الدكتور حسن علي يكتب: النوايا الحسنة لا تصنع بالضرورة إعلامًا ناجحًا.. الإعلامي يحتاج مساحة من الحرية حتى يكون مبدعا.. وارتباط المحتوى بالتمويل الحكومي من معوقات التطوير
الإعلام المصري بوضعه الحالي ـ رغم وهنه ـ لا يزال يمتلك أدوات القوة التي تتمثل في بنية تحتية قوية متنوعة، وخبرات مهنية، ومؤسسية فريدة لم تتوافر لمؤسسة إعلامية عربية، مشكلة الإعلام المصري الحقيقية في آليات التشغيل، وتشريعات مكبلة، وتدخلات من جهات لا خبرة لها بالعمل الإعلامي، وبعض من قيادات تبوأت مواقع ليست لها، كل مؤهلاتهم أنهم من أهل الثقة.
فك القيود عن المبدعين
التطوير الحقيقي لم يكن يحتاج مطابع باهظة الثمن، ولا استديوهات بمليارات، ولا خبراء أجانب يرطنون باستعلاء ليعلمونا كيف نعيد للإعلام المصري قوته وريادته، بل كان يحتاج لفك القيود عن المبدعين، ونظام إدارة يؤمن بأن الإعلامي ليس (موظفًا)، بل هو مبدع و(قائد رأي) يحتاج لمساحة من الحرية يمارسها بأدوات وتقنيات متطورة.
خلال السنوات الأخيرة من حكومة مدبولي، كانت هناك "نوايا" معلنة للتطوير، لكنها اصطدمت بعقبات الواقع البيروقراطي والمالي والقانوني والإنساني، فمن أسباب إضاعة فرص التطوير، فوبيا "المساس بالعمالة"، ومراعاة (البعد الاجتماعي)، مع أن التطوير لن يكون على حساب الناس بل بالاستثمار في تطويرهم.
من معوقات التطوير، ارتباط المحتوى بالتمويل الحكومي، حيث ظل المحتوى أسيرًا لسياسات التمويل الحكومي، مما أفقد القنوات مرونتها في المنافسة التجارية وجذب المعلنين، فضلًا عن إهمال الأصول غير المستغلة..
كنوز ماسبيرو
تمتلك الهيئة الوطنية للإعلام كنوزًا من الأرشيف، وأراضٍ، وترددات، واستوديوهات هي الأكبر في المنطقة، لكنها ظلت تُدار بعقلية "المصلحة الحكومية" لا "المؤسسة الاقتصادية".
ترددت الحكومة في تحويل هذه المؤسسات إلى "كيانات اقتصادية إعلامية" مستقلة تعتمد على الابتكار في مصادر الدخل بدلًا من الاعتماد على الدعم الحكومي أو الإعلانات التقليدية، فوقعت أسيرة أزمات مالية متلاحقة وتراجع في جودة المحتوى الاستقصائي والتحليلي.
عند النظر إلى "ماسبيرو" (الهيئة الوطنية للإعلام) خلال سنوات حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، نجد أن التحدي لم يكن في غياب "الخطط"، بل في تعثر تحويل هذه الخطط إلى واقع ملموس يستعيد ريادة المبنى العريق، بدليل فقدان فرصة "التواجد الرقمي السيادي".
نسينا أن العالم الآن يواجه انفجار منصات المشاهدة حسب الطلب (VOD)، وكانت فرصة ماسبيرو، الذي يمتلك أضخم مكتبة تراثية في الشرق الأوسط، في بناء منصة رقمية وطنية عملاقة لا تكلف ماسبيرو الكثير، بل يمكن تمويلها من خلال منح حقوق استغلال الكثير من المحتوى لمنصات خاصة.
النتيجة الصادمة كانت فقدان ماسبيرو لعلاقة مباشرة مع جيل الشباب (Digital Natives)، وضياع عوائد إعلانية واشتراكات كانت كفيلة بسداد جزء كبير من ديونه.
هيكلة ديون ماسبيرو
سأزيدك من الفرص الضائعة، فرصة هيكلة الديون المتراكمة (لبنك الاستثمار القومي)، حيث شهدت سنوات حكومة مدبولي محاولات لجدولة ديون ماسبيرو التي تجاوزت عشرات المليارات، وبكل أسف تم التركيز على "التسويات الورقية" للديون (مبادلة الأراضي والديون) دون ربط ذلك بخطة "هيكلة إدارية" شاملة تقلل الإنفاق وتزيد الموارد البشرية المنتجة.
