ثمّ يعمل المجمع على تطوير حضوره الرقمي من خلال صفحات رسمية موثقة، ومحتوى مرئي ومكتوب يتسم بالاختصار والدقة، ويعالج القضايا المتداولة بلغة مباشرة ومفهومة، كما يتم استثمار الوسائط المتعددة، مثل الفيديوهات القصيرة والإنفوجراف، لتبسيط المعلومات الفقهية والعقدية، دون إخلال بعمقها، ويُراعى في هذا الحضور الرقمي التفاعل مع الجمهور، والرد على الاستفسارات، بما يعزز الثقة بين المؤسسة والمتلقي، ويأتي هذا التوجه إدراكًا بأن "معركة الوعي" لم تعد محصورة في المسجد أو قاعة الدرس، بل انتقلت إلى الفضاء الإلكتروني، حيث تتنافس الأفكار في سرعة الوصول وجاذبية العرض.

هل هناك ضوابط للتعامل مع الفتاوى المنتشرة إلكترونيًا؟
يشدد المجمع على أن الفتوى عمل علمي دقيق، له شروط تتعلق بالعلم بالنصوص، وفهم الواقع، وإدراك مقاصد الشريعة، ولذلك لا يجوز أن يتحول الفضاء الإلكتروني إلى ساحة فوضى في إصدار الأحكام الشرعية، ومن الضوابط التي يؤكدها المجمع هي ضرورة صدور الفتوى عن جهة أو عالم مؤهل معروف بالعلم والاستقامة، والتحقق من سياق السؤال قبل نشر الإجابة، وعدم تعميم الفتوى الخاصة على كل الأحوال، كما يحذر من الاقتباسات المجتزأة أو المقاطع المقتطعة التي تُخرج الكلام عن سياقه، ويدعو المجمع المواطنين إلى التثبت، تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، مؤكدًا أن المرجعية المؤسسية أكثر أمانًا من الاجتهادات الفردية غير المنضبطة.

ما النصيحة التي توججها للمواطن عند تعارض الفتاوى أو الآراء الفهية؟
عند تعدد الآراء الفقهية، ينبغي أن يُدرك المواطن أن الخلاف المعتبر بين العلماء أمر معروف في التراث الإسلامي، وهو في كثير من الأحيان سعة ورحمة، وليس علامة اضطراب، لكن هذه السعة لا تعني الانتقاء العشوائي أو تتبع الرخص دون ضابط، والرسالة الأساسية هي الرجوع إلى المؤسسات العلمية المعتمدة، والالتزام برأي الجهة التي يطمئن إليها الإنسان من حيث العلم والمنهج، وعدم الانجراف وراء الفتاوى التي تنتشر بلا مصدر موثوق، كما ينبغي التفريق بين المسائل القطعية التي لا تقبل الخلاف، والمسائل الاجتهادية التي تحتمل أكثر من رأي معتبر.

في النهاية ما هي الرسالة التي ترغبون في توجييها الى المجتمع المصري؟

نقول أن شهر رمضان ليس مجرد موسم تعبدي عابر، بل محطة سنوية لإعادة بناء الإنسان في علاقته بربه، وبنفسه، وبمجتمعه، وهو فرصة لمراجعة المفاهيم، وتصحيح المسار، وتجديد العهد مع القيم الكبرى التي جاء بها الإسلام من عدل ورحمة وتكافل.

والرسالة التي نوجهها إلى المصريين جميعًا هي أن يجعلوا من هذا الشهر نقطة انطلاق نحو وعي أعمق، وسلوك أكثر انضباطًا، وروح أكثر تسامحًا، فبقدر ما نُحسن فهم ديننا، ونلتزم بقيمه في الواقع، نكون أقدر على مواجهة التحديات، وأقرب إلى تحقيق رسالة الأزهر التي قامت – وستظل – على الوسطية، والاعتدال، وخدمة الإنسان أيًا كان موقعه أو انتماؤه.

الجريدة الرسمية