خبير شؤون إفريقية: إفريقيا لم تعد ساحة صراع عسكري بل معركة على وعي الشباب
قال الدكتور رامي زهدي، خبير الشؤون الإفريقية، إن القارة السمراء لم تعد ساحة صراع تقليدي بين الجيوش والأساطيل، ولا مجرد خريطة مفتوحة للثروات الطبيعية والممرات الاستراتيجية، بل أصبحت اليوم مسرحًا أكثر تعقيدًا لمعركة من نوع جديد، هي معركة على العقول قبل الأرض، وعلى الوعي قبل القرار، وعلى الجيل الصاعد قبل النخب الحاكمة.
وأكد زهدي، عبر صفحته على موقع فيس بوك، أن التجنيد الناعم في القارة الإفريقية لم يعد نشاطًا هامشيًا أو أداة ثانوية للنفوذ، بل تحول في كثير من الأحيان إلى جوهر الاستراتيجيات الدولية وأساس الرهان طويل المدى، خاصة في قارة يشكل الشباب فيها أكثر من 60% من إجمالي السكان، ويعاني قطاع واسع منهم من هشاشة اقتصادية واضطرابات سياسية وتآكل الثقة في المؤسسات الوطنية.
وأوضح أن أفريقيا، وعلى مدار أكثر من مئة عام، كانت هدفًا استخباراتيًا بامتياز، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي أو ثرواتها الطبيعية، ولكن لكونها بيئة مرنة لإعادة هندسة النفوذ باستخدام أدوات أقل تكلفة وأكثر تأثيرًا.
وأشار إلى أن أجهزة الاستخبارات الكبرى، سواء التابعة لقوى الاستعمار القديم أو للقوى الصاعدة الساعية إلى موطئ قدم في النظام الدولي، أدركت مبكرًا أن السيطرة المباشرة قصيرة العمر، وأن الاستثمار في الإنسان، وتحديدًا في وعي الشباب، هو الطريق الأضمن لتكريس النفوذ واستدامته.
وأضاف أن القارة الإفريقية تحولت إلى مختبر مفتوح لاختبار أنماط متعددة من الاختراق الناعم، تتغير أدواته بتغير الزمن، بينما يظل جوهره ثابتًا، ويتمثل في تحويل الشباب من طاقة وطنية محتملة إلى رافعة تخدم مصالح خارجية، سواء بوعي أو دون وعي.
وأكد زهدي أن القوى الاستعمارية التقليدية مثل فرنسا وبريطانيا والبرتغال وإيطاليا وألمانيا لم تغادر إفريقيا بالكامل كما يعتقد البعض، لكنها غيرت أدواتها، فاستبدلت الحاكم العام والقوات النظامية بشبكات نفوذ ثقافي، ومنح دراسية، وبرامج تبادل، ومنظمات غير حكومية، وإعلام موجه، إلى جانب الشركات العابرة للقارات.
وفي المقابل، أشار إلى دخول قوى جديدة إلى الساحة الإفريقية تستخدم خطاب الشراكة والتنمية أو الاستثمار والبنية التحتية أو الدعم الأمني، بينما تعمل في الخلفية على بناء قواعد تأثير داخل المجتمعات المحلية.
وأوضح أن الشباب الإفريقي يمثل البوابة الأساسية للتجنيد الناعم، ليس فقط لأنه الفئة الأكبر عددًا، بل لأنه الأكثر تعرضًا للإحباط والاغتراب السياسي والاجتماعي، لافتًا إلى أن معدلات البطالة بين الشباب في كثير من الدول الإفريقية تتجاوز 30%.
وأشار إلى أن هذا الفراغ يتيح للأطراف الخارجية التسلل، عبر تقديم نفسها كفرصة أو حليف أو نافذة على عالم أكثر عدلًا، بينما الهدف الحقيقي يتمثل في بناء علاقات ولاء أو اعتماد طويل المدى.
واختتم خبير الشؤون الأفريقية تصريحاته بالتأكيد على أن مواجهة التجنيد الناعم في إفريقيا لا يمكن أن تتم عبر المقاربات الأمنية وحدها، بل تحتاج إلى رؤية شاملة تعيد الاعتبار للاستثمار في الإنسان، وتضع الشباب في قلب المشروع الوطني، لا على هامشه.

