رئيس التحرير
عصام كامل

محمود ياسين غير مجرى حياتى!

"سرحان بشارة سرحان" المتهم باغتيال روبرت كنيدى المرشح للانتخابات الامريكية، والذى وجد بين أوراقه جملة "روبرت كنيدى يجب أن يموت" وبسببها كانت أولى مسوغات اتهامه، "سرحان بشارة سرحان" بهذا العنوان كان المسلسل الاذاعى 1967-1968 عن الفلسطينى الذى اتهم بقتل روبرت كنيدى..


تعلق صوت سرحان بشارة سرحان بأذنى، حتى تعرفت عليه فى مسلسل "بدلا من الضياع" فى 1969، ثم ظهر فى السينما نجما ساطعا إنه محمود ياسين، من يصدق إنه فى بعض الأوقات يعرض له أكثر من فيلم فى وقت واحد. فى شتاء 1997 وأثناء ممارستى لعملى فى مركز رامتان طه حسين الثقافى، فوجئت بإحدى الزميلات تخبرنى الفنان محمود ياسين على التليفون!   

الحفاء وعيد ميلاد الملك فى عصر الاحتلال!!
قلت مندهشا: الفنان محمود ياسين!؟ عايز محمد نوار!؟
ردت الزميلة: هو طلب حضرتك بالاسم .

من أهم أسباب اندهاشى هو لم يكن هناك أى تواصل بيننا بأى صورة، فهو الفنان العملاق الذى ظهر وتآلق أمامنا، بل إننى كنت دائما أرى أن الفنان محمود ياسين هو أقرب الفنانين بملامحه المصرية الأصيلة .

قلت: صباح الخير استاذنا الكبير، أى شرف لى أن ابدأ يومى بأن أسمع صوت حضرتك!   
قال بنبرة صوته العبقرية: صباح الخير يا أستاذ نوار، أنا متابع جهدك فى رامتان، وسعيد به، إحنا جيران، أنا ساكن فى الشارع اللى وراك، وبعدين ياسيدى تابعت ندوة السينما والعولمة!   
قلت: شرف لى ولرامتان هذه الشهادة .
قال : لما تعمل ندوة عن السينما أبقى افتكرنا يا أخى، إحنا برضه قدمنا سينما، طبعا نور الشريف حبيبى ونجم كبير، كنت حابب أشارك معاكم .

قلت: ياااه.. شرف لنا والله مجرد أن تقول هذا الكلام، إحنا نجهز لحضرتك ندوة خاصة .!
قال: أنا حبيت أكلمك وأشيد بجهدك، وياسيدى الندوات الجاية كتيير .
انتهى الحوار الذى امتد إلى أكثر من نصف ساعة، وكنت فى غاية السعادة والفرح بالاتصال أولا، ثم بكل كلمة عن رامتان طه حسين الذى كان فى ذلك الوقت فى بداية نشاطه الثقافى .

حدث بعد ذلك تواصل مع الفنان الكبير محمود ياسين، ولم يكن التواصل من أجل ندوة أو عمل ما، إلا اننى كنت أعتبره مصدر مهم ضرورى سماع رؤيته فى بعض القضايا التى كنت أتعرض لها فى ندواتى، والذى يعرف الفنان محمود ياسين يدرك جيدا إنه مثقف موسوعى، وليس مثل معظم الفنانين الذين لا تتجاوز ثقافتهم الكلمات التى يحفظونها لأداء أدوارهم، وصرنا أصدقاء..

أصيب بوعكة صحية عنيفة، نجى منها بحمد الله، وعاد للتمثيل بعدها بأحد أدواره الخالدة هو "حلمى عسكر" فى مسلسل "سوق العصر"، وبالرغم إن القاعة تسع 100 كرسى إلا إن الجمهور الذى جاء من أجل الفنان محمود ياسين أكثر من 350 فرد، ظلوا وقوفا أكثر من ساعتين ونصف، وظل الفنان الكبير يشرف رامتان طه حسين سنويا حتى 2012..

عالمنا العربى.. وصفارة د.أبوالعزايم!
كانت أخر ندوة له فى رامتان، عن "حرية الابداع" فى ظل وجود الإخوان المجرمين فى الحكم، ولكن لم ينقطع التواصل بينا، وأذكر يوم نشر إنه ترك المسلسل الرمضانى مع عادل إمام، وأشيع لانه تخلف فى مواعيده، وكانت نكتة ضحك عليها كل من فى الحقل الفنى، لأن الفنان محمود ياسين نموذج للانضباط غير عادى..  

وعندما سألته عن السبب الحقيقى، روى كل أحداث الموقف، وكان متعجبا مما حدث معه، عندما جاء إليه شخص فى غرفته فى مكان التصوير وطلب منه الا يكمل العمل، وطلب منه الانسحاب، والمفاجأة جعلته يترك العمل غير حزين لسلوك المسئولين عن العمل، وعندما سألته عن تأثير هذا الموقف، ابتسم وصوت ضحكته ارتفع، قائلا: ازعل علشان حاجة تستاهل والامر كله لا يستاهل!   

من يعرف محمود ياسين يدرك جيدا حجم الرقى والخلق والرحابة لدى قلب يحب ولا يكره، محمود ياسين طاقة تفاؤل وطيبة لا نهاية، محمود ياسين من الفنانين القلائل الذى ستظل مسيرته الفنية التى امتدت لأكثر من 55سنة دون شائبة أو إشاعة وسيظل تاريخه ناصع البياض .

فى عام 2002 كنت أعانى من العمل فى رامتان طه حسين، فإتصلت بالفنان محمود ياسين أشكو مما يحدث معى، فإذا به يبتسم ويضحك، ويحول الحوار إلى حوار باسم وقال: إننى أتابع كل نشاط رامتان وورش الأطفال أسمع كلمتى.. كل ما تقدمه إن شاء الله فى ميزان حسناتك!   

بسبب هذه الكلمة الرائعة عملت بعدها 15 سنة فى رامتان، وكلما كنت أشعر بالضيق او الغضب فى العمل، إتذكر كلمات الفنان الإنسان محمود ياسين بأن ما افعله فى ميزان حسناتى.
إن شاء الله حكايتى مع محمود ياسين سأضعها قريبا فى كتاب لأن ما كان بيننا أكثر مما يتوقع القارئ.
رحم الله الفنان الإنسان محمود ياسين
الجريدة الرسمية