رئيس التحرير
عصام كامل

اضطرابات في سوق الذهب والفضة.. المخاوف من تباطؤ النمو العالمي وتراجع الثقة في أدوات الدين التقليدية "أبرز الأسباب".. وخبراء: التوترات الجيوسياسية والتخبط في الفائدة ترفع الأسعار

 اضطرابات في سوق
اضطرابات في سوق الذهب والفضة
18 حجم الخط

لم يكن عام 2025 عامًا عاديًا على أسواق المعادن النفيسة مثل الذهب والفضة، بل مثل نقطة تحول تاريخية أعادت الذهب والفضة إلى صدارة المشهد الاقتصادي عالميًا ومحليًا، من ارتفاعات غير مسبوقة، قفزات سعرية متتالية، وإقبال محموم من المستثمرين والأفراد، قبل أن تأتي صدمة الجمعة الماضي 26 من يناير 2026 لتطرح سؤالًا جوهريًا: هل ما شهدناه كان فقاعة سعرية؟ أم مجرد تصحيح في مسار طويل لم ينته بعد؟

حسب خبراء أسواق المال، شهدت الأسواق العالمية خلال 2025 واحدة من أعنف موجات الصعود في أسعار المعادن النفيسة، مدفوعة بعدة عوامل متشابكة، منها تصاعد المخاوف من تباطؤ النمو العالمي، وتراجع الثقة في أدوات الدين التقليدية، أعادا الذهب والفضة إلى دورهما التاريخي كملاذ آمن، بالإضافة إلى التراجع الحاد في أداء الدولار خلال فترات طويلة من 2025 عزز جاذبية الذهب المسعر بالدولار، ورفع الطلب الاستثماري عليه.

مع التذبذب في قرارات البنوك المركزية العالمية بشأن أسعار الفائدة، خلق حالة عدم يقين دفعت المستثمرين للتحوط بالمعادن.

ويؤكد خبراء أسواق المال على أنه وبجانب دور الفضة الاستثماري، استفادت من الطلب الصناعي المتزايد، خاصة في قطاعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا، ما ضاعف مكاسبها.

قالت الدكتورة درية ماضي خبيرة الاقتصاد ومدرس التمويل بجامعة عين شمس: ما حدث ليس انهيارًا، بل تصحيح طبيعي بعد موجة صعود مبالغ فيها، والأساسيات ما زالت داعمة للذهب، مضيفة: الفضة دخلت مرحلة إعادة تقييم، ومن الطبيعي أن تتراجع مؤقتًا قبل استكمال الاتجاه الصاعد، حيث إن السوق يفرز الآن المضارب من المستثمر الحقيقي، ومن يملك نفسًا طويلًا لن يخسر.

ونوهت بأن ما يشهده سوق الذهب عالميًا من ارتفاعات قياسية واقترابه من مستويات تتراوح بين 4,900 و5,000 دولار للأوقية يعكس بوضوح حالة القلق وعدم اليقين المسيطرة على الاقتصاد العالمي في المرحلة الحالية، سواء نتيجة التوترات الجيوسياسية، أو تباطؤ معدلات النمو، أو التخبط في سياسات أسعار الفائدة لدى البنوك المركزية الكبرى، هذه العوامل مجتمعة أعادت الذهب إلى صدارة المشهد كملاذ آمن تقليدي يلجأ إليه المستثمرون لحماية رؤوس أموالهم في أوقات الاضطراب.

وتوضح ماضي أن الذهب لم يعد مجرد أداة للتحوط من التضخم فقط، بل أصبح أيضًا وسيلة لحماية القوة الشرائية في ظل ضعف بعض العملات وارتفاع مستويات الدين عالميًا، مشيرة إلى أن العلاقة العكسية بين أسعار الذهب وأسعار الفائدة ما زالت تلعب دورًا محوريًا في تحركات السوق، خاصة مع تزايد التوقعات بشأن توجه بعض البنوك المركزية إلى تخفيف السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.

وأكدت د. درية ماضي أن سوق الفضة يختلف نسبيًا عن الذهب، حيث يتسم بدرجة أعلى من الحساسية تجاه التغيرات الاقتصادية، نظرًا لاعتمادها على الطلب الصناعي إلى جانب كونها أداة استثمارية.

هذا التداخل يجعل أسعار الفضة أكثر عرضة لتقلبات حادة وصعود وهبوط سريع، وهو ما ظهر بوضوح في الجلسات الأخيرة التي شهدت تراجعات مفاجئة رغم الاتجاه الصاعد على المدى الطويل.

وفيما يتعلق بالتوقعات المستقبلية، تشير ماضي إلى أن بعض التقارير الدولية تتوقع استمرار الاتجاه الصاعد للذهب وربما وصوله إلى مستويات تتراوح بين 6,100 و6,700 دولار للأوقية، في حين قد تتجاوز أسعار الفضة نطاق 175 إلى 220 دولارًا للأوقية بحلول نهاية عام 2026، إلا أن هذه السيناريوهات تبقى مشروطة باستمرار عوامل عدم اليقين العالمية، كما أن اختلاف التوقعات بين البنوك الاستثمارية والمؤسسات المالية الكبرى، مثل جولدمان ساكس وجي بي مورجان، يرجع إلى تباين تقديراتهم لمسار التضخم، وقوة الدولار، وسرعة التعافي الاقتصادي، إضافة إلى اختلاف أدوات التحليل الفني والافتراضات الزمنية لكل مؤسسة، مختتمة تصريحاتها لـ «فيتو» بالتأكيد على أن القرار الاستثماري يجب أن يكون مبنيًا على طبيعة المستثمر وأهدافه، قائلة: «بالنسبة للمستثمر العادي، يظل الذهب خيارًا مناسبًا كمخزن للقيمة وأداة لتقليل المخاطر داخل المحافظ الاستثمارية، وليس وسيلة للمضاربة قصيرة الأجل.

