رئيس التحرير
عصام كامل

نعيد نشر آخر حوار لـ"فيتو" مع الفريق عبد المنعم خليل قبل رحيله اليوم: كرمني السيسي.. وهذا سبب عدم ضمي للضباط الأحرار

خلال الحوار مع الفريق
خلال الحوار مع الفريق عبد المنعم خليل

لم يتذكرني أحد أيام «السادات» و«مبارك».. و«السيسي» كرمني


صدرت لي الأوامر بدخول فلسطين بمظاهرة عسكرية


لم يتم اختياري مع «الضباط الأحرار» لهذا السبب.


هذه أدلة براءة الملك فاروق من الأسلحة الفاسدة 


قانوني في الحياة: «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين»
الحرب العالمية الثانية كبدتنا خسائر فادحة.


عبدالناصر أنشأ «الفنية العسكرية» لتشريح الأسلحة المستوردة
 

منذ عدة  سنوات وتحديدا فى 18 فبراير عام 2018 انفردت "فيتو" بحوار مع الفريق  عبد المنعم خليل ونعيد نشره فى نفس يوم رحيل الرجل عن دنيانا اليوم 23 مارس 2022.
فالى تفاصيل الحوار: 


على مدى مسيرتي الصحفية، لم ينتابني الخوف من لقاء أي شخصية، إلا أننى كنت أشعر قبل أن ألتقى الفريق عبد المنعم خليل، وكأن جبالًا تثقل كتفيَّ.. وقلبي يكاد يتوقف من التوتر والقلق.

الشعور الذي كان يعتريني، لم أستطع أن أجد له تفسيرًا.. وكما بدأ فجأة، انتهى فجأة.. فور أن مدَّ يده لمصافحتي، وعندها لم أشعر بنفسي إلا وأنا أنحني وأقبل اليد التي حملت السلاح، لتدافع عن الوطن والشعب في جميع المعارك التي خاضها جنود مصر البواسل ضد الأعداء.. وتعرضت لشتى أنواع الإصابات والصدمات، في حروب 48، واليمن، و67، ووضعت الكثير والكثير من تفاصيل الخطط العسكرية، إلى أن شاركت في رفع رايات النصر على أرض سيناء، بعد معركة التحرير والعبور في 1973، وشاركت أيضًا في تصفية الثغرة، والتخلص من آخر جيوب الاحتلال الإسرائيلي لأرض مصر.

قد لا يصدقني أحد إذا قلت إننى أجهز لهذا الحوار منذ عام.. فقد قمت بدراسة جميع البطولات التي سجلها الفريق عبد المنعم خليل، قائد سلاح المظلات في حرب اليمن، وقائد الجيش الثاني الميداني في حرب أكتوبر، وأيقونة جيل العظماء من القادة الأفذاذ، الذين عاصروا معارك الكرامة التي خاضها جيش مصر في العصر الحديث، بدءًا من الحرب العالمية الثانية.. كذلك تفحصت الإصدارات والأفلام التسجيلية التي روت تاريخه الناصع.

وأخيرًا اتخذت قراري، وهاتفته؛ لتحديد موعد لمقابلته فوافق.. حرصت على الالتزام بالتوقيت المحدد، وذهبت إليه في منزله، وعندما فتح لي خادمه الباب، لفت نظري دولاب به المئات من شهادات التقدير والأوسمة والأنواط وعيناي تبحثان عنه، إلى أن اصطحبني خادمه، أنا وزميلي المصور، إلى غرفة صغيرة على الشارع، عبارة عن مكتب مليء بالأرفف، عليها كتب ومزيد من الأوسمة والنياشين، والحائط به عدد من الصور للبطل الكبير، ووجدته يجلس في انتظاري في الموعد.

وبالرغم من كبر سنه التي تلامس المائة عام، فإن علامات الرضا والترحاب تغطي وجهه الباسم.

فتح الفريق عبدالمنعم خليل لنا صندوق الذكريات، قائلا: سوف أروي لكم تاريخي، وهو عبارة عن محطات عشتها أناضل وأحارب من أجل تراب مصر الذي أعشقه، وحتى الآن، وبرغم سني، فإننى مستعد لأن أفديها بحياتي وروحي، فأنا رضعت الوطنية من صدر أمي، منذ ولادتي.. ربتنى على أن الروح أهون عليَّ من ترك الأرض أو التخلى عنها.

وأضاف: قانوني في الحياة هو «خذ العفو، وأمر بالمعروف، وأعرض عن الجاهلين»؛ فعشت بهذا في حياتي كلها، حتى وصلت لما أنا فيه، وأنا راضٍ ومرتاح نفسيًّا ومعنويًّا».

بالرغم من التجاهل الإعلامي لي لأكثر من أربعين عاما بعد حرب أكتوبر المجيدة، وإحالتي للتقاعد في 1975 في عصرين، سواء السادات أو مبارك، لم يتذكرني أحد، إلى أن جاء تكريمي من الرئيس السيسي عام 2013، عندما كان وزيرًا للدفاع، ومنحني الدكتوراه الفخرية من أكاديمية ناصر العسكرية، ونجمة الشرف.. (متنهدًا).. لم أكن أنتظرها من أحد أبدا.. وكانت أهم تكريم لي في حياتي، بالرغم من أننى كنت راضيًا بما قسمه الله لي، وأشهد الله أنني قمت بواجبي نحو وطني مصر وشعبها وأرضها كجندي في جيش الكرامة والتحدي والصمود.

بتواضع الكبار استطرد قائلا: أنا الفريق عبد المنعم محمد خليل، من مواليد 1 أبريل في محافظة المنيا، ولكن أصل الأسرة من الشرقية، ونظرًا لعمل والدي ولدت هناك، ثم انتقلنا لشقة بسيطة بجوار مسجد السيدة زينب، هذه المنطقة الشعبية القديمة التي يتعامل كل أهلها بالحب والتدين، فكانت نشأتي، وحلمت بأن أصبح ضابطًا في الجيش لأحارب الاحتلال الإنجليزي، وأحرر مصر، ودخلت الكلية الحربية بعد قيام الحرب العالمية الثانية بشهر واحد، وتخرجت فيها عام 42، ودفع الإنجليز مصر وقتها للاشتراك في الحرب، عندما وصل الحلفاء إلى مدينة العلمين، وشاركت في كتائب الخدمات العامة، وكنت الضابط المكلف بتوريد الجنود بعد تدريبهم إلى ساحات المعركة، التي لم نشارك فيها بالمعنى الحقيقي للحرب، ولكننا كنا نقوم بعمليات مساعدة، رغم أنها كانت على أرضنا.

ولكن هناك تجاوزات كثيرة حدثت من الإنجليز الذين تعمدوا ألا يدربوا المصريين أو يعلموهم شيئًا في هذه الحرب، أما اليهود فقاموا بتشكيل لواء كامل في الإسكندرية، واشتركوا مع الإنجليز في الحرب؛ مما أكسبهم الخبرة في القتال والتخطيط للمعركة، وهذا ما ساعدهم بعد ذلك للانتصار على العرب في حرب فلسطين.

بمناسبة الحديث عن الحرب العالمية.. سألته هل أضرت بمصر؟ وما الخسائر التي تكبدناها بسببها؟
أجاب الفريق بعد فترة صمت قصيرة: الإنجليز أيام احتلالهم لمصر كانوا يتعمدون ألا يكون في مصر جيش بمعنى جيش وطني حتى لا يحاربهم، ويحصل على استقلاله فيما بعد، فتعمدوا أن تكون مشاركتنا في الحرب العالمية الثانية سطحية، اقتصرت على كتائب الاستطلاع والصواريخ والمهمات الطبية والمركبات.

ولكن اليهود شاركوا في كل شيء.. وألحقت الحرب بمصر أضرارًا كبيرة، أهمها على الإطلاق: حقول الألغام التي مازالت موجودة حتى الآن، برغم مرور أكثر من 70 عامًا عليها، ولا توجد لها خرائط معلومة؛ الأمر الذي ترتب عليه الكثير من الخسائر البشرية والمادية لإزالتها، بالإضافة إلى التوقف الكامل عن تنمية الساحل الشمالي بالرغم من أهميته وأرضه الخصبة للزراعة، ولا يوجد لدى أي دولة من دول الحلفاء التي شاركت في العلمين أي خرائط حتى الآن، وذلك بسبب أنهم كانوا يستعجلون زرع الألغام؛ لتكون حائط صد، دفاعا عن حياتهم، ومصر هي الخاسر الأول والأخير في هذه الحرب.

المحطة التالية في حياته كما يروي الفريق كانت بعد الحرب العالمية، يقول: في عام 1947 تم تعييني مدرسا بمدرسة المشاة.. وأثناء ذلك اصطحبت عددًا من الضباط، وقمنا بعملية استطلاع في سيناء لمدة 10 أيام، وأخذت خلالها خبرة على الأرض، وأثناء وجودي هناك رأيت رؤيا بأنني أصلي إماما بعدد من الضباط والجنود.

حرب فلسطين

(توقف القائد العسكري الكبير عن الكلام قليلا وتنهد)، واستطرد: جاءت حرب فلسطين، وكانت محطة أخرى مهمة جدا بالنسبة لي؛ فقد تم تكليفى رئيسًا لمعسكر يسمى “إمداد الرجال”، وكانت مهمتى تدريب الجنود والضباط لسد الخسائر في حرب فلسطين، وكان ذلك في سيناء، ثم كلفوني بمهمة غريبة جدا لم أستوعبها بالمرة، وهى تنظيم تظاهرة عسكرية وأعطوني 300 جندي، و100 بندقية قديمة غير صالحة للاستخدام؛ على أن أصطحبهم في القطار المتجه إلى غزة والمجدل، وننزل في اليمين بالخليل، وهناك وحدة عسكرية مصرية أتلقى منها الأوامر التالية.. وبالفعل ركبنا القطار الذي كان يربط بين مصر وغزة قبل الاحتلال الإسرائيلي.

 

(يتوقف خليل لثوانٍ، وكأنه يتذكر ويستنهض ذاكرته): وفي الطريق جلست أفكر؛ ماذا نفعل هناك، والحرب تدور رحاها بين العرب واليهود؟! وما الهدف من مهمتى في تنظيم تظاهرة عسكرية يتم تصويرها أمام العالم بأن الجيش المصري يرفض احتلال فلسطين، وسيشارك بقوة في تحريرها من اليهود؟! وأنا في القطار كنت أسمع الجنود والضباط يروون لبعضهم ما سمعوه عن الأسلحة الفاسدة التي تقتل المشاركين في الحرب من العرب، ووصلنا إلى غزة، ورفعنا أعلامنا وسلاحنا في التظاهرة المخطط لها.

ومشينا عبر 3 قرى حتى وصلنا للخليل، وبالتحديد للنقطة العسكرية التي سنتلقى منها الأوامر، وكان قائدها في ذلك الوقت الصاغ جمال عبد الناصر، الذي استقبلنا بحفاوة، وكأنه ينتظرنا، قال لنا وقتها: ستشاركون معنا في القتال، فأجبته بأن معي 300 جندي فقط، و100 بندقية غير صالحة للاستخدام، فقال لي: سأمدكم بكل الأسلحة التي تحتاجونها، وبدأنا المشاركة معهم في الحرب.

سألته كشاهد عيان على حرب فلسطين.. ما مدى صحة فضيحة الأسلحة الفاسدة التي قام الملك بشرائها للجيش المصري؟
صمت قليلًا، ثم قال: بما أننى شاهد عيان على تلك الأيام الحزينة، والعمر لا يسعفني أن أبرئ الملك فاروق وقتها؛ لأننى لم ألق بالًا للسياسة ولا أتدخل فيها، ولكن الحقيقة غير ذلك.. فالأسلحة التي اشتراها الملك من الإنجليز كانت سليمة 100%، وكانوا يقومون بتخزينها عندنا في مخازن كبيرة بمنطقة التل الكبير، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ويضعون عليها شحومًا كثيرة حتى لا تصدأ.

وقام الملك بشرائها وشحنها للمقاتلين في فلسطين دون تنظيفها من الشحوم، ولأننا لم نكن مدربين؛ سواء الجنود أو الضباط، على هذه الأسلحة، فكانت الطلقات تخرج من البندقية أو المدفع نحو من يطلقها، بدلًا من توجهها نحو العدو.. بالإضافة إلى القنابل الحمراء التي كانت تنفجر في الضباط والجنود لأن من المفترض أن يتم إلقاؤها بعد ثوانٍ من شد فتيل الأمان، ولكننا لم نتدرب عليها، ومات وأصيب كثيرون من رجالنا، وأصيب منهم ضابط من دفعتي اسمه فؤاد، وقطعت القنبلة يده، وهذا يعود بنا إلى الحرب العالمية الثانية والتي أكسبت اليهود خبرة في الحرب واستخدام الأسلحة أكثر منا، وهذا سبب انتصارهم على العرب في حرب فلسطين.

ويضيف: أما الملك فهو بريء من التهمة التي ألصقها به- بعد ثورة يوليو 52- الكاتب الشهير إحسان عبدالقدوس، الذي كتب أن العرب خسروا الحرب بسبب الأسلحة الفاسدة، ولكننا كضباط لم نتكلم عن ذلك، حتى عبدالناصر نفسه، وعبدالحكيم عامر كانا يعلمان الحقيقة وقتها، ولذلك قام عبدالناصر بعد الثورة بإنشاء الكلية الفنية العسكرية والمعهد الفني ليكون عملهما الأساسي هو تشريح الأسلحة المستوردة وكيفية عملها، وملاءمتها لجو الحرب ومسرح العمليات في مصر.

أما الملك فهو بريء ووطني، ولا يقوم بهذا العمل أبدًا.. نعم كان هناك فساد في نواحٍ أخرى، ولكن الأسلحة الفاسدة كلام فارغ لا يصدقه عقل، وأنا قابلته أكثر من مرة، فقد كان يقوم بزيارتنا على الجبهة، وفى نادي الضباط، ويقضي معنا يومًا كاملًا، ويسهر معنا، وأنا بصراحة كنت أحبه، ورغم أن رجال الثورة خلعوه، ولكنهم كرموه كآخر ملك لمصر، عندما خصصوا له سفينة يخرج بها، ومراسم عسكرية تليق به كملك لمصر، ولم تعاقبه الثورة على أي تهمة من التهم التي ثبتت عليه بعد ذلك.

 

ما علاقتك بالضباط الأحرار قبل الثورة؟
بعد عودتي من فلسطين تم تعييني مدرسًا بالكلية الحربية، وفى الحقيقة أنا لم أكن منهم، وكانت تأتينى منشوراتهم، وأنا مدرس بالكلية الحربية، ولم أهتم بها، بل كنت أمزقها، وعقب قيام الثورة فوجئت بأن نحو 7 من مجلس قيادة الثورة عندي في الكلية، ومن أصدقائي.. أتذكر منهم: شمس بدران.. صلاح نصر.. عبد الباسط رضوان.. وكمال الحناوي.

 

وعندما سألته: لماذا لم يخترك الضباط الأحرار واحدًا منهم، بالرغم من حبك لمصر واشتراكك في معظم العمليات العسكرية؟
أجاب بعد تنهيدة عميقة: علمت بأمر التنظيم بعد الثورة، والسبب أنني كانت تربطني علاقة وثيقة باليوزباشي أحمد إسماعيل، منذ عام 46، وكان يعيننى مساعدًا له في كل منصب يتولاه، وكان غير محبوب من الضباط الأحرار؛ لأنه كان جادًا وحازمًا، فكانوا يخافون منه، بالإضافة إلى أن قائدي بمدرسة المشاة كان هو القائم مقام الجيزاوي، وكان المساعد الخاص للملك فاروق.

لذلك خاف وقتها الضباط الأحرار مشاركتى معهم.. ولكنهم لم يشكوا يومًا في حبى لمصر وولائى لها.. وعقب قيام الثورة تم تكليفى في اليوم التالى مباشرة قائدا لمنطقة أبو زعبل، وكانت ذات أهمية عظيمة وقتها؛ لأن بها الإذاعة المصرية، وأول ماكينة توليد كهرباء، فكانت لها أهمية استراتيجية، وكنت سعيدًا جدًا فالناس كانوا يهتفون لنا، ونحن بالملابس العسكرية، وكأننا المخلِّصون من الطغيان والاستعباد.

وبالرغم من حبي للملك فاروق، وحزنى على تركه مصر فإننى كنت سعيدًا جدًا بالثورة التي كانت أهم مبادئها بناء جيش قوي، وكان هذا حلمي طول عمري، أن يكون لمصر جيش قوي يطرد به الاستعمار الإنجليزي الذي كان يعبث ببلدنا، وأيضا يحمى مصر، وأرضها من أي طامع في المستقبل.. فمصر ربنا كرمها في القرآن، ولابد أن تكون ذات مكانة عالية فهى عبارة عن جنات وعيون وكنوز ومقام كريم.
 

الجريدة الرسمية