بين البصارة والعجة، كيف تحولت خطبة الجمعة إلى وصفة نكاية في السلطة
شهدت مصر خلال عصر الدولة الفاطمية صراعا من نوع خاص، لم تكن أدواته السيوف فحسب، بل كانت الكلمة والسخرية والذكاء الشعبي هي السلاح الأول في مواجهة محاولات فرض المذهب الشيعي على تمسك الشعب بهويته السنية، فبينما حاول الحكام إغلاق كافة منافذ التعبير، كان المصريون يبتكرون طرقا جديدة في مقاومة القهر، محولين منابر المساجد إلى منصات للنقد السياسي المغلف بالدين.
خطباء المساجد والسياسة
وفي كتابه "هوامش المقريزي -حكايات من مصر" للكاتب الصحفي الراحل صلاح عيسى، يحكى واقعة طريفة عن قدرة المصريين على استخدام السخرية والفكاهة كفعل من أفعال مقاومة الاستبداد.
فقد تحول خطباء المساجد في ذلك العصر إلى محللين سياسيين بزي الوعاظ، فكانت الخطبة تبدأ بحديث ظاهره الوعظ الديني التقليدي، وباطنه إسقاط لاذع على واقع الحكم ومعاناة الرعية، ومع إدراك السلطة لهذه الحيلة، بدأت تصدر أوامر صريحة بمنع تناول سير الصحابة والتابعين، ومنع استخدام "لغة الماضي" للإشارة إلى الحاضر فى خطبة الجمعة، في محاولة لقطع الطريق على الخطباء الذين برعوا في "الإسقاط التاريخي".
"بصارة" على المنبر
في واحدة من أطرف القصص التي جسدت هذا الصراع، يحكي صلاح عيسى في كتابه "هوامش المقريزي" عن اضطرار أحد أئمة القاهرة فى خطبة الجمعة، إلى اللجوء إلى أغرب حيلة ممكنة للإفلات من الرقابة، فبعد أن منع من الحديث في شؤون الدين والسياسة، استهل خطبته بحديث نبوي عن "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف …"، ليعرج منه فجأة إلى الحديث عن "البصارة" بوصفها أحد الأطعمة التى تعد مصدرا للقوة.
واستطرد الخطيب في شرح مقادير "البصارة" المصرية، وتفاصيل طحن الفول وخلطه بالخضروات، بل وعقد مقارنات بين طريقة طهيها في دمياط والصعيد، والفرق بينها وبين "الطريقة الشامية"، وبينما ظن المصلون أن الخطيب قد مسه الجنون، فقد أدركوا بعد دقائق الرسالة بأن الأوامر قد صدرت للخطيب بألا يتحدث، فاتخذ موضوعا ليس له علاقة به.
سخرية المصريين لا تهزم
لم يدم هذا الوضع طويلا، إذ سرعان ما جاءت أوامر الحكام في الجمعة التالية تمنع أئمة المساجد من الحديث عن "البصارة أو العجة أو أي طعام آخر".
