رئيس التحرير
عصام كامل

غرباء اختاروا مصر وطنا، حكايات يونانيين دفنوا في قلب القاهرة (صور)

 يونانيين دُفنوا
يونانيين دُفنوا في قلب القاهرة
18 حجم الخط

في منطقة  مجمع الأديان بمصر القديمة، حيث تتجاور الرموز الدينية وتتشابك طبقات التاريخ، تقع مقابر الروم الأرثوذكس بجوار كنيسة مار جرجس الروماني، واحدة من أقدم الكنائس التابعة للبطريركية اليونانية الأرثوذكسية في مصر.

ورغم أن المكان لا يحظى بشهرة المواقع الأثرية المجاورة، فإنه يحمل قيمة تاريخية وإنسانية بالغة، باعتباره شاهدًا صامتًا على وجود جالية يونانية لعبت دورًا مهمًا في الحياة المصرية الحديثة.

الكنيسة والمقبرة… علاقة حياة وموت

لم تنشأ مقابر الروم الأرثوذكس بمعزل عن الكنيسة، بل جاءت كامتداد طبيعي لها.

فكنيسة مار جرجس الروماني لم تكن مجرد دار عبادة، بل مركزًا اجتماعيًا وروحيًا للجالية اليونانية في القاهرة، خاصة منذ القرن التاسع عشر. ومع ازدياد أعداد أبناء الطائفة، برزت الحاجة إلى مكان دفن قريب من الكنيسة، يحفظ الطقوس الدينية ويعكس هوية الطائفة.

هكذا تشكّلت  المقابر بوصفها جزءًا من النسيج الديني للمكان، تجمع بين الحياة اليومية والذاكرة الأخيرة.

من هم المدفونون في مقابر الروم؟

لا تضم المقابر أسماء لنجوم أو شخصيات عامة معروفة على نطاق واسع في التاريخ المصري الرسمي، لكنها تحتوي على نخبة مؤثرة داخل الجالية اليونانية نفسها.

فالمدفونون هنا ينتمون إلى فئات لعبت أدوارًا محورية في المجتمع، من:

  • تجار أسهموا في الحركة الاقتصادية
  • أطباء وصيادلة خدموا الجالية والسكان المحليين
  • معلمين عملوا في المدارس اليونانية
  • أصحاب مطابع وورش ومهن حرة

كما تضم المقابر عددًا من رجال الدين الذين خدموا كنيسة مار جرجس، وهو ما يعزز الارتباط الوثيق بين الكنيسة والمكان.

شواهد قبور تحكي أكثر مما تبدو

اللافت داخل المقابر هو تنوع شواهد القبور، المكتوبة أحيانًا باليونانية فقط، وأحيانًا باللغتين اليونانية والعربية.

هذا التداخل اللغوي يعكس حالة من الاندماج الثقافي عاشتها الجالية، إذ حافظت على لغتها الأصلية، لكنها تبنّت العربية كلغة مجتمع وحياة يومية.

تحمل الشواهد:

  • أسماء عائلات يونانية استقرت في مصر لأجيال
  • تواريخ ميلاد تشير إلى ولادة بعض المدفونين داخل مصر
  • عبارات وداع بسيطة تخلو من المبالغة
  • رموز دينية أرثوذكسية تقليدية

الطراز المعماري… بساطة بلا صخب

تتسم المقابر بطراز معماري متواضع، يعكس روح الزمن الذي أُنشئت فيه.

فلا توجد أضرحة فخمة أو زخارف مبالغ فيها، بل شواهد حجرية بسيطة، وصلبان يونانية، ومساحات ضيقة تعكس طبيعة المكان كجبانة دينية لا استعراضية.

وبين القبور، تنمو النباتات البرية، وتظهر آثار التآكل على بعض الشواهد، في مشهد بصري يعبّر عن مرور الزمن، وعن ذاكرة بدأت تتراجع مع تقلص أعداد الجالية اليونانية في مصر منذ منتصف القرن العشرين.

المقابر كوثيقة تاريخية غير مكتوبة

تمثل مقابر الروم الأرثوذكس وثيقة تاريخية مفتوحة، يمكن من خلالها قراءة مراحل:

  • ازدهار الجالية اليونانية في مصر
  • اندماجها في المجتمع
  • ثم تراجع حضورها مع التحولات السياسية والاقتصادية

ومن خلال الأسماء والتواريخ، يمكن تتبع تاريخ هجرة واستقرار لم يُوثق دائمًا في الكتب، لكنه محفوظ على الحجر.

بين الغربة والانتماء

اختيار هؤلاء أن يُدفنوا في مصر، رغم انتمائهم اليوناني، يكشف عن علاقة انتماء تتجاوز فكرة الغربة.

فالمقابر تؤكد أن مصر لم تكن محطة مؤقتة، بل وطنًا حقيقيًا احتضن حياتهم ونهايتهم.

هذا البُعد الإنساني يمنح المكان قيمة إضافية، ويحوّل المقابر من مجرد موقع دفن إلى مساحة للتأمل في معنى الوطن والهوية.

ذاكرة مهددة بالنسيان

رغم أهميتها، لا تحظى  مقابر الروم الأرثوذكس باهتمام سياحي أو إعلامي كافٍ، وهو ما يجعلها مهددة بالنسيان.

غير أن وجودها داخل مجمع الأديان يمنحها فرصة لإعادة الاكتشاف، بوصفها جزءًا من تاريخ التعدد والتعايش الذي ميّز مصر لعقود طويلة.

بين كنيسة مار جرجس وصمت المقابر، تقف ذاكرة الجالية اليونانية شاهدة على زمن عاشته مصر بكل تنوعه.

ذاكرة لم تُرفع لها لافتات، لكنها لا تزال محفورة على الحجر، تنتظر من ينصت إليها.

الجريدة الرسمية