رئيس التحرير
عصام كامل

حكايات من مصر.. "خاير بك" عدو المصريين يبر الفقراء في آخر أيامه

لوحة أرشيفية لمصر
لوحة أرشيفية لمصر قديما

على مدار العصور والعهود المتعاقبة، حفل التاريخ المصري بالعديد من الأحداث والحكايات التي ظلت تروى جيلا بعد جيل، أو تلك التي لم يعرفها الكثيرون.


وفي محاولة منه لرسم خيوط ما مر به المصريين، وحال حكامه المتواليين منذ العصور الوسطى، وحتى حكم أسرة محمد علي باشا، سخر المؤرخ والكاتب الصحفي صلاح عيسى قلمه على مواقف وأحداث أغلبها غير معروف، تنير لقارئها دلالات عصرها، ودونها في كتابه "هوامش المقريزي.. حكايات من مصر".


وفي صورة ومضات سريعة، وأسلوب سهل يفهمه الدارسون وغير الدارسين، نجح الراحل صلاح عيسى، في تسليط الضوء على فترة هامة من عمر الأمة المصرية.


وتعد قصة الأمير خاير بك قائد أحد أجنحة الجيش المصري في معركة مرج دابق ضد العثمانيين، من أبرز محطات الخيانة في التاريخ الوطني، حيث دوى صدى فعلته تلك لقرابة الثلاثة قرون من معاناة المصريين ووقوعها البلاد تحت الاحتلال العثماني.


ويحكي صاحب "هوامش المقريزي" قائلا: "في معركة مرج دابق خان الأمير المملوكي خاير بك الجيش المصري وانسحب بفرقته بناء على اتفاق سابق مع الغزاة، تاركا قلب الجيش مكشوفا أمام فرسانهم وهو ما أدى إلى هزيمة الجيش المصري فسقطت مصر تحت أقدام العثمانيين". 


ومكافأة له على خيانته عينه السلطان العثماني سليم الأول حاكما على مصر المحتلة، فسار في الناس سيرة سيئة وسماه العوام "خاين بك"، وعانى حصارا نفسيا رهيبا نتيجة لمعاملة الناس له، الذين لم يغفروا له تواطؤه مع الغزاة وخيانته للوطن، فتحول إلى سفاك شرس حتى وصفه معاصروه بأنه كان جبارا عنيدا، سفاكا للدماء، قتل في ولايته ما لا يحصى من الخلائق. 


ويروى أنه شنق رجلا لأنه سرق ثمرة فاكهة من حديقة له، وشنق في مدة حكمه وهي خمس سنوات ما يزيد على عشرة آلاف إنسان، أغلبهم راح ظلما. 


وكان من المعتاد، عندما يصاب الأمير المملوكي بمرض الوفاة أن يبر بالناس، حدث هذا في عصر الأشرف قايتباي، وفعله أيضا قانصوه الغوري الذي الذي أصيب بعارض في عينيه، وخشي الإصابة بالعمى، فجاد على الناس، وأفرج عمن بالسجون. 

 

وعندما دخل "خاين بك" في النزع الأخير أعتق جميع جواريه وعبيده ومماليكه وأمر بتوزيع عشرة آلاف إردب قمح على الفقراء والمجاورين، وأفرج عن المحابيس رجالا ونساء، وتحول الخائن الذي باع بلده، والذئب الذي ابتكر وسائل التعذيب، إلى إنسان ضعيف، جاد مع الناس وبر الفقراء والمساكين، وقال ابن إياس إن ذلك لم يفده بشيء، ويأبى الله ما أراد. 

 

وبعد موت خاين بك - كما أطلق عليه العوام - نزل حريمه من القلعة، على وجوههن غبرة، وهن في غاية الذل.


وعلق أحد مؤرخي العصر على ما فعله في أواخر أيامه، قائلا: "وغالب هؤلاء المماليك لا يعرفون الله إلا وهم تحت الحمل إذا جرت عليهم مصيبة، يجودون في حق الناس ويفعلون الخير".

الجريدة الرسمية