النتيجة كانت أن الثقل المالي ظل يرهق الميزانية، وظلت الرواتب والمستحقات تمثل عبئًا دون وجود "فائض" للاستثمار في معدات حديثة أو إنتاج ضخم.
إعادة إحياء القنوات الإقليمية
كان لدينا فرصة رائعة لإعادة إحياء القنوات الإقليمية ونجعلها في خدمة التنمية المحلية، وبدلًا من تحويلها إلى قنوات "مجتمعية" رشيقة تعبر عن المواطن في الصعيد والدلتا، استمرت هذه القنوات في العمل بنظام المركزية الشديدة وبإمكانيات متهالكة. والنتيجة: انصرف جمهور الأقاليم عنها تمامًا، وتحولت هذه القنوات إلى مراكز استنزاف مالي دون تأثير حقيقي.
ومن الفرص المهدرة، أن ماسبيرو لديه آلاف المبدعين، لكن الكثير منهم "خارج الخدمة" فعليًا. لم يتم وضع نظام احترافي لإعادة تدريب الكوادر البشرية على لغة الإعلام الحديث.
النتيجة كانت أن الكفاءات الشابة والخبرات الكبيرة تسربت إلى القنوات الخاصة والمهاجرة، بينما بقي المبنى يعاني من تضخم عددي وتراجع في الكفاءة الفنية لمواكبة السوق.
كيف تم قتل قناة النيل للأخبار؟
ومن الفرص الحقيقية المهدرة، لديك قطاع للأخبار به كوادر محترفة، ماذا فعلت بها؟ وكيف قتلنا هذا القطاع؟ كان بإمكان قناة النيل للأخبار أن تعود لتكون المصدر الأول للخبر. للأسف تركناها للقيود البيروقراطية وبطء التفاعل مع الحدث، مما جعل قطاع الأخبار يموت بالسكتة المهنية في صراعه مع القنوات التابعة للقطاع (الخاص/المشترك) التي سحبت البساط من ماسبيرو كله.
النتيجة: تراجع دور "مدرسة ماسبيرو الإخبارية" في تشكيل الرأي العام الإقليمي والدولي.
تطوير ماسبيرو.. جيش من الموظفين
عند فتح ملفات تطوير ماسبيرو (الهيئة الوطنية للإعلام)، كانت الحكومة أمام معضلة: كيف تطور مؤسسة بها نحو 30 ألف (موظف) لا مبدع، بينما التكنولوجيا الحديثة لا تحتاج لأكثر من 10% من هذا العدد؟ أضاع الخوف من غضب هذه الكتلة من البشر داخل مبنى ماسبيرو فرصة كبرى للتطوير.
غابت الرؤية الذكية في التعامل مع جيش جرار من الموظفين، كان من الممكن الاستثمار فيهم بأدوات وآليات تحولهم لقوة منتجة، غياب الرؤية الذكية أدى إلى "تجميد" ماسبيرو، تحول إلى جراج كبير لمجموعة من الموظفين محدودي الكفاءة والقدرة، وبدلًا من إعادة تأهيل هذه الكوادر، تحول التطوير على أيدي أهل الثقة ممن تولى رئاسة ماسبيرو وهم أقل بكثير من التحدي، أقول تحول التطوير من "ثورة إبداعية" إلى إدارة أزمة رواتب!، إلى صداع لوزير المالية وللحكومة.
ومما جعل الفرص الممتازة تضيع فرصة تلو الأخرى، غياب "المايسترو"، سواء وزير يتمتع بالكفاءة أو رئيس (اتحاد الإذاعة والتليفزيون)، (الهيئة الوطنية فيما بعد)، كذلك غابت الرؤية الموحدة، حيث تعددت جهات الإشراف والقرار بين الهيئة الوطنية للإعلام، ووزارة الدولة للإعلام (التي أُلغيت لاحقًا ثم عادت مما يشي بارتباك الحكومة في ملف الإعلام)، إضافة إلى الشركات الخاصة التي تدخلت بشكل ما لإدارة بعض ملفات ماسبيرو، وامتدت بعض الأيادي الآثمة لمكتبة ماسبيرو السمعية والبصرية واختطفت منها كنوزًا بثمن بخس.
عندما غابت الرؤية الموحدة، أصبح لدينا "جزر منعزلة" داخل ماسبيرو، ولعل أكبر دليل حين نضخ ملايين في قناة معينة (عينة للتطوير)، وتُطور بشكل فردي، بينما بقية الاستديوهات والقنوات، وقطاع الإذاعة كاملًا غارقًا في أجهزة السبعينيات.
ديون ماسبيرو
وقعت الهيئة الوطنية للإعلام تحت وطأة الديون، فتوقف الإنفاق على المحتوى بشكل يجعله قادرًا على المنافسة، حسبك أن تعرف أن بنك الاستثمار القومي دائن للهيئة بمليارات الجنيهات، تحولت لكرة نار، تتدحرج من عام لآخر. انشغل قيادات ماسبيرو بسداد فوائد وأقساط الديون، أو بمشكلة الأجور، ولم يتبقَّ شيء لصناعة المحتوى.
والنتيجة أن مبنى فخم بمحتوى فقير لا يجذب معلنًا، ولا ينتظر برامجه جمهور، ولا ينتظر منه تأثير في الرأي العام، ولا يعبر عن الجهود التنموية الضخمة التي تبذلها الدولة للانتقال من حالة العوز لدولة الرفاهة.
كانت هناك فرصة ذهبية لتحويل "مبنى التلفزيون" العريق من كيان مثقل بالديون والعمالة الزائدة إلى "خدمة عامة" (Public Service Broadcasting) على غرار الـ BBC، لكن الفرصة ضاعت حين غابت جرأة القرار، وتفضيل أنصاف الحلول، والاكتفاء بالحلول المسكنة وتأجيل المواجهة الحقيقية مع ملف الديون والترهل الإداري، بدلًا من إطلاق خطة تحول رقمي شاملة تعيد إحياء تراث ماسبيرو بشكل تجاري وجماهيري حديث.
كانت فرص كثيرة تنتظرنا لو بذلنا جهدًا في خلق حالة من المنافسة المحمودة بين مؤسساتنا الإعلامية ومنحناها قدرًا من الحرية، داخل الإطار الوطني لزيادة الجذب بدلًا من توحيد الخطاب على نحو أضر بمركز مصر على مؤشر حرية الإعلام وترتيبنا عالميًا، بل أضر بجهود الحكومة حيث لم تحظ بإعلام فاعل يروج لها عن قدرة.
حالة الارتعاش التي عومل بها ملف تطوير الإعلام المصري، جعلت القيادات في معظم مؤسساتنا الإعلامية مسكونة بحالة من القلق والخوف من المبادرة، أضف إلى ذلك تعطيل العمل في "قانون حرية تداول المعلومات"، رغم الحديث المستمر عن التحول الرقمي، مما جعل البيئة الإعلامية مفتقرة لقانون واضح يسهل عمل الإعلامي والصحفي في الوصول للمعلومة من مصدرها الرسمي.
الوجوه القديمة وتهميش الشباب
ومن الفرص الضائعة، أن الحكومة بدلًا من الاستعانة بوجوه جديدة لجأت إلى عدد من الوجوه القديمة (المكروهة) جماهيريًا، مضيعة فرصة كبيرة لتقديم وجوه جديدة (مدربة، مؤهلة)، الرؤية الاقتصادية البحتة في تقليل خسائر ماسبيرو أو المؤسسات الصحفية جعلتنا نخسر دماء جديدة في الإعلام المصري، حيث ارتكبت أبشع جناية بوقف التعيينات الجديدة.
لقد تم تهميش واضح لجيل الشباب أو تجميد تصعيدهم. وهنا ضاعت فرصة حقيقية في إعادة التطوير بوجوه جديدة، تتقن لغة العصر (الذكاء الاصطناعي، صحافة البيانات، البودكاست)، مما خلق فجوة عمرية وفكرية بين الشاشة والجمهور الشاب ((Gen Z)).
تأخر إطلاق قناة إقليمية
فرصة أخرى أضاعتها حكومة مدبولي في بعث الريادة الإقليمية الضائعة من جديد، تناست أهمية "القوة الناعمة" العابرة للحدود: كانت هناك فرصة لإطلاق قناة إخبارية إقليمية (بمستوى دولي) منذ عام 2018، لكن التأخر في إطلاق "القاهرة الإخبارية" لسنوات جعل الساحة تخلو لمنافسين إقليميين جدد سحبوا البساط تمامًا.
المدهش أن الإعلام المصري يتميز ببنية تحتية جبارة، لكن حكومة مدبولي لم تحاول.. بل لم تجرب كيف تنتهز الفرصة، مثلًا "مدينة الإنتاج الإعلامي"، وكيف أهدرت مواردها، فبدلًا من تحويلها إلى "هوليوود الشرق" الحقيقية عبر جذب الاستثمارات العالمية بتسهيلات ضريبية (المغرب أو الأردن) خير مثال في نجاح مدنهم الإعلامية وفشل مدينتنا القابعة في السادس من أكتوبر، كل إدارات مدينة الإنتاج الإعلامي لم تتعلم من تجارب الإمارات والأردن والمغرب، ارتضى السادة مديرو مدينة الإنتاج الإعلامي السير جنب الحائط بتأجير الاستوديوهات للبرامج الحوارية المحلية. أرأيت إهدارًا للمال العام أكثر من هذا؟
أين الإذاعة من التطوير؟
من جانب آخر، أضاعت حكومة مدبولي فرصة ذهبية في تطوير قطاع الإذاعة، كانت هناك فرصة قوية تلوح في الأفق، تحتاج رئيس إذاعة قوي ومؤازرة من رئيس هيئة شجاع.. لكن أمام ارتعاش رئيس الهيئة، وذعر رئيس الإذاعة، أهدرت فرصة، كانت باختصار تقوم على رقمنة الأثير، فمصر تمتلك شبكات إذاعية هي الأقوى في المنطقة، منها مثلًا (البرنامج العام، صوت العرب، والقرآن الكريم). الفرصة الضائعة كانت في عدم تحويل هذه الشبكات الثلاث الكبار إلى تطبيقات تفاعلية عالمية تصل للمصريين والعرب في الخارج بسهولة، بدلًا من الاعتماد على موجات (MW) و(FM) التي تضعف خارج الحدود.
هل تتخيل لديك جوهرة في الإعلام السياسي اسمها "صوت العرب" كأداة دبلوماسية رقمية، لها تاريخ وتأثير ونجوم، كيف تهملها؟ في الستينيات، كان "صوت العرب" هي المحرك الأول للشارع العربي من المحيط إلى الخليج.
الأغرب، أنه لما ربنا يفتح علينا ونبتكر إذاعة شبابية واعدة مثل راديو مصر، ونستطيع التحول للنموذج (Visual Radio) كإذاعة تجمع بين الخبر والترفيه السريع، لم يتم استثمار نجاحها لتحويلها إلى "إذاعة مرئية" متكاملة بشكل احترافي دائم (كاميرات داخل الاستوديو، بث مباشر تفاعلي، فيديوهات قصيرة "Reels" من كواليس اللقاءات). النتيجة: ظل التفاعل مع الجمهور محصورًا في "الرسائل النصية" والمكالمات، بينما العالم انتقل للتفاعل عبر البث المباشر (Live Streaming) والتعليقات الفورية.
أما لو ذهبنا إلى الفرص الضائعة في الصحافة، فهناك الكثير والكثير رغم جهد خارق قام به المهندس عبد الصادق الشوربجي رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، الذي ورث تركة ثقيلة (ثماني مؤسسات صحفية كبرى إضافة لوكالة أنباء الشرق الأوسط)، ورغم أن الرجل مكبل اليدين إلا أنه استطاع حل عقدة الديون في بعض المؤسسات وما يزال يقاتل في الارتقاء بالبعض الآخر.
لقد أضاعت حكومة مدبولي فرصة تحويل "المؤسسات الصحفية القومية" إلى بنوك معلومات، غير قابلة للمنافسة، فالمؤسسات الصحفية الكبرى تمتلك أرشيفًا ومعلومات لا تملكها جوجل. كيف لم نتعامل مع هذا الأرشيف برؤية مبدعة تجعل منه كنزًا، كافيًا وحده لسداد مديونيات المؤسسات، الفرصة الضائعة كانت في عدم تحويل هذه المؤسسات إلى "مراكز أبحاث وصحافة بيانات" (Data Journalism)، واكتفت بدور "الناقل" للبيانات الرسمية.
كانت الفرصة مواتية لإعادة هيكلة وتطوير المؤسسات الصحفية العريقة لتصبح نموذجًا يحتذى في التطوير، حيث تتوافر بالمؤسسات الكبرى مثل الأهرام والأخبار، ودار التحرير، أضخم الأصول المعرفية في الشرق الأوسط، لكنها في سنوات حكومة مدبولي ظلت "عملاقًا نائمًا" يرفض الاستيقاظ على رنين العصر الرقمي.
كانت هناك فرصة ثمينة في تفعيل نظام "الاشتراكات الرقمية" (Paywall) (مثل نيويورك تايمز) التي تحولت إلى نماذج الربح من القراء بدلًا من المعلنين، للأسف ظلت الصحف القومية تعتمد على دعم الدولة أو إعلانات محدودة.
الدكتور حسن علي
أستاذ وعميد كلية الإعلام جامعة السويس الأسبق
