فخ رمضان الذي نصبه الإنجليز، حكاية قانون "المحكمة المخصوصة" الذي تسبب في مشانق دنشواي
استهل شهر رمضان من عام 1895 أحداثه بقرار وصف بالـ "كارثي"، لم تتكشف كامل نتائجه الدموية إلا بعد مرور أكثر من عشر سنوات. ففي مطلع ذلك الشهر المبارك، وتحت ضغوط مكثفة، استصدر الإنجليز من الخديوي عباس حلمي الثاني أمرا عاليا يقضي بتشكيل "محكمة مخصوصة"، هدفها الأساسي محاكمة كل من يجرؤ على الاعتداء على ضباط جيش الاحتلال أو جنوده.
قانون خارج العدالة
نص الأمر العالي على أن تشكل هذه المحكمة من مزيج قضائي وعسكري يضمن هيمنة سلطات الاحتلال، حيث ضمت المستشار القضائي الإنجليزي، وضابطًا كبيرا من جيش الاحتلال، وقاضيا إنجليزيا من محكمة الاستئناف الأهلية، بالإضافة إلى رئيس محكمة مصر أو الإسكندرية، وذلك كله تحت رئاسة ناظر الحقانية (وزير العدل).
ويكمن الجانب الأكثر غرابة في تاريخ القضاء داخل هذا الأمر، في كونه منح المحكمة سلطة الحكم "بغير قانون"، بل بما يتراءى لها من عقوبات، وصولًا إلى عقوبة القتل. كما اشترط ألا تنعقد إلا في أحوال استثنائية وبناءً على طلب مباشر من القنصل العام لإنجلترا في مصر، بناءً على تقرير يرفعه إليه قائد جيش الاحتلال.
مشاجرات هزت "هيبة الاحتلال"
وفقا لكتاب "هوامش المقريزي – حكايات من مصر " للكاتب الصحفي صلاح عيسى، بأنه جاء هذا التحرك التشريعي العنيف رد فعل على تزايد حوادث المقاومة والاشتباكات بين المصريين وجنود الاحتلال. فقبيل صدور القانون، شهدت منطقة الأزبكية مشاجرة عنيفة حين حاول ضابط إنجليزي يعمل في البوليس إجبار سائق مصري - يعمل لدى القنصل الألماني - على الوقوف في جراج العربات العمومية. وعندما رفض السائق متمسكًا بالحصانة الدبلوماسية لعربة القنصل، تطور الأمر من نهر وضرب إلى مشاجرة جماعية شارك فيها رجال البوليس انتصارا لزميلهم الإنجليزي.
وفي ذات الأسبوع، شهدت مدينة الإسكندرية مشاجرة أخرى في "حي البغاء" بين ثلاثة من عساكر البحرية الإنجليزية وفريق من الأهالي، انتهت بإصابة أحد الإنجليز بجروح بالغة استدعت علاجًا طويلًا. هذه الحوادث أثارت ذعر الإنجليز الذين شعروا أن هيبتهم العسكرية، التي تأسست عقب معركة "التل الكبير"، بدأت تترنح أمام صمود الشعب.
خنوع حكومي ومصير مأساوي
بسبب هذا القلق، ضغطت سلطات الاحتلال على الحكومة المصرية – التي كانت بمثابة لعبة في أيديهم – لتمرير هذا الأمر العالي. وافق مجلس الوزراء دون أي معارضة، متجاهلًا حرمة المصريين ومشاعرهم، في خطوة كشفت بوضوح أن الغرض من هذه "المحكمة العرفية" لم يكن العدالة، بل التنكيل بكل من يقاوم الاحتلال.
وبعد 11 عامًا من صدور هذا القانون، قطف الاحتلال "ثمرته" المرة في حادثة دنشواي الشهيرة، حيث سيق المصريون إلى المشانق وجلدوا بناء على هذا التشريع الظالم، في مشهد هز وجدان مصر التي عذبت بأمر عال صدر في غفلة من الشعب في صباح يوم رمضاني.
