رئيس التحرير
عصام كامل

ترام الإسكندرية يطوي رحلة 166 عاما، والمحطات تحكي قصص المدينة ( صور)

ترام الاسكندرية
ترام الاسكندرية
18 حجم الخط

وسط أصوات المحركات القديمة وصرير العجلات على القضبان، يودع أهالي الإسكندرية وركابها العاديون والسياح، أحد أقدم رموز المدينة، ترام الإسكندرية، بعد قرون من الخدمة الممتدة التي حملت بين عرباتها ذكريات الملايين. 

رحلة لم تكن مجرد وسيلة مواصلات، بل سجل حي شاهد على تاريخ المدينة وتفاصيل حياة سكانها اليومية.

البداية: ترام الإسكندرية وعهد سعيد باشا

بدأت قصة ترام الإسكندرية في عام 1860، عندما صدر فرمان التأسيس في عهد سعيد باشا. كانت الفكرة جديدة ومبتكرة للمدينة التي كانت تبحث عن وسيلة نقل حديثة تسهل حركة السكان والزوار بين الموانئ والمراكز الحيوية. بعد ثلاث سنوات، في 1863، انطلق التشغيل الفعلي باستخدام الخيول، حيث كانت العربات تتجول ببطء على طول شوارع المدينة، محملة بالبضائع والركاب، في مشهد أشبه بالرسم الحي لتاريخ القرن التاسع عشر.

ثم جاء عام 1869، حيث تحول الترام للعمل بالبخار، مما زاد من سرعته وكفاءته، قبل أن تشهد 1902 ثورة تكنولوجية أخرى بتحويله بالكامل للعمل بالكهرباء، ليصبح أول ترام كهربائي في أفريقيا والشرق الأوسط، ورابع أقدم ترام في العالم، محققًا قفزة نوعية في وسائل النقل بالمدينة.

حقبة تأميم الهيئة العامة لنقل الركاب

مع الخمسينيات، جاء قرار تأميم الشركة وتحويلها إلى "الهيئة العامة لنقل الركاب بمحافظة الإسكندرية". رغم الصعوبات الاقتصادية والسياسية التي رافقت تلك المرحلة، حافظ الترام على دوره الأساسي في نقل المواطنين، ليظل رمزًا للهوية السكندرية، وسجلًا حيًا لثقافة المدينة الشعبية.

عربات الترام بين التراث والحداثة

اليوم، يتكون ترام الإسكندرية من نوعين رئيسيين:

ترام الرمل (الأزرق): يربط شرق المدينة، من محطة فيكتوريا إلى وسط المدينة عند محطة الرمل، يتميز بالسرعة والمسار المعزول غالبًا، ويحوي عربات دورين فريدة.

ترام المدينة (الأصفر): يربط وسط المدينة بغربها، يسير داخل الشوارع والمناطق الشعبية، حيث يمكن للركاب مشاهدة الحياة اليومية من النوافذ على مقربة من الأسواق والمنازل.

العربات القديمة تحمل الكثير من الذكريات، خصوصًا العربة رقم 601، الصنع البلجيكي عام 1931، والتي أعيد ترميمها في 2020 كترام تراثي للسياحة والرحلات الخاصة. هذه العربة ذات التصميم الكلاسيكي الخشبي واللون الأحمر الملكي تعتبر متحفًا متحركًا يعكس روح المدينة. أما العربات "الدورين" اليابانية الصنع (Kinki Sharyo)، فكانت جزءًا من تاريخ المدينة منذ السبعينيات والثمانينيات، ويعمل منها حاليًا 6 فقط على خط ترام الرمل.

محطة الرمل قلب ذكريات المدينة

محطة الرمل، المحطة الرئيسية، كانت أكثر من مجرد نقطة توقف. هنا يبدأ كل صباح مشهد الحياة الإسكندرية: الطلاب في طريقهم للمدارس، العمال في طريقهم للمصانع، والسياح الباحثون عن لمسة من التاريخ. وتمر العربات على محطات تبادلية متعددة مثل محطة "سترايشن" و"سيدي جابر"، حيث تتلاقى قصص الناس، وتتشابك ذكريات الرحلات اليومية مع رائحة البحر وأصوات الباعة.

وداع العربات لحظة حنين

مع الإعلان عن توقف ترام الإسكندرية، امتلأت المحطات بالحركة والنشاط، لكن مع لمسة من الحزن. ركاب كبار السن، الذين قضوا حياتهم في متابعة مسار الترام، وقفوا لالتقاط صور نهائية لعرباتهم المفضلة. بعضهم رويت ذكريات الطفولة: "كنت أركب هذا الترام مع والدي كل صباح، ولا زلت أذكر صوت صرير العجلات على القضبان، ورائحة القهوة التي كانت تباع على الأرصفة".

مصير الترام بعد التطوير

وفق الخطط الحديثة لتطوير وسائل النقل، سيتم إيقاف الترام مؤقتًا لإجراء صيانة شاملة وتحديث الشبكة بالكامل، على أن يتم استبدال بعض العربات الحديثة بالجيل الجديد من الترام الكهربائي الصديق للبيئة، بينما سيتم الاحتفاظ بالعربات التراثية، بما فيها العربة رقم 601 و6 عربات "دورين"، لأغراض سياحية وتراثية، لتظل شاهدة على تاريخ المدينة.

تجربة الركوب السعر والرحلة

رحلة الترام لم تكن فقط وسيلة مواصلات، بل تجربة متكاملة للزوار والسكان. تبدأ الرحلة من فيكتوريا أو الشرق، مرورًا بمحطات وسط المدينة مثل سترايشن ومحطة القبة، وانتهاء عند محطة الرمل، أو العكس، حسب الاتجاه. سعر التذكرة لم يكن مرتفعًا، حيث بلغ متوسطها حوالي 5 جنيهات للرحلة القصيرة، مما جعل الترام وسيلة ميسرة للجميع، من الطلاب إلى كبار السن، دون تمييز.

 

وداع نوستالجي أكثر من مجرد ترام

وداع ترام الإسكندرية ليس مجرد توقف وسيلة مواصلات، بل فقدان رمز ثقافي واجتماعي. العربات، المحطات، المسارات، وحتى صوت صرير العجلات، كلها عناصر شكلت ذاكرة جماعية للمدينة. ورغم أن التحديث ضروري لتسهيل النقل، فإن حفظ القطع التراثية يضمن بقاء روح المدينة حية، ويتيح للأجيال القادمة التعرف على تاريخهم بطريقة ملموسة ومليئة بالمشاعر.

وفي النهاية، يبقى ترام الإسكندرية أكثر من مجرد وسيلة مواصلات: إنه رحلة عبر الزمن، يحمل بين عجلاته قصص الحب والعمل والطفولة، ورائحة البحر، وأصوات الأسواق الشعبية، ليظل رمزًا خالدًا في ذاكرة سكان المدينة، ودعوة للجميع لاسترجاع النوستالجيا التي صنعت هوية الإسكندرية عبر أكثر من قرن ونصف.

الجريدة الرسمية