رئيس التحرير
عصام كامل

إحنا مرتبكين

لم أعهد طول حياتى حقبة كان الجميع فيها في حالة ارتباك وتوتر وخوف مثلما يحدث هذه الأيام، وكأننا جميعا في حالة ترقب انتظارا لمجهول قادم، لا يدرى أحد ما هو، أو ما هى أحداثه أو توابعه، إلا أن الثابت أن تلك الحالة انعكست على أداء الحكومة والشعب وعدد من مؤسسات الدولة.

 

فالثابت والمؤكد أن ما يدور في العالم من صراع ظاهر ومفضوح بين القوتين العظميين، قد ألقى بتوابعه على دول العالم ومن بينها مصر، وهو ما جعل الحكومة تظهر خلال الشهور الأخيرة فى حالة ارتباك، خوفا من تبعات المأزق الاقتصادى الصعب الذى فرضه الظرف العالمى على البلاد، نتيجة للارتفاع الضخم فى أسعار كل السلع الأساسية فى الأسواق العالمية، وفى مقدمتها القمح والبترول، مما يلقى باعباء إضافية جديدة على المواطن المصرى الفقير، قد تظهر فى صورة ارتفاعات جديدة فى أسعار كل السلع والخدمات الأساسية خلال الأسابيع القليلة القادمة.

 

الظرف بالتأكد فرض نوعا من الارتباك على أداء الحكومة، لدرجة جعلتها عاجزة منذ شهور عن اتخاذ قرار واحد يحد من معاناة الفقراء، حتى إنها بدأت فى التفكير فى اتخاذ خطوات جادة لإضافة محاصيل مثل البطاطا والنخالة والشعير إلى الدقيق، لتقليص تكلفة إنتاج رغيف العيش المدعم ومواجهة الارتفاع الضخم فى أسعار القمح.

قتل وانتحار

 

حالة الارتباك انعكست وللأسف أيضا على الشارع المصرى، والذى شهد خلال الشهور الأخيرة حالة من التوتر نتج عنها عدد ضخم وغير معهود من جرائم القتل والانتحار، تنوعت ما بين ضغوط اقتصادية ومشاكل مادية وأسرية وعاطفية، غير أن جميعها تعكس نوع من التوهان وعدم الإدراك، ناتج عن ارتباك وتوتر أدى إلى حد الإقدام على التخلص من الحياة.

 

حالة التوتر والارتباك انعكست بدورها أيضا على عدد من المؤسسات، التى من أولى مهامها التثقيف والتوعية والتعليم والإرشاد، إلا أنه بدلا من أن تكون أكثر ثباتا ودعما للبلاد خلال تلك المرحلة، انخرطت بقياداتها في حالة عدم الاتزان، وزادت من حالة الارتباك والخوف لدى الجميع من المجهول القادم.

 

وهو ما انعكس جليا في الأداء الكارثي والبعيد عن المهنية للأغلبية العظمى من وسائل الإعلام المصرية خلال تغطيتها لحوادث القتل الأخيرة، حيث تخلت للأسف عن دورها الأساسي فى التعليم والتثقيف والإرشاد والمعالجة المهنية المحترمة، وانزلقت إلى مستنفع البحث عن الترند والعدد الأكبر من القراءات والمشاهدات، والتنافس على نقل الفضائح والشائعات، دون مراعاة لحرمة الموت أو أحزان عائلات مكلومة، مساهمة فى زيادة التوتر والارتباك السائدة فى البلاد.

 

ولعل ما يدعو للأسف، أن تمتد حالة الارتباك والتوتر إلى حد انزلاق المؤسسات الدينية إلى ذلك المستنقع، والدخول فى جدل علنى عقيم حول قضية الحجاب المطروحة منذ أكثر من 1400 عاما، وذلك بعد أن نصب شيخ ازهرى نفسه قارئا ومحللا لإحدى جرائم القتل، وألقى بالمسئولية على الضحية بحجة عدم ارتدائها الحجاب، ليفتح الباب لجدل زاد أيضا من التوتر لدى الجميع.

 

ارتباك القوى الناعمة 

 

ولعل ما يدعو للحزن أن القوى الناعمة للدولة لم تسلم أيضا من حالة الارتباك، التى كشفت وللأسف عن فشل القائمين على إدارة المنظومة، وهو ما تجسد في حالة الارتباك التى أصابت المسئولين باتحاد الاسكواش، عقب إعلان النجم الدولى المصرى محمد الشوربجى الحصول على الجنسية الإنجليزية وتمثيل انجلترا دوليا، إلا أنه بدلا من الإعتراف بالفشل في إدارة المنظومة الرياضية وأن هناك العشرات من أبطال الألعاب الفردية قد سبقوا الشوربجى إلى الهروب وتمثيل دول أخرى نتيجة للتقصير في رعايتهم، فقد قلب المسئولون عن الرياضة في مصر فشلهم إلى هجوم على النجم الشاب، وصدروه للرأي العام المصرى فى صورة الخائن العميل.

 

وهو ذات السلوك الذي نهجه الاتحاد المصري لكرة القدم أيضا خلال الأيام الماضية، والذى حاول التغطية على فشله وارتباكه في إدارة المنظومة، ودخل دون داع في جدل عقيم وغير لائق مع المدير الفنى السابق للمنتخب الأول لكرة القدم  كارلوس كيروش مما أساء لمصر أمام العالم،  بعد أن بعث الرجل برسالة كارثية لأغلب مدربى العالم الكبار، حذرهم فيها من العمل مع المنتخب المصرى.

 

 

الثابت إننا نعيش حالة من التوتر والارتباك غير المعهودة على كافة الاصعدة، غير أن خطورتها تكمن في الاستمرار لوقت أطول، إن لم تنتبه الحكومة بحكمة لتصدير الاستقرار النفسى للشعب، من خلال قرارات هادئة تجعل الجميع أكثر هدوء وليس قلقا من المجهول القادم.. وكفى.

الجريدة الرسمية