رئيس التحرير
عصام كامل

رئيس "البحوث الزراعية": أباطرة السوق وراء أزمة البصل.. والأبحاث تتكرر لغياب التنسيق.. والمصري يستهلك قمحًا ضعف المعدل العالمي (حوار)

الدكتور عادل عبد
الدكتور عادل عبد العظيم، فيتو

>> إلغاء الدورة الزراعية وراء إضعاف التربة وعدم استقرار أسعار المحاصيل
>> الخريطة المحصولية الحالية تحتاج لتعديل 
>> شرعنا في إنشاء مركز للتنبؤ بالكوارث والأزمات الزراعية لإرشاد المزارعين مسبقًا 
>> تحرير الزراعة وغياب نظام تعاونى حقيقى يضر بخطط اكتفائنا من المحاصيل الاستراتيجية
>> نعيش ثورة محاصيل جديدة ستحل محل القديمة ومناخنا أصبح يقترب من الاستوائى
>> استهلاك المواطن المصرى من القمح ضعف الاستهلاك العالمى

>> أطلقنا البرنامج الوطنى لإنتاج هجن الخضر وسجلنا 5 أصناف جديدة من الطماطم مؤخرا
>> إنشاء جهة اعتماد لتسجيل الإنتاج المصرى من سلالات الماشية والدواجن
>> نعمل حاليًا على إعادة إحياء برنامج إنتاج تقاوى البطاطس محليا
>> مساحات البصل المزروعة هذا الموسم لم تتراجع
>> لدينا اكتفاء من الخضراوات والفواكه والدواجن والألبان ونقص فى اللحوم الحمراء والقمح والذرة
>> الأمن الغذائى العالمى يقع تحت ضغوط غير مسبوقة نتيجة أزمات سياسية عالمية بأوكرانيا وروسيا

 

تسعى مصر لاستعادة مجدها الزراعى، وإعادة سمعة منتجاتها الذهبية التى كانت عصب الاقتصاد القومى خاصة فى مراحل الملكية، وما قبل ثورة الضباط الأحرار، ولن يحدث ذلك إلا بالعلم والعلماء، ومن حسن الحظ أن مصر تملك بنية تحتية قوية للغاية من مراكز البحوث والباحثين، لاسيما مركز البحوث الزراعية، صاحب الـ53 عاما فى خدمة المزارع المصرى، وتمكن خلالها المركز بباحثيه وكياناته البحثية العريقة من أن يكون الحلقة الأهم فى منظومة الزراعة المصرية.

وبعد تولى الدكتور عادل عبد العظيم مسئولية رئاسة المركز انعقدت آمال كثيرة عليه فى أن يحقق رؤية مختلفة فى تطوير المركز الذى يلعب دورا مهما فى قضية الأمن الغذائى التى تواجهها مصر فى الفترة الحالية، لهذا كان لـ "فيتو" معه هذا الحوار:

 

بداية كيف ترى الأمن الغذائى المصرى والعالمى فى ظل الظروف الراهنة؟

الأمن الغذائى العالمى يقع تحت ضغوط شديدة وغير مسبوقة نتيجة أزمات سياسية عالمية ضاغطة على الدول المنتجة لأكبر المحاصيل الاستراتيجية فى العالم مثل أوكرانيا وروسيا المستحوذتين على نصيب الأسد من إنتاج الحبوب فى العالم وخاصة القمح، إلى جانب الأزمات التى نعيشها فى سلاسل الإمداد فى العالم حاليا، والتى تسببت فى رفع الأسعار وارتفاع التضخم وهى أزمات تواجه العالم ومصر من ضمنه.

هل وضع الغذاء فى مصر يعد حرجا خلال الفترة الحالية؟

مصر حققت اكتفاء ذاتيا فى كثير من السلع الاستراتيجية المهمة بفضل البحوث المستمرة لمركز البحوث الزراعية والمراكز البحثية والجامعات فى مصر على مدار عقود من التجارب والبحث الجاد.
ولدينا فى الوقت الحالى اكتفاء من الخضراوات بشكل عام والفواكه والدواجن والألبان، لكن لدينا قصور فى ثلاثة سلع رئيسية هى اللحوم الحمراء والحبوب مثل القمح والذرة، وذلك يرجع لعدة أسباب، إذ على مستوى القمح يبلغ متوسط استهلاك المواطن المصرى من القمح ضعف الاستهلاك العالمى، ويصل إلى 200 كيلوجرام سنويا للفرد، وهو نمط استهلاكى غير ممكن تغييره بشكل سريع.

ولكن يحتاج إلى توعية وتثقيف للمواطنين عن مساوئ الاستهلاك الكبيرة للقمح، أما اللحوم الحمراء فأزمتنا هو عدم توافر المراعى الطبيعية الملائمة لزيادة عدد رءوس الماشية، ونضطر معها إلى الاستيراد، وبالنسبة للأعلاف، وخاصة الذرة، فمحدودية المساحة خلال الموسم الصيفى تجعلنا غير قادرين على التوسع إلى حد الاكتفاء الذاتى.

هل تعتقد أن الخريطة المحصولية فى مصر منضبطة وتحقق الاحتياجات الرئيسية للبلاد من الغذاء؟

الخريطة المحصولية الحالية تحتاج إلى تعديل، فى الماضى كانت هناك دورة زراعية ثلاثية تقضى مثلا بزراعة ثلث مساحة الأراضى بالذرة، والثلث الآخر بالقطن، والثلث الأخير بالأرز ومحاصيل الخضر، وانعكاسات ذلك الاستقرار فى أسعار السلع، بخلاف ذلك كان التركيب المحصولى يحافظ على التربة ويحسن من مواصفاتها ويزيد من الإنتاجية وينظم العرض والطلب للسلعة، وهذا سر استقرار الأسعار لسنوات طويلة.

هل إلغاء الدورة الزراعية سبب عدم استقرار المعروض من المحاصيل الاستراتيجية؟

إلغاء الدورة الزراعية وتحرير الزراعة وترك المزارع يختار المحصول، خلَّف عدم استقرار المساحات الخاصة بالمحاصيل، وأصبح السعر المرتفع هو بوصلة المزارع، لهذا يتكالب المزارعون الآن على زراعة المحصول الأعلى سعرا، وبعد زراعته بمساحات مرتفعة يزيد المعروض منه وينخفض السعر، فيعزف المزارعون عن زراعته بمساحات كبيرة فى الموسم التالى، وهو ما يحدث تذبذبا فى الأسعار.

وما هى العوامل الأخرى التى تسببت فى تذبذب الخريطة المحصولية المصرية؟

تفتيت المساحات الزراعية ووصولها إلى أقل من نصف فدان فى حالات كثيرة يعد من العوامل المؤثرة جدا لأن إنتاج محاصيل ذات عائد اقتصادى أصبح أمرا صعبا جدا، إلا فى حالة التجميعات الزراعية أو التعاونيات، ومؤخرا بدأت الدولة فى إعادة هذا المفهوم إلى الريف مرة أخرى من خلال إقامة عدة مشروعات منها تبطين الترع والمساقى.

وعملية التبطين شملت أيضًا تحديد فتحات رى لكل تجمع من الأراضى الزراعية بمتوسط 50 ألف فدان على سبيل المثال، وهو ما يوفر فى تكلفة عملية الرى، ويمكن معه أن تلزم الدولة كل تجمع يعتمد على فتحة مياه واحدة أن يزرع محصولا محددا أو تحظر زراعة بعض المحاصيل أو تحدد المحاصيل الأفضل للزراعة فى نفس الأرض للحفاظ على التربة من التدهور، وهو أحد المشكلات التى نعانى منها أيضًا، إذ يسهم ارتفاع نسب الماء الأرضى في بناء التربة وإنتاجيتها.

هل إنتاجية أصناف المحاصيل فى مصر منخفضة؟

بالعكس، نحن نتفوق على دول زراعية كبرى فى إنتاجية كثير من المحاصيل، ورغم أن الأصناف التى أنتجها مركز البحوث الزراعية خلال العقود الماضية إنتاجيتها أكبر من الأصناف القديمة، لكن مشكلات تدهور التربة تؤدى إلى عدم وصول الأصناف إلى إنتاجها الفعلى الذى يتحقق فى الحقول الإرشادية التى نستخدم فيها المعاملات الزراعية الجيدة.

وهناك أيضًا عامل آخر، وهو الظروف المحيطة بالمزارعين، من حيث امتلاك الملاءة الاقتصادية لتوفير مستلزمات الإنتاج الضرورية فى مواعيدها، وعلى سبيل المثال، محصول القمح يحتاج إلى رية محاياة خلال الأسابيع الثلاثة الأولى، وفى حالة عدم قدرة المزارع على إتمامها فى وقتها قد يؤثر ذلك على الإنتاجية، وينخفض بإنتاج الفدان أكثر من 5 أردب، وهى كمية كبيرة تؤثر على الإنتاجية العامة فى حالة تكرار ذلك فى الكثير من المساحات.

ماذا سيقدم المركز للمزارعين من خدمات جديدة؟

بخلاف الدور الهام والحيوى للحملات القومية للمحاصيل الاستراتيجية فى دعم المزارعين بكل الخبرات اللازمة لزيادة الإنتاجية، نحن الآن بصدد إنشاء مركز للتنبؤ بالكوارث والأزمات لإرشاد المزارعين بشكل مسبق بالمعاملات الزراعية وفقًا للموسم الزراعى والظروف التى تحيط بكل محصول وفقًا لحالة المناخ.

كما تم اتخاذ قرار بتوزيع جرعات السائل المنوى للطلائق المتميزة الموجودة فى مراكز التلقيح الصناعى فى سخا والعامرية ضمن الحملات القومية الإرشادية لتلقيح الماشية، من خلال التعاون مع الخدمات البيطرية وكذلك زيادة المنافذ المختصة بتوزيع جرعات السائل المنوى لتحسين الصفات الوراثية للثروة الحيوانية فى الريف وزيادة إنتاجيتها من اللحوم والألبان.

كما نعمل الآن على ملف مهم، وهو استغلال 230 مركزا إرشاديا فى المحافظات أنشأتها الدولة على مدار سنوات وتحتاج إلى تطوير وفرق بحثية مقيمة فيها ليقوموا بمهامهم الإرشادية تجاه المزارعين، وأيضًا التركيز على المرأة الريفية وتدريبها على صناعات إنتاجية بسيطة وهامة مثل تجفيف البصل والثوم والطرق الأفضل لإنتاج الدواجن والبيض والألبان.

هل تراجع الإنتاجية سبب فى أزمات بعض المحاصيل مثل البصل؟

أزمة البصل سببها التجار بشكل عام، لأن مزارعى البصل وكافة المحاصيل التصديرية الأخرى هم مزارعون محترفون، وحققوا أرباحا على مدار سنوات من عوائد زيادة الصادرات الزراعية المصرية، وبالتالى ارتباطهم بمحصول مثل البصل قائم على إتقان حرفة زراعة هذا المحصول جيد الربح، مما يعنى أن مساحات البصل المزروعة هذا الموسم لم تتراجع.

لكن كما قلت هى أزمة سببها التجار وأباطرة السوق، وليس المزارع المصرى الذى يزرع سنويا قرابة 250 ألف فدان بصل بإنتاجية 3.5 مليون طن، إذ ينحصر دور المزارعين فى تسليم المحاصيل الاستراتيجية للدولة.

مركز البحوث الزراعية يمتلك مكتبة كبيرة من الأبحاث، كيف يمكن الاستفادة منها؟

لدينا تنوع بحثى كبير فى مركز البحوث الزراعية الذى يضم 16 معهدا و11 معملا مركزيا ولا يوجد تخصص بشأن الأمن الغذائى لم يتطرق إليه المركز بالبحث والدراسات المستفيضة من كيانات المركز الذى تجاوز عمره 50 عاما.

كما نعمل الآن على إنشاء جهة لاعتماد وتسجيل سلالات الإنتاج الحيوانى الماشية أو الدواجن التى أنتجها معهد بحوث الإنتاج الحيوانى على مدار سنوات طويلة، لإضفاء حماية عليها واعتمادها لنزول السوق وتحسين تلك السلالات وإنتاجها على المستوى الاقتصادى المتبادل فى مجال التحسين الوراثى مع الدول الأفريقية التى تمتلك أعدادا كبيرة من رءوس الماشية لكن لديها مشكلات فى الوصول للأوزان الاقتصادية.

ماذا عن إنتاج تقاوى وهجن الخضر والتى تستورد مصر 98% من احتياجاتها منها؟

البرنامج الوطنى لإنتاج هجن الخضر يسير بشكل جدى، ومؤخرا سجلنا 5 أصناف جديدة من الطماطم، وهناك إنتاج جديد ومتميز فى الفترة المقبلة، كما نعمل فى الوقت الحالى على إعادة إحياء برنامج إنتاج تقاوى البطاطس محليا، بعد تدبير تمويل للمشروع من خلال تحالف من الشركات المصرية والعربية لتمويل عمل المشروع لإنتاج الـمينى تيوبرز وهى نواة إنتاج تقاوى البطاطس.

والمشروع يستهدف توفير 50% من تقاوى البطاطس التى تحتاجها مصر لزراعة العروة الصيفية وأغلبها مستوردة وفاتورة استيرادها بالعملة الصعبة من البلدان الأوروبية، ومن المخطط أن تكون تقاوى البطاطس المحلية متاحة أمام المزارعين بأسعار منافسة جدا بحلول عام 2028.

كما أن التعاون مع دول الاتحاد الأوروبى فى استيراد كميات من تقاوى البطاطس سيظل مستمرا، باعتبار مصر مصدرا مهما وأساسيا، لتصدير البطاطس إلى الدول الأوروبية بمواصفات قياسية متوافقة مع معايير الاتحاد الأوروبى، حيث يتم تصدير تقاوى البطاطس المستوردة مرة أخرى للدول الأوروبية فى صورة ثمار بطاطس للمائدة والتصنيع، وهو ما يمثل قيمة مضافة للاقتصاد الزراعى فى مصر.

بمناسبة التعاون مع الجهات البحثية الأخرى، هل ينهى ذلك عصر الجزر المنعزلة بين مركز البحوث الزراعية والمراكز والجامعات الأخرى؟

الروح التى نريدها فى المجال البحثى هى التعاون مع كل الجهات البحثية، وبدأنا بالتعاون مع المركز القومى للبحوث، وأنهينا بهذا التعاون فكرة العمل فى جزر منعزلة، وبدأنا التنظيم بين الجهات البحثية لعدم هدر الموارد لأن الأبحاث تتكرر بنفس موضوعاتها، وهو جهد مهدر.

والمركز مستعد الآن لأن يكون جزءا فى حلقة التعاون بين المراكز البحثية المختلفة، لأن المستفيد فى النهاية هو مصر، ونحن سنذهب إلى الجهات البحثية التى تمتلك تخصصات قد لا نملكها لاستكمال الدورة البحثية لدينا مثل قسم الصناعات النسيجية فى المركز القومى، وهو ما نحتاج خبراته فى معهد بحوث القطن مثلا.

كيف نحافظ على الأصول الوراثية المصرية فى الإنتاج الحيوانى والداجنى على وجه الخصوص؟

كل المحاصيل وسلالات الإنتاج الحيوانى لدينا بنك جينات لحفظها، ولدينا أقسام محافظة على الأصناف فى المعاهد المتخصصة المختلفة، ونعمل على هذا الملف فى أكثر من اتجاه، لتعظيم قيمة الأصول الوراثية المصرية والحفاظ عليها.

ونحضر فى الفترة المقبلة لبروتوكول تعاون مع البرازيل لتحسين الجاموس المصرى، خاصة بعد إنتاجهم سلالة جديدة تهجين بين الجاموس الهندى والأوروبى، ولديهم سلالة تعد من الأفضل فى العالم حاليا، وهو مشروع آخر غير المشروع الخاص بالجاموس الإيطالى، ونعمل مع البرازيليين على إنشاء مركز تميز لإنتاج سلالات تحسين الجاموس المصرى، وتوسيع التعاون مع البرازيل فى أمور أخرى، فهم أيضًا متفوقون فى الذرة والقمح والقطن، وهناك مباحثات معهم لنقل الخبرات لديهم إلى مصر.

ما هى خطتكم للارتقاء بمستوى الباحثين وتطويرهم؟

نحن بصدد إنشاء مركز تدريب متخصص لكل الكادر البحثى والعام فى مركز البحوث الزراعية، وسيكون هناك دورات تدريبية مع جهات دولية وإقليمية لرفع مستوى الباحثين وزيادة معارفهم، والتدريب سيكون أساسيا فى منظومة العمل فى مركز البحوث الزراعية.

ما هى التأثيرات المستقبلية للتغيرات المناخية وكيفية التعامل معها؟

مصر تعاطت مع كافة مخرجات قمم المناخ على مدار آخر 30 عاما، وكانت فى مقدمة الدول التى تنفذها بشكل عملى لتقليل الأثر السلبى للتغيرات المناخية، وهذا لا ينفى أننا نعيش الآن ثورة فى إنتاج المحاصيل الجديدة التى قد تحل محل محاصيل قديمة، لاسيما أن هناك محاصيل تأثرها السلبى أقل من أخرى، والضرر نسبى ومن الممكن أقلمة محاصيل جديدة، لأن مناخنا أصبح يقترب من الاستوائى وهناك عمل على تقييم البحوث والمحاصيل الجديدة.


الحوار منقول بتصرف عن النسخة الورقية لـ "فيتو".
 

نقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدا مستمرا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوادث، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية

الجريدة الرسمية