رئيس التحرير
عصام كامل

معارك التمييز الخفية

لم تكن واقعة عامل النظافة في محل الكشري وطرده لهيئته وملابسه الأولى ولن تكون الأخيرة فهناك جهات لا ترحب بسكن فئات معينة بجوارها وهناك مدارس تشترط شروط اجتماعية وثقافية لقبول الأطفال بها وعلى امتداد الساحل الشمالي لا يجرؤ أي عابر سبيل نزول بحر أي قرية ما لم يكن من الملاك رغم أن البحر لا يمتلكه أحد وهناك منتجعات لا تسمح لأحد بالتملك إلا بشروط اجتماعية محددة.


رغم أن المادة 53 من الدستور المصري تنص على "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون أو اللغة أو الإعاقة أو المستوى الاجتماعي أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر. والتمييز والحض على الكراهية جريمة يعاقب عليها القانون. تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض".. 

تمييز طبقي

ورغم كل ذلك فإن القواعد المعمول بها في إحدى القرى السياحية في مدينة رأس سدر تنص على عدم السماح للسيدات أو الرجال بنزول المسابح أو البحر إلا بالمايوه -ملابس البحر- العادي. ولأن عبارة المايوه العادي مبهمة، لجأت إدارة القرية إلى رسم ملابس البحر المسموح بها وتلك غير المسموح بها وعلى رأس الأخيرة البوركيني. لذلك، حين هرع أحد أفراد الأمن إلى سيدة نزلت البحر بـ البوركيني ليخبرها بأن ملابسها غير مسموح بها في المكان، انقسم مَن شهد الواقعة إلى فريقين: الأول مؤيد لمنعها لأنهم اشتروا وحداتهم السكنية بناء على هذا المنع، والثاني معارض للمنع لأن من حقها أن تتمتع بالسباحة طالما القماش الذي صُنعت منه ملابس البحر التي ترتديها مطابق للمواصفات ولا يعرّض أحدًا لأخطار صحية. 

 

لكن الوضع تطور إلى معركة كلامية حامية الوطيس لمعركة المتكررة عشرات المرات بسيناريوهات مختلفة ليست معركة بين مايوه بأكمام وأرجل وآخر من دونها، لكنها بين منظومتين فكريتين متضادتين فيهما سياسة واقتصاد ودين وأسلوب حياة مع قليل من اللهو في الماء وكثير من مفهوم الحرية الشخصية شديد الالتباس. المعركة تعكس قدرة الملبس على أن يكون عنصر تصنيف اجتماعي، بل والوصول به إلى أن يكون مسوّغًا للوصم، والرغبة المهيمنة في المجتمع للفرز والتصنيف وصولًا إلى التمييز، وغياب التسامح، وشيوع الاستعلاء المادي أو الاجتماعي أو الديني، كما تعرض مؤخرا نادي هيليوبلس، أحد أرقى الأندية الرياضية والاجتماعية بمصر.. 

 

خلال الأيام الماضية تعرض لانتقادات واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب ما اعتبره البعض تمييزًا طبقيًا –يتخذ صبغة عنصرية أحيانًا- بحق مُربيات الأطفال، اللواتي يتم إجبارهن على ارتداء بالطو له لون معين قبل الدخول من بوابات النادي، للتمييز بينهن وبين سيدات النادي من العضوات اللواتي يستأجرن خدمات هؤلاء المربيات. 

 

ودأبت منشآت خاصة ذات طبيعة سياحية مثل الشواطئ الخاصة والمنتجعات الساحلية والفنادق على ترسيخ تلك الممارسات التمييزية سواء ضد صغار العاملين من مقدمي الخدمات، أو ضد طبقات اجتماعية بعينها، إلا أنها تختلف في طبيعتها القانونية عن النوادي الاجتماعية والرياضية التي تعد في حكم القانون مؤسسات مجتمع مدني تدار وتوضع لوائحها عبر الانتخاب والتصويت. 

 

 

وخاض أعضاء الأندية الرياضية والاجتماعية معركة رابحة للحفاظ على استقلال مؤسساتهم نسبيًا، وأجبروا الدولة ممثلة في وزارة الدولة للشباب على التراجع عن فرض لائحة موحدة للأندية الرياضية، واكتفت الدولة بجعلها لائحة استرشادية لتحتفظ النوادي بوضع لوائحها، تلك اللوائح التي يكشف هذا التقرير أنها ليست ملزمة لإدارات النوادي في حال التعامل مع الطبقات الأدنى التي تواجه التنمر والتمييز.

الجريدة الرسمية