أما الفضة، فعلى الرغم من الفرص التي تحملها، إلا أنها تتطلب وعيًا أكبر بإدارة المخاطر وتوقيت الدخول والخروج، خاصة في ظل التقلبات العنيفة المتوقعة خلال الفترة القادمة وحتى فبراير 2026».
أوضح الدكتور هاني ميلاد، رئيس شعبة الذهب، أن الاستثمار في الذهب يُعد استثمارًا طويل المدى، وليس بهدف البيع بعد أسبوع أو شهر أو الاستفادة من فروق سعرية بسيطة، مؤكدًا أن هذا النوع من التعامل يسمى مضاربة وليس استثمارًا حقيقيًا.

وأضاف ميلاد أن شعبة الذهب تستبعد تمامًا فكرة المضاربة، وتؤكد دائمًا على أن الذهب وسيلة للادخار والاستثمار الآمن، حيث يحقق المستثمر مكاسب حقيقية على المدى الطويل من خلال البيع والشراء المدروس.

وأشار ميلاد إلى أن التوقيت الأمثل للاستثمار هو عند انخفاض الأسعار، حيث يعقب ذلك عادة موجات ارتفاع جديدة، وهو ما يحقق عوائد أفضل للمستثمر على المدى الطويل.

الذهب ملاذ آمن ومخزون للقيمة

وأكد أن المستثمر العادي ينظر إلى الذهب إما كملاذ آمن أو كمخزون للقيمة، موضحًا أن المفهومين يحملان نفس المعنى، لأن الذهب يحافظ على قيمة الأموال ويعد استثمارًا آمنًا في أوقات عدم الاستقرار الاقتصادي.

توقعات أسعار الذهب خلال الفترة المقبلة (فبراير 2026)

وحول التوقعات المستقبلية، أوضح رئيس شعبة الذهب أن الرؤية الحالية يشوبها قدر من الضبابية وعدم الوضوح، إلا أن استمرار عوامل الطلب ووجود نفس مقومات الارتفاع يدعم توقعات بزيادة الأسعار خلال الفترة القادمة.

وأشار ميلاد إلى أن الذهب يعد أكثر أمانًا من الفضة، نظرًا لاعتماد البنوك المركزية عليه كأصل استراتيجي، وعدم كونه مجرد أداة مضاربة أو أوراق مالية، موضحًا أن الذهب يتمتع بدرجة أعلى من الاستقرار، ما يجعله الخيار الأفضل للاستثمار والادخار مقارنة بالفضة.

ومن جانبه يؤكد الدكتور نبيل فرج، خبير أسواق المال، أن المواطن المصري كان الطرف الأكثر تأثرًا بموجة الارتفاعات القياسية في أسعار الذهب خلال 2025، موضحًا أن الذهب لم يعد مجرد حلي للزينة، بل أصبح عبئًا على كثير من الأسر التي اعتادت الادخار أو تجهيز البنات من خلاله، وهو ما انعكس بوضوح داخل سوق الصاغة مع تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكلفة الجرام لمستويات غير مسبوقة.

ويشير فرج إلى أن سوق الصاغة شهد تحولات لافتة، حيث اتجه عدد كبير من المواطنين إلى شراء الأوزان الصغيرة أو المشغولات الخفيفة، بينما لجأ آخرون إلى الفضة كبديل أقل تكلفة، مؤكدًا أن ارتفاع الأسعار غير خريطة الطلب داخل السوق، وأعاد تعريف مفهوم «الشراء للضرورة» مقابل «الشراء للاستثمار».

وأضاف الدكتور نبيل فرج خبير أسواق المال أن تذبذب الأسعار، خاصة مع الهبوط المفاجئ الذي شهده السوق في نهاية يناير 2026، خلق حالة من الارتباك داخل البيوت المصرية، بين من اندفع للشراء خوفًا من صعود جديد، ومن فضل الترقب انتظارًا لمزيد من الانخفاضات، ما انعكس على حركة البيع والشراء داخل محال الصاغة بصورة غير مستقرة.

ويؤكد فرج أن تأثير أسعار الذهب لم يتوقف عند حدود السوق، بل امتد إلى أنماط الاستهلاك داخل الأسرة المصرية، حيث أعادت كثير من الأسر ترتيب أولوياتها، وقلصت من حجم المشتريات أو أجلت قرارات الزواج والخطوبة، في ظل ارتفاع تكلفة الشبكة، وهو ما جعل الذهب عنصر ضغط اقتصادي واجتماعي في آن واحد، مختتما تصريحاته بالتأكيد على أن وعي المواطن أصبح العامل الحاسم في المرحلة الحالية، مشددًا على أن الذهب يجب أن ينظر إليه كأداة ادخار طويلة الأجل وليس وسيلة للربح السريع، لافتًا إلى أن القرارات المتسرعة في أوقات التذبذب قد تكبد الأسر خسائر غير ضرورية، بينما يظل الشراء المدروس في التوقيت المناسب هو الخيار الأكثر أمانًا.

الجريدة الرسمية