رئيس التحرير
عصام كامل

50 عاما على رحيل حسين صدقي.. الفنان المصلح وواعظ السينما الذي سجن نفسه في الأدوار المثالية

الفنان حسين صدقى
الفنان حسين صدقى
18 حجم الخط

الفنان حسين صدقي، وُصف بالفنان المصلح الاجتماعي، و«واعظ السينما»، ورجل الفضيلة الذي آمن برسالة الفن قبل بريقه، حتى إن المصور الفرنسي «مسيو كورنيل» أطلق عليه لقب «النجم الجنتلمان»، قدّم أعمالًا هادفة ممثلًا ومنتجًا ومخرجًا، وأوصى قبل رحيله بحرق جميع أفلامه ما عدا فيلم «خالد بن الوليد»، رحل في مثل هذا اليوم عام 1976، بعد مسيرة فنية اتسمت بالالتزام والجدل.

ابن الحلمية الذي تعلم في المعاهد الحرة

وُلد حسين صدقي عام 1917 بحي الحلمية الجديدة في القاهرة، رحل والده وهو طفل، فتولت والدته التركية تربيته على نشأة دينية محافظة، أحب الفن منذ صغره، وتتلمذ على يد روّاد المسرح مثل جورج أبيض، وعزيز عيد، وزكي طليمات في فريق التمثيل بمدرسة الإبراهيمية.

التحق بالدراسة المسائية في المعاهد الحرة، وحصل على دبلوم التمثيل بعد عامين، ليبدأ مشواره الفني في أواخر الثلاثينيات بمسرحية «ألف ليلة وليلة» مع جورج أبيض. كان أول ظهور سينمائي له عام 1937، وشارك بعدها في عدة أفلام، لتنطلق مسيرته سريعًا نحو البطولة.

ليلى مراد وحسين صدقى فى شاطئ الغرام 
ليلى مراد وحسين صدقى فى شاطئ الغرام 

بين العزيمة وشاطئ الغرام… فتى الشاشة الأول

امتد مشواره السينمائي لأكثر من ربع قرن، قدّم خلاله ما يزيد على 35 فيلمًا. من أبرزها فيلم «العزيمة» أمام فاطمة رشدي، الذي رسّخ مكانته نجمًا أول، وكذلك فيلم «شاطئ الغرام» أمام ليلى مراد.

بدأ الإخراج بفيلم «غدر وعذاب» عام 1947، وكان آخر أعماله الإخراجية فيلم «خالد بن الوليد» عام 1958، وبينهما قدّم أفلامًا اجتماعية ذات رسالة واضحة مثل «طريق الشوك» و«الأبرياء» و«البيت السعيد»، كما ناقش في فيلم «الشيخ حسن» قضية الوحدة الوطنية والعلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مصر في سياق اجتماعي حساس.

حسين صدقى فى فيلم الشيخ حسن 
حسين صدقى فى فيلم الشيخ حسن 

أما فيلم «معركة الحياة» فكان صرخة أخيرة في وجه الصراع الأبدي بين المادية والروحية، أو بين المثالية والوصولية، مؤكدًا أن الفن لديه وسيلة إصلاح لا مجرد ترفيه.

الفنان حسين صدقى 
الفنان حسين صدقى 

السينما الوطنية… غزة والقناة على الشاشة

إلى جانب القضايا الاجتماعية، قدّم حسين صدقي أفلامًا وطنية، منها فيلم «وطني وحبي» الذي تناول دور القومية العربية في القضية الفلسطينية، وصُوِّرت مشاهد منه في غزة، وفيلم «يسقط الاستعمار» الذي تناول مقاومة المصريين للاحتلال الإنجليزي في منطقة القناة عام 1951. وقد رُفض عرض الفيلم في العهد الملكي، ولم يُعرض إلا بعد قيام الثورة.

«مصر الحديثة»… الإنتاج من أجل الفكرة

اتجه حسين صدقي إلى الإنتاج ليضمن السيطرة على مضمون أعماله، فأسس عام 1942 شركة «مصر الحديثة»، التي قدّمت نحو 27 فيلمًا تناولت قضايا المواطن المصري. وكان فيلم «العامل» باكورة إنتاجها، وقد أثار جدلًا واسعًا حتى تعرّض للمنع قبل أن يُعرض بعد حذف أجزاء منه.

«خالد بن الوليد»… الفيلم الذي نجا من النار

يُعد فيلم «خالد بن الوليد» العمل الاستثنائي في مسيرته؛ إذ أوصى باستثنائه من قرار حرق أفلامه. تناول الفيلم سيرة القائد الإسلامي سيف الله المسلول، منذ معاداته الدعوة الإسلامية حتى إسلامه وجهاده دفاعًا عنها. استغرق تصويره ثلاث سنوات في منطقة أبو رواش، وصُمّم ديكور ضخم يحاكي مكة المكرمة، وشارك فيه عدد كبير من الفنانين والمجاميع، ليصبح من أضخم إنتاجات تلك المرحلة.

مشروعات لم تكتمل.. وأحلام أوقفتها الرقابة

تمنى حسين صدقي تقديم فيلم عن الزعيم الوطني مصطفى كامل، لكن خلافه مع الرقابة حول مشاهد حادثة دنشواي أوقف المشروع. كما حلم بتقديم فيلم عن نبي الله يوسف، وبعد حصوله على موافقة شيخ الأزهر آنذاك محمد مصطفى المراغي، فوجئ برفض الرقابة. ورحل وهو يفكر في مشروع ثالث عن عمر بن الخطاب.

«سهم الله».. النهاية الفنية

كان فيلم «سهم الله» آخر إنتاج لشركته، لكنه توفي قبل الانتهاء من مونتاجه. الفيلم ديني يتناول مكائد يهود المدينة ضد الدعوة الإسلامية في بداياتها، وقام ببطولته يوسف شعبان، ومنى جبر، وأخرجه أحمد طنطاوي.

حسين صدقي… الفنان الذي اختلفوا عليه

ظل حسين صدقي نموذجًا للفنان صاحب الرسالة، آمن بأن السينما أداة إصلاح وتنوير، فاختار البطولة المقيدة بالقيم، وسجن نفسه في الأدوار المثالية. وبين مؤيد يرى فيه ضميرًا فنيًا، ومعارض اعتبره مباشرًا وواعظًا، يبقى اسمه حاضرًا كأحد أبرز رموز السينما المصرية ذات التوجه الأخلاقي والوطني.

الجريدة الرسمية