رئيس التحرير
عصام كامل

مقدونيا.. وكر الإخوان الجديد.. اخترقوا الدولة بـ"سلاح المساعدات الإنسانية والتعليم".. و"أردوغان" كلمة السر في الدعم

أردوغان
أردوغان
«البيوت الآمنة».. إستراتيجية اتبعتها جماعة الإخوان الإرهابية منذ سنوات طويلة، حيث اعتادت منذ سنواتها الأولى العمل على أن تكون لديها خطط وأماكن بديلة تلجأ إليها عندما يضيق الخناق عليها من جانب الحكومة والأنظمة التي تكشف حجم إرهابها.


مقدونيا ..المقر الجديد

وقد نفذت هذه الإستراتيجية مرات عدة على مدار تاريخها، ومؤخرًا بعد أن ضاقت غالبية دول العالم بـ«إرهاب الإخوان»، لم تجد الجماعة حلًا سوى البحث عن واحد من أماكنها الآمنة للانتقال إليها على أمل انتهاء موجة الانتقاد العالمي لأنشطتها.

«مقدونيا الشمالية».. البيت الآمن الذي وجهت إليه الجماعة بوصلتها، وأصبحت بمثابة السرداب السري للإخوان، حيث ترى قيادات «الإخوان» أنها أرض صالحة الآن لاستقبال العناصر التي ستضيق بها السبل خلال الفترات القادمة، وبخلاف ذلك تعيش الجماعة حالة من الرعب، بسبب تقدم مصر في ليبيا وتقاربها مع كافة الأطراف، وتراجع تركيا ورغبتها في تخفيف القبضة الدولية الخانقة عليها، بعد أن أصبحت موصومة برعايتها للإسلام السياسي.

موسم الهجرة

اهتمامات كل تيارات الإسلام السياسي وخاصة التي تعيش في الغرب تغيرت، وأصبحت تعد العدة للهجرة إلى مقدونيا بعد الاعتقالات المتزايدة لهم في النمسا، وسط رغبة محمومة لتحجيم هذا التيار وقطع أوردته وأوصاله حتى لا ينمو أكثر بما لا يجعل للبلاد طاقة على تحمله في المستقبل.

وعلى درب النمسا تسير فرنسا والعديد من البلدان الأوروبية، والقارئ الجيد لتاريخ الجماعة يدرك أنها تعرف منذ عقود طويلة أن أوروبا الوسطى والشرقية هي المستقبل الأفضل لها، ولكن كان عليها الانتشار في أوروبا الغربية ووضع يدها على مفاصل هذه البلدان حتى تشارك في السياسة والحياة العامة، بعد أن يكتسب أعضاؤها الجنسيات المختلفة، بما يمكنهم من صناعة القرار وحماية مستقبل الإسلام السياسي، وهو ماحدث خلال السنوات الماضية.

تحركات «الإخوان» رصدها تقرير صدر مؤخرًا عن مشروع مكافحة التطرف CEP وكشف أنشطة الجماعة في مقدونيا، والتي يتخفى فيها الكثير من الإخوان حاليا وسط السكان المسلمون الذين تتنوع عرقياتهم من أصول ألبانية وتركية وسلافية.

وتعتمد «الإخوان» بشكل واضح على إرث الجماعة الإسلامية المعروفة اختصارا باسم IVZ والتي تمكنت من تثبيت أقدامها منذ بداية تسعينات القرن الماضي واعترفت بها الدولة في عام 1994، ووثقت هذه الجماعة علاقتها بكل تيارات الإسلام السياسي، ولاسيما الإخوان التي اخترقتها عن طريق ما يعرف بالمنظمات الشبابية والطلابية في أوروبا.

العمل الخيري والتطوعي

سيطر الإخوان على الجماعة التي اشتركوا فيها من باب العمل الخيري والتطوعي، وضخوا خبراءهم في التعليم، لإقامة مدارس خاصة للمسلمين، في إطار العمل على نقل الأيديولوجيا الإخوانية وتثبيتها.

وتم التغطية على هذه الأهداف بالنشاط في مجال المساعدات الإنسانية، لكن مع الوقت خرج المشروع الفكري للإخوان على يد الأجيال التي درست المناهج الإخوانية على المجتمع المقدوني.

ظهرت الإخوان بقوتها الحقيقية في مقدونيا بعد 2011، ويكشف عن ذلك مؤتمر نظم بعد نجاح ثورة يناير بأشهر قليلة، وحمل عنوان «الإسلام في أوروبا.. خطر أم إنقاذ » وحظى باهتمام كبير بسبب الدعاية المكثقة وتواجد عائلة حسن البنا نفسه على رأس المنظمين، ولاسيما هاني وطارق رمضان حفيدي البنا.

وأهم مشاهير دعاة الإسلاميين بوجه عام والإخوان بوجه خاص في أوروبا.

وكشف المؤتمر عن الشبكات العنقودية التي نجح الإخوان وأنصارهم في تأسيسها بالظل، إذ كان يرعى الاتصال مع «إسلاميو مقدونيا» القياديين بالجماعة محمد البلتاجي وحازم فاروق، ما يعني أن الجماعة ورغم خطورة الأوضاع في مصر خلال عامي 2012 ـ 2013، إلا أنها كانت ترى أهمية هذه المنطقة بوضوح، وربطت نشاطها التبشيري في البوسنة وبورما واليونان، بمقدونيا.

الدور التركي

وتعتمد الإخوان على تمتع تركيا العثمانية بمكانة تاريخية وثقافية داخل مقدونيا، وتروج لأفكارها داخل الأقلية العرقية الكبيرة من الأصول التركية، وتعتبرها السلاح الأهم في معركة اقتحام هذه الديار، ولاسيما أنها نجحت في استخدامها من قبل لتلميع مشروع أردوغان في مقدونيا، ما أدى بالفعل إلى توسيع القوة الناعمة للأتراك على مدار حكم أردوغان.

مع تقدم الثورات العربية، وسعي أردوغان لإنتاج مشروع أممي تم تأسيس حزب «بيسا» على أسس ونظريات حسن البنا، ونشط الحزب في الشارع لسنوات تحت التأسيس إلى أن تم الاعتراف به رسميا عام 2014، ويساند الحزب بشكل واضح سياسات أردوغان، وكان يستخدمه مثل كل أذرع تيارات الإسلامي باعتباره تجربة يمكن القياس عليها للبرهان أن الأحزاب الإسلامية قادرة على إنتاج فلسفة تناسب الواقع.

ومع الوقت استحوذ الحزب على دار نشر بعد أن ظهر عليه ملامح البذخ المالي غير معلوم المصادر، وأصبح يروج بشدة للمنهج الإخواني ودأب على توزيع كتب رموزه ولاسيما حسن البنا وسيد قطب ويوسف القرضاوي.

نتاج هذه الآلة الجبارة للدعاية لمنهج الإخوان داخل مقدونيا، وضح جليا في الدعم المقدوني لأردوغان ضد محاولة الانقلاب عليه عام 2016، وقدمت البلاد مساعدة سياسية ودبلوماسية لأردوغان، وامتد النفوذ التركي لما هو أبعد، حيث نفذت مقدونيا بضغوط الحزب والجماعات الدينية العاملة حركة تطهير قاسية ضد حركة الخدمة التركية التي يتزعمها فتح الله جولن، الزعيم الصوفي المتهم من أردوغان بتدبير الانقلاب ضده، وأجبرتها على مغادرة قطاعات التعليم.

وتم غلق المدارس التابعة للحركة في البلاد، كما تم تعقب الموظفين الأتراك الموالين للحركة وفُصل الكثير منهم، لكن في المقابل وعلى عكس الريح، أصبح يتزايد في المجتمع المقدوني وجود حركات مناهضة للجماعات الدينية وخاصة الإخوان، خوفا من الانقسام وتفشي العنف والكراهية بسبب إطلاق الحبل على الغارب للتيارات الدينية.

ولاسيما أن الأغلبية في البلاد مازالت مسيحية، وليس من مصلحتها تواجد هذه الجماعات في الدولة بأي شكل.

معارضة مقدونية

كما تعارض الكثير من الصحف والأحزاب السياسية تخاذل الدولة المقدونية في عدم اتخاذ قرارات حاسمة في التعامل مع هذه الأزمة، وهي نفس البداية مع النمسا والبلدان الآخرى التي لفظت الإسلام السياسي ورفضته.

ويبقى تسليط الضوء على البؤرة المقدونية هو العامل الأهم لمنع تحول البلاد إلى سكن مفروش جديد للجماعة وأنصارها.

وفى هذا السياق قال الدكتور أشرف العيسوي، الباحث والخبير في الشئون السياسية والإاستراتيجية: التحركات الخارجية للإخوان لإيجاد مساحات جديدة لهم، تعتمد على التنظيم الدولي في المقام الأول، وهناك علاقات وأطر تنظيمية لا تزال قائمة، ولاسيما أن التنظيم الدولي كان ولايزال رأس حربة التنظيم في ترويج أفكاره.

وأشار «العيسوي» إلى أن التنظيم يسخر كل إمكانته لتمكين المشروع السياسي للجماعة، وهذا لن يحدث إلا بإيجاد ممرات آمنة أولا، مؤكدًا أن الجماعة لازالت موجودة في أكثر من سبعين دولة، كما تملك بعض أدوات التأثير الإقليمي والدولي.

كما شدد على أن الجماعة لا يهمها المخاوف الداخلية للدولة، بل ما يهمها الاستمرار في بناء أيديولوجية عابرة للحدود، لا تحترم سيادة الدول، ولا تقر بخصوصيتها الثقافية والاجتماعية والحضارية.

نقلًا عن العدد الورقي..،
الجريدة الرسمية