"أنطونيادس"، قصة حدائق تحمل تاريخ الإسكندرية بين أشجارها وتماثيلها (صور)
في الإسكندرية، المدينة التي تنام على إرث هائل من الحضارات، تقف حدائق أنطونيادس كأحد أعمق الأماكن التي تختزن ملامح التاريخ بين ثناياها. فهي ليست مجرد مساحة خضراء للراحة أو نزهة عائلية، بل حاضنة لقصص ممتدة منذ القرن التاسع عشر، جمعت بين النخبة الأوروبية والأرستقراطية المصرية، وشهدت أحداثًا سياسية ودبلوماسية، كما احتضنت ملوكًا ورؤساء وفنانين ومكتشفين.
اليوم، وبعد مرور ما يقارب 200 عام على نشأتها، تعود الحدائق لتستعيد مكانتها كأحد أهم فضاءات الإسكندرية العامة بعد مشروعات تطوير دقيقة حافظت على روحها التاريخية.









من هو جون أنطونيادس؟ الرجل الذي حملت الحديقة اسمه
تُنسب الحديقة إلى جون أنطونيادس (1828 – 1895)، أحد كبار أثرياء الإسكندرية من أصول يونانية.
كان أنطونيادس تاجرًا ورجل أعمال يمتلك روحًا عاشقة للفنون والعمارة الكلاسيكية، وارتبط اسمه بمشروعات خيرية وثقافية تركت أثرها داخل المجتمع السكندري.
بنى أنطونيادس قصره الشهير داخل الحديقة على طراز إيطالي-يوناني يجمع بين الفخامة الأوروبية والروح المتوسطية، لتصبح الحديقة وقصرها ملتقى للصفوة الأجنبية والمصرية، ومكانًا تستضيف فيه الإسكندرية ضيوفها من الساسة والملوك.
الحديقة… تاريخ حيّ منذ 1825 حتى اليوم
تعود بدايات الحديقة إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، حين كانت جزءًا من ضواحٍ زراعية خضراء خارج مركز المدينة. ومع مرور الزمن، وبفضل أجيال من الملاك والمطورين، تحولت المنطقة إلى واحدة من أهم الحدائق التاريخية في الشرق الأوسط.
وسط هذا المشهد تطوّر قصر أنطونيادس ليصبح قلب الحدائق ورمزها الأبرز. وقد شهد القصر أحداثًا مفصلية، أهمها:
توقيع معاهدة 1936
استضاف القصر اجتماعات لجنة التفاوض الخاصة بمعاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا، وهي واحدة من أهم الاتفاقيات السياسية في الفترة الملكية.
هنا، بين الجدران المزخرفة والثريات البلورية، وُقعت وثيقة أعادت رسم ملامح السياسة المصرية قبل الحرب العالمية الثانية.








إقامة الشخصيات الملكية
تحول القصر إلى مقر إقامة ملوك أوروبا ونبلائها، ومن أبرز من مرّوا به:
ملوك فرنسا وبلجيكا وإيطاليا ورومانيا وبولندا وألبانيا.
كما شهد القصر إقامة الأميرة فوزية خلال فترة خطبتها من شاه إيران محمد رضا بهلوي، ما جعل الحدائق جزءًا من ذكريات أميرة مصرية أصبحت ملكة على أحد أكبر العروش الآسيوية.
حديقة العظماء… حين تجتمع الاكتشافات الكبرى في الإسكندرية
واحدة من أشهر زوايا الحدائق هي حديقة العظماء التي تضم تماثيل لمكتشفي العالم وصنّاع التاريخ البحري:
كريستوفر كولومبوس
فرناندو ماجلا
الأدميرال نيلسون
هذه التماثيل ليست مجرد أعمال فنية، بل رؤية لتخليد تاريخ الاستكشافات التي رسمت خرائط العالم. وجودها في الإسكندرية يحمل رمزية خاصة، فالمدينة نفسها كانت يومًا مركزًا للمعرفة والخرائط والموانئ الكبرى.
أساطير اليونان.. تماثيل تعيد المدينة لجذورها الهلنستية
تزخر الحديقة بمجموعة تماثيل مستوحاة من الأساطير اليونانية القديمة، كأنها تذكير بأن الإسكندرية تأسست على يد الإغريق وأن روحها الأولى يونانية الهوى.
من بين هذه التماثيل:
فينوس (آلهة الجمال)
أثينا (الحكمة والحرب)
أبوللو (النور والموسيقى)
بيرسيفوني
ديونيسوس
هذه المجموعة تجعل الزائر يتجول بين صفحات الميثولوجيا اليونانية، لكنها في الوقت نفسه تضيف لمسة فنية تضاهي حدائق أوروبا التاريخية.
كشك الشاي.. زاوية الملوك والضيوف الأجانب
بين الأشجار، يقف كشك الشاي كأحد أكثر معالم الحديقة حميمية. كان هذا الكشك مكانًا لاجتماعات صغيرة بين الضيوف الملكيين والأجانب، وموقعًا لجلسات النقاش الثقافي والسياسي.
بناؤه البسيط يحمل طابعًا إنجليزيًا أرستقراطيًا، وما زال محتفظًا برونقه كأن الزمن مرّ عليه مرور الكرام.











































بوابة الملك وبرج محمود بك مختار
تُعد بوابة الملك أحد أهم مداخل الحدائق، صُممت على طراز كلاسيكي يعكس أناقة أوائل القرن العشرين.
ويجاورها برج محمود بك مختار الذي أُنشئ عام 1929، ويعد شاهدًا معماريًا على تطور الحدائق في تلك الفترة، إذ استخدم البرج لمراقبة الحدائق وإدارة مساحاتها الزراعية.
التطوير الحديث… عودة الروح إلى أجمل حدائق الإسكندرية
شهدت حدائق أنطونيادس خلال السنوات الأخيرة مشروع تطوير شامل حافظ على روحها التاريخية مع إضافة خدمات تناسب الزوار المعاصرين.
الحفاظ على التماثيل والأشجار النادرة
تم ترميم التماثيل التاريخية وتنظيفها وإعادة تثبيتها وفق معايير علمية، كما جرى تقليم الأشجار النادرة والحفاظ على النباتات التي يعود بعضها إلى أكثر من 100 عام.
مساحات خضراء وبنية تحتية حديثة
تضم الحديقة اليوم مساحات خضراء واسعة تمتد على عشرات الأفدنة، ما يجعلها أحد أهم متنفسات الإسكندرية.
تم تجهيز طرق ممهدة لذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة إلى حارات مخصصة للدراجات لتشجيع الأنشطة الرياضية الآمنة.
أنشطة جديدة: ملاعب بادل وكرة
ولأول مرة تُدمج الرياضة مع التاريخ داخل هذا الفضاء، حيث أُنشئت ملاعب بادل وكرة قدم في مناطق محددة، مع الحفاظ على الهدوء والطابع الجمالي لبقية أركان الحديقة.
حدائق أنطونيادس… المتحف المفتوح للإسكندرية
اليوم تبدو حدائق أنطونيادس كأنها متحف حيّ تمتد أروقته بين الهواء الطلق، تلتقي فيه العمارة بالنحت، والتاريخ بالطبيعة، والأساطير بروّاد الاكتشاف.
إنها المكان الذي يحتضن ذكريات 200 عام، من ملوك أوروبا إلى أميرة مصرية أصبحت رمزًا، ومن تماثيل الأساطير إلى مساحات الرياضة الحديثة.
حدائق أنطونيادس ليست مجرد حديقة؛ إنها الإسكندرية نفسها… في صورة واحدة